لو ان الاساتذة محرري (البيان)عرفوا صديقي (احمد...) وما قاله, لأقاموا احتفالا كبيرا. وصديقي هذا على عبقريته في الطب, لا علاقة له بأي شيء غيره. لا يعرف أي شيء في الأدب أو التاريخ أو الفن أو السياسة. وذات مرة طلبني في التليفون ليسألني مستريبا: صحيح هناك ممثلة اسمها شريهان؟! وأجبته بالايجاب, فبدا عليه الاحباط, إذ يبدو انه كان يؤكد لآخر انه لا توجد ممثلة بهذا الاسم . ولسوء حظي قبل حظه كانت هناك ضيفة أمريكية, فسمعت آثار المكالمة من تعليقات وضحكات. وقاطعت الامريكية كل هذا متساءلة: هل ستعمل شريهان الفوازير هذا العام أم ستعملها نيللي؟ وحملقت في الامريكية التي عاشت عاما في القاهرة فعرفت شريهان ونيللي في حين ان صديقي الطبيب العبقري لم يعرف من هي شريهان! ولو كانت هناك مساحة كافية لسجلت مئات الاسئلة التي يمطرني بها كل يوم, ربما لأنني الوحيد الذي يرد عليه, أما اصدقاؤنا الآخرون فيصل بهم الأمر الى حد شتمه ظنا منهم انه يسخر منهم, خاصة عندما يسأل هل بنجلاديش في أوروبا أو أمريكا. والخديوي اسماعيل هل كان حاكما لمصر أو تونس, وقصة كلينتون ومونيكا هل لها مؤلف أم انها مثل حسن ونعيمة مؤلفها مجهول.. الخ.. صديقي هذا سألني: ألست تكتب في (البيان) ؟ وأصابتني دهشة شديدة, وتلفت حولي لأرى هل لقنه أحد الاسم, فهو لا يعرف (البيان) ولا أية صحيفة اخرى. ورغم صداقتنا التي تمتد الى الطفولة, الا انه كان يظن الى وقت قريب انني مؤلف أغان, وقدمني الى صديق له قائلا: أتعرف ما اضناه في جفاه, وحبة فوق وحبة تحت. صديقي يؤلف هذه الأشياء؟ فلما استنكرت ذلك وشرحت له, بدا عليه انزعاج شديد, وسألني: ومن يؤلف هذه الأغاني؟ فاذا عرف صديقي الطبيب (البيان) فهذا نصر يستحق الاحتفال, اما اذا عرف انني اكتب فيها فهذا شيء يوازي جائزة نوبل. وابتلعت دهشتي وسألته عن سبب سؤاله, فقال لي انه يريد مني ان أكتب في (البيان) انه أفضل لاعب اسكواش في العالم وانه بالامس فقط هزم الدكتور فلان هزيمة منكرة. واعتبرت طلبه مزحة لا تقل فكاهة عن معرفته انني كاتب. لكنني فوجئت به على غير العادة يؤكد ضرورة ان أكتب هذه الحقيقة. قلت له انني لا يمكن ان أكتب عن الاسكواش لأنني لا أفهم هذه الرياضة, بل ولا أفهم أي نوع آخر من الرياضات ولا حتى كرة القدم. وحتى لو فكرت في الكتابة ــ وهذا مستحيل ــ فلن أستطيع ان أكتب انه أعظم لاعب اسكواش, خاصة انني أقرأ احيانا أسماء مثل خان وبرادة. وقال صديقي الطبيب: ما بك, هل تدخلني في متاهة. ان ما أطلبه منك شديد البساطة.. اكتب في صحيفتك.. الدكتور احمد ... الاستاذ بجامعة كذا.. هو أعظم لاعب للاسكواش. ومن فضلك أكتبها بالبنط العريض وارسل لي عشر نسخ من الصحيفة. وأغلقت سماعة التليفون وأنا ثائر على صديقي. ولكن بعد دقائق أخذت اتذكر بعض الاقوال.. ممثل من الدرجة الثالثة يرحمه الله: انا وبيتر أوتول فقط نستطيع ان نؤدي هذا الدور. كاتب متهم بافساد الاذواق (وهو سكران ويبكي): أرأيتم ما فعل نجيب محفوظ, سرق نوبل مني! كاتب لا يعرفه أحد: أنا والحمد لله أحسن من يكتب اللغة العربية. كاتب ممتاز (للأسف): من قال انني ادعي انني مثل شكسبير. انا فعلا أعظم من شكسبير! ممثلة ممتازة (للأسف أيضا): عندما قمت بأداء هذا الدور كنت مترددة وخائفة ولكن بعد عرض المسلسل حمدت الله, خاصة عندما قامت مظاهرات في حي السيدة زينب مطالبة التلفزيون بمسلسلات من هذا النوع وأكون فيها. وقلت للممثلة الكبيرة: لقد نسيتي المظاهرات التي