ربما لم يُراود خيال كثير من الشباب حلم قدر حلم (الأمركة) ــ إن جاز التعبير ــ أو السفر إلى أمريكا .. الفردوس المفقود أو أرض الأحلام, كما تصورها أفلام هوليوود, التي تمطر سماؤها العملاق الأخضر (الدولار) وتنبت أرضها ما يسيل له اللعاب (الهامبورجر) ويتنفس أهلها نسيم الحرية دون خوف من رقيب . السينما المصرية حاولت في السنوات الأخيرة الاقتراب من حدود هذا الحلم عبر أفلام عديدة كادت تشكل ظاهرة مهمة في تاريخ السينما العربية عموما, ولعل أهميتها تكمن في أنها ناقشت بجرأة زيف النموذج الأمريكي وكشفت النقاب عن شعار خادع يقول ان الجنة والحرية في أمريكا يصنعها الامريكيون فقط. ولنبدأ بأحدث هذه الأفلام (صعيدي في الجامعة الأمريكية) .. الفيلم كوميدي يحتوي المتعة والضحك والتسلية والترفيه دون أن يقع في شرك الابتذال, وهي معادلة استطاع أن يحققها المخرج سعيد حامد من خلال السيناريو الذي كتبه مدحت العدل ومع أبطاله محمد هنيدي وطارق لطفي وأحمد السقا ومنى زكي ومجموعة كبيرة من الوجوه الصاعدة. انحياز للوطن ومنذ اللحظة الأولى تجلى انحياز الفيلم وصناعه للوطن حيث أهدوا الفيلم إلى روح الكاتب الراحل سعد الدين وهبة, وحيث طالعتنا على حائط الغرفة الرئيسية لمنزل عائلة البطل في القرية صورة الزعيم جمال عبد الناصر وكأنه ما زال في الوجدان رغم السنوات الثماني والعشرين من رحيله وهي رموز تؤكد انتماء البطل الصعيدي الذي لم يكرر الصورة التقليدية للصعيدي الساذج, بل قدمه في صورة الطالب المتفوق الذي نال منحة من الجامعة الأمريكية لأنه الثاني على الجمهورية في الثانوية العامة, فأصبح ضمن طلابها في إشارة الى حرص أمريكا على احتواء وليس احتضان أصحاب العقول الذكية والمواهب الفطرية وهذا المعنى يؤكده حوار الفيلم عندما يلتبس الأمر على واحد من أهالي القرية فيسميها المعونة الأمريكية بدلاً من ان يطلق عليها (المنحة الأمريكية) كما لو كان الهدف واحدا وهو الاحتواء والاخضاع. وقدم المؤلف مدحت العدل معالجة طازجة لنوع من الاغتراب الذي يواجه (الصعيدي) عندما يجد نفسه في قلب الجامعة الأمريكية التي يصر البعض من القائمين عليها أو الدارسين فيها على القول بأنها جزء من المجتمع الأمريكي. وقد نجح الفيلم في إعلاء شأن الفصيل الوطني داخل الجامعة, عبر التأكيد الدائم على التصاقهم بهموم الأمة العربية (إدانة الحصار الأمريكي للعراق, رفض البلطجة الاسرائيلية في المنطقة, والسخرية من ديمقراطية أمريكا التي تتهم الرأي المعارض لها بأنه فوضوي). ولعل النموذج الذي جسده الطالب الوطني (أحمد) ــ الوجه الجديد فتحي عبد الوهاب ــ كان الأكثر حضورا واشعاعا في مقابل الشخصية غير الأصيلة لمعيد الجامعة ــ (سراج طايل) ــ هاني رمزي ــ وهو شاب مصري لكنه يحمل الجنسية الأمريكية, ويكاد يتحول الى عميل لأمريكا ضد الطلبة الوطنيين في الجامعة. وفيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية) ليس فيلما سياسيا ولكنه زاخر بالمواقف السياسية التي مررت الرسالة جيدا ولم تغفر للمتأمركين خيانتهم في حق الوطن. أمريكا شيكا بيكا وفيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية) استطاع أيضا, بعد النجاح الهائل الذي حققه وبعد ايراداته التي تجاوزت كل الحدود, أن يعيد إلى الأذهان ثلاثة أفلام مهمة قدمتها السينما المصرية قبل أربع سنوات وأثارت ضجة كبرى, يأتي في مقدمتها فيلم (أمريكا شيكا