تبعث اجواء المستشفيات العامة والخاصة لي ولكثيرين غيري برائحتها النفاذة الشهيرة, شعورا خفيا بالوهن والضعف والانكسار, وهذا ما جعل الجفاء بيني وبين تلك المؤسسات متواصلا الا فيما ندر .. وهي المرات التي لا اجد فرارا منها الا لها كما يقول المتمنطقون بالامثال.. ومن هنا افر منها اليكم فأبدأ الحكاية عن مستشفيات القرن المقبل.. فما هي الحكاية؟ الحكاية ان الباحثين في مجال هندسة المستشفيات يرسمون بالتعاون مع الهيئات الطبية خلق اجواء مختلفة لمستشفيات المستقبل تعتمد على نسف النظرية التقليدية لمفهوم المستشفى واستبدالها بنظرية حديثة تقول ان النزيل ليس مريضا بل سائحا في مدينة مجهزة بمختلف انواع التسلية والرفاهية.. وبهذا ستكون مستشفيات المستقبل مدنا متكاملة بأسواقها وحدائقها ومتنزهاتها وملاعبها واحواض السباحة وغيرها من فنون التسلية والترفيه. ولكن اين المستشفى ورائحته المعتادة من ذلك كله؟ يبدو ان ذاك الشعور الذي يحسسنا بالضعف والانكسار عند تخطينا بوابة الدخول الى المستشفى سيختفي بلاشك, سينسى اغلبنا بفعل المؤثرات الايحائية المختلفة اننا مرضى ذاهبون الى المعالجة الطبية او لزيارة مريض نعرفه.. وسيعتقد الكثيرون انهم فعلا في مدينة سياحية تشعرهم بالراحة والطمأنينة والامان. هذا ما يحلم به الباحثون في مجال هندسة المستشفيات وما نحلم به نحن, خاصة اولئك البعض من الذين تنتابهم حالة اكتئاب حادة من رائحة المستشفيات, تجعلهم مرضى بالرائحة. ويرى هؤلاء الباحثون ان اجواء المستشفيات التقليدية تسهم في تأصيل وتأكيد المرض لدى اغلب النزلاء لانهم ينامون ويصحون ويأكلون ويشربون وهم في اسرتهم, الامر الذي يجعل الوهم مسيطرا على افكارهم فتضعف نفسياتهم وتصبح هشة قابلة للكسر والتأثر.. لهذا سيجد نزلاء مستشفيات القرن المقبل الامر مختلفا لان بامكانهم نظرا للتجهيزات التقنية العالية ان يغادروا اسرتهم بسهولة, وان يستمتعوا بأوقاتهم كيفما شاءوا, اذ بامكانهم ان يشاهدوا فيلما سينمائيا حديثا في دار السينما الموجودة في المدينة, وقبلها بامكان المريض او المريضة الذهاب الى صالون الحلاقة او التجميل لكي يحس ويشعر بالتغيير وبعد ذلك بالامكان التجوال في اروقة المتاجر والتبضع منها, او الذهاب الى الحديقة او المقهى او النادى. ويبدو ان فكرة مستشفيات القرن المقبل رغم اهميتها لن تروق الاطباء كثيرا لان اغلبهم جاد وتقليدي ولا يعير تلك الشكليات بالا او اهتماما. ورغم الصعوبات التي سيواجهها مديرو مستشفيات القرن المقبل مع الفكر الطبي التقليدي الا انهم متفائلون بحدوث نقلة نوعية في تأثير العلاج ونسب سرعة الشفاء, خاصة وان هناك تجربة امريكية ناجحة في هذا المجال. وكانت التجربة الامريكية قد اثبتت نجاحا هائلا, فمستشفى المستقبل الذي اطلق على جناح العناية التعاونية في المركز الطبي بجامعة نيويورك والذي اوحى لهؤلاء الباحثين بفكرة مستشفيات القرن المقبل يعتمد على اعطاء المريض استقلاله الذاتي. ففي يوم نموذجي مثلا يمكن للزائر ان يشاهد مريضا يتباحث مع الصيدلاني عن الآثار السلبية المحتملة لدواء يستعمله, وعدد من المرضى يحضرون دروسا خاصة حول حقن الانسولين او يشاركون في حصة رياضية. وتبدو الغرف الخاصة بالمرضى اشبه بالفندق, إذ لايوجد في البهو مقصورة للممرضات, وبالتالي لا ممرضات يرحن ويجئن لاستقبال الطوارىء خلال ساعات الليل ولا روائح ادوية مثلما هو معهود في كل المستشفيات, وفوق هذا وذاك لايتعرض النزيل الى ايقاظ مزعج من النوم في ساعات مبكرة من الصباح لقياس درجة الحرارة او الضغط وخلافه, بل يستيقظ على راحته ليجد برنامجه اليومي ملصقا على الباب. وقد لاقى مستشفى المستقبل في بدايته تذمرا من الاطباء الذين يعجزون احيانا كثيرة في العثور على مرضاهم في غرفهم رغم نظام المناداة والتخابر الداخلي لاستدعاء مريض قد يكون في الحديقة او في غرفة الرياضة او انه يتسلى مع آخرين بلعب الورق, فالاطباء لم يتعودوا على اعطاء مساحة كبيرة للمريض, فالادوية يجب ان تؤخذ في مواعيدها ومواعيد الفحوصات مقدسة وهكذا.. الا ان الباحثين في المجال الطبي يرون ان مستشفيات القرن المقبل بفضل التقنية العالية ستوفر البدائل لكي يرتاح طرفا المعادلة المريض والطبيب بشرط ان يتنازل الاطباء عن عليائهم ويتنازل المرضى عن دلعهم الزائد. عموما انتهي من حيث بدأت فأشير الى ان اجواء المستشفيات تبعث لي ولغيري برائحتها الشهيرة شعورا بالضعف والانكسار وان الجفاء بيني وبينها سيظل متواصلا باذن الله حتى ولو اقتحمتنا مستشفيات المستقبل بمراكزها التجارية ومقاهيها وحدائقها الغناء وصالاتها الرياضية ومسابحها ومناشطها المختلفة, لهذا سأتشبث بالمثل القائل (سر بعيد وتعال سالم) حتى لا اجد نفسي مقيدا بروائح الادوية.. وعافاكم الله.