قامت في مصر الجديدة. لقد كنت شاهدا عليها. فضلا عما سمعته عن مظاهرات أسيوط. ونادت الممثلة الكبيرة على أحدهم فقد كنا في احدى الحفلات التي أقامها التلفزيون بمناسبة شهر رمضان وقالت له: المظاهرات كانت أيضا في مصر الجديدة وأسيوط وطنطا. ولم أكن قد ذكرت طنطا لكن عندما نظرت إليّ متسائلة أكدت ما قالته. فما المانع في ان تقوم مظاهرات في طنطا تطلب ممثلة معينة في مسلسل من نوع معين. هذا الجنون الذي أصاب الناس فصاروا يدعون انهم أفضل الناس, ما سببه؟ اعتقد ان السبب الرئيسي هو غياب حركة النقد. ولقد أشار لها الشاعر العربي منذ خمسة عشر قرنا أو مايزيد عندما قال: أنا أشعر الناس! فقالوا له: لو انتظرت حتى يقولها غيرك. فقال: انتظرت أربعين عاما, فلم يقلها أحد. ولو ان هناك حركة نقدية على مستوى لأصبح من الصعب ان يدعي احد ما ليس له. حقا ان هناك من يفرق الألقاب ولكن هذا يدمر الهامش النقدي الجاد ولا يفيده. ولقد كان هناك زمان فيه عدد من مخرجي التلفزيون الممتازين: محمد فاضل, يحيى العلمي, اسماعيل عبدالحافظ, عباس ارناؤوط... الخ, ولم يقل واحد منهم انه أفضل المخرجين. وأيضا لم يكتب ناقد جاد هذا الحكم. وكانوا جميعا يقدمون أعمالا متميزة, يتفوق هذا أو ذاك في هذه المرة, بل قد يتفوق غيرهم. فلا يدعي من تفوق انه أفضل المخرجين, فالقمة تتسع للكثيرين. الى ان أتى مخرج وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا, فقال: أنا أفضل المخرجين! وبدا هذا غريبا على الاذن. لكنه أضاف: وليس هناك غيري. واستفز هذا الكثيرين. فمن حقك ان تقول: أنا أشعر الناس, حتى لو لم تكن كذلك, ولكن ليس من حقك ان تنكر شاعرية امرىء القيس وطرفة بن العبد, وزهير بن أبي سلمى وغيرهم. وفي هذه القصة وغيرها لي رأي طريف, فكل خطأ له عقاب. وخطأ المغرور من وجهة نظري هو الغرور نفسه. فلا يقتل المبدع مثل الغرور الذي يصور له انه اعظم فناني الدنيا, فلا يقدم جديدا. والله عندما وقفت امام تمثال مايكل أنجلو... في كنيسة سان بطرس في الفاتيكان عجبت لكل فنان حمل الازميل بعد رؤيته. وبالطبع لكل من قال أنا أعظم كذا. ومن الافكار التي أؤمن بها جدا, ما قدمته كاقتراح الى مجلس ادارة اتحاد الكتاب عندما دخلت هذا المجلس, فلقد اقترحت ان يجمع الاتحاد بعض اعضائه بالدور ليزوروا دار الكتاب في زيارات دورية. فلما نظر لي الاساتذة الزملاء متسائلين, قلت لهم لو ان كاتبا قال انا اعظم الكتاب ثم دخل دار الكتب فربما أدرك مكانته. أين هو من الجاحظ وشكسبير وموليير وتشيكوف واين وبلزاك وفولتير وديستوفسكي الخ. قال احدهم هامسا: هل يريد ان يصيبنا بالاحباط!؟ وبعد الاجتماع دس في يدي احدهم وريقات مشبوكة بدبوس ويبدو انه داستها ألف سيارة وقال لي: اقرأ هذه وقل لي من أعظم الكتاب! وبعد ان قرأتها عرفت انني لن استطيع الحكم عليها, ولن يستطيع ناقد ان يقوم بالمهمة, وربما استطاع احد الاطباء النفسيين الحكم عليها. أعود الى صديقنا المخرج الذي قال انا افضل الجميع وليس على الساحة غيري. فلقد خرج مخرج مجهول لم أسمع به من قبل وقال انا افضل من هذا المخرج! وأغرقت في الضحك, فنحن في فيلم كوميدي يلقي كل شخص بالتورتة في وجوه الآخرين. ودق التليفون وإذ به صديقي الطبيب العبقري وقال لي: كنت اشرح لأحدهم انك مخرج, فقال انك كاتب. فقلت له ان هذه تساوي هذه, فلم يصدق. فهل انت مخرج أم لا؟! قلت له: كلامك صحيح. فأنا أعظم مخرج في العالم. كما أنك أعظم لاعب اسكواش في العالم.