بيكا) للمخرج خيري بشارة ومؤلفه مدحت العدل ــ مؤلف فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية والذي يبدو أنه يتألق كثيرا في الأفلام التي تتناول أمريكا ــ وشارك في بطولته المطرب محمد فؤاد ونهلة سلامة وشويكار وعماد رشاد وسامي العدل ومحمد لطفي ومجموعة من الوجوه الجديدة. الفيلم يحكي عن مجموعة من الشباب في مقتبل العمر يعيشون تحت سيطرة حلم السفر الى أمريكا, وكل واحد منهم له هدفه الخاص, فمن يحلم بالدولار ومن يحلم بالحرية ولكن تظل جنتهم المفقودة لايرونها إلا في أمريكا, فأمريكا في خيالهم تساوي الجنة. ولكنهم يفشلون في الحصول على تأشيرة الدخول لأمريكا, فاتفقوا مع أحد النصابين ــ بالطبع كانوا يجهلون ــ على تهريبهم عبر بلدان أوروبية وتتصاعد الأحداث ويمرون بظروف عصيبة حتى يكتشفوا في النهاية أن أمريكا مجرد حلم خادع فيلجأون الى السفارة المصرية بإيطاليا لتعيدهم الى الوطن مرة أخرى, وتنزل أغنية (أمريكا شيكا بيكا) بصوت محمد فؤاد والمجموعة على (تتر) النهاية لتؤكد قناعتهم الجديدة. والأمر المثير للشجن أن فيلم (أمريكا شيكا بيكا) مأخوذ عن قصة واقعية نشرتها الصحف المصرية قبل أربع سنوات عن مجموعة شباب حاولوا الهروب الى أمريكا عبر الحدود ولكنهم فشلوا وتم نقلهم الى المستشفى في حالة خطيرة فقد ساءت حالتهم الصحية بعد ان ظلوا وسط الثلوج أياما وليالي طويلة, وبالطبع كان شباب الفيلم أسعد حالا من شباب القصة الواقعية. أرض الأحلام (أرض الأحلام) كان الفيلم الذي قدمه المخرج داود عبد السيد ليدخل في سلسلة الأفلام التي تواجه الحلم الأمريكي الزائف من خلال (نرجس) ــ فاتن حمامة ــ التي عاشت حياتها كلها هادئة ومستقرة ولم تعرف ابدا التمرد, وولداها هشام سليم وعلا رامي يعملان في مهن مرموقة ولكن يطاردهما حلم السفر الى أمريكا ليلحقوا بشقيقهما المهاجر هناك منذ سنوات, ولكنهما فشلا في الحصول على تأشيرة السفر وكان أملهما الوحيد أن تسافر والدتهما لترسل لهما دعوة من هناك. ورغم حماسهما الشديد الا ان والدتهما تخذلهما كل مرة ساعة السفر حيث ترفض أن تسافر وبعد ضغوط شديدة ترضخ وتعد عدة السفر ولكنها تفقد جواز سفرها فتبدأ رحلة البحث عنه ليلة كاملة تقابل خلالها الساحر ــ يحيى الفخراني ــ الذي علمها التمرد, فتعود من جديد وترفض السفر رغم انها تعثر على جواز السفر المفقود, وبالتالي تفقد فرصتها الأخيرة في السفر. والفيلم الذي كتبه السيناريست الشاب هاني فوزي يدور بأكمله في ليلة واحدة هي ليلة رأس السنة وتمر أحداثه كأنها قصيدة سينمائية رقيقة وحاسمة في الوقت ذاته ترفع شعار (لا .. لأمريكا ..) . زيارة السيد الرئيس أما فيلم (زيارة السيد الرئيس) للمخرج منير راضي فقدم تنويعة أخرى ومختلفة تكشف مدى زيف الحلم الأمريكي وفي الوقت نفسه مدى تغلغله في جذور الوطن حتى وصل الى القرى الصغيرة والبعيدة. ويبدو ذلك واضحا من خلال احدى القرى التي تصلها أخبار ــ أثناء زيارة الرئيس نيكسون للقاهرة ــ عن مرور قطار الرئيس بقريتهم, فبدأوا يزينون قريتهم ويطلون الجدران في انتظار طلة الرئيس والمنح الأمريكية التي سيعطيها لهم الرئيس الأمريكي من نافذة القطار, وراحوا جميعا ينتظرونه في محطة القطار الذي أتى مسرعا ولم يتوقف ولم ينزل الرئيس كما كانوا يتوقعون فعادوا يجرون أذيال الخيبة ويحملون في صدورهم وثيابهم دخان القطار الذي كان يقل الرئيس الأمريكي. القاهرة - نيرة بركات