25 عاما مرت على حرب أكتوبر المجيدة.. وتأخذنا الذكرى إلى تأمل أول انتصار حققه العرب على عدوهم الرئيسي. ولأن الأدب هو مرآة الأمم التي تعكس انتصاراتها وهزائمها وتبلور مسارها ومصيرها . فإن تأمل الأدب العربي في مواكبته لهذه الحرب المجيدة وهذا النصر العظيم يعد ضرورة موضوعية.. ليس فقط لأن الحروب الكبرى كانت ملهمة لأعمال أدبية خالدة أثرت في الأدب العالمي كله. ولكن أيضا لان الآداب العظيمة تجد في تجربة الحروب وما تفرزه من مسارات جديدة في التجربة الإنسانية ما يثري ويعمق آفاقها. والسؤال الجوهري هل استطاع الأدب العربي بالفعل أن يوكب هذه الحرب العظيمة ويعكسها في أدب عظيم, على المستوى القصصي والروائي والشعري والمسرحي وغيرها من الابداع المكتوب؟ السؤال طرحناه على عدد من الأدباء والنقاد في محاولة لاستيعاب الظاهرة وفهم آفاقها. ــ في البداية يقول الروائي إبراهيم عبدالمجيد: (الأدب الذي كتب عن حرب أكتوبر حتى الآن أدب عادي. وليس لدينا حتى الآن الرواية التي كتبت عن الحرب كأقصى فعل إنساني وعن مصائر الناس أثناء الحرب وأحاسيس الجنود ومشاعرهم الإنسانية في مواجهة الموت. وأعتقد ان كل ما كتب عن حرب أكتوبر أقرب إلى الأدب الاعلامي والدعائي عالي الصوت. أنا شخصيا حاولت الابتعاد عن ذلك. ولكنها محاولات قليلة لا تزيد على قصة قصيرة نشرت عام 1974 بعنوان (تعليقات عن الحرب) . ورواية نشرت عام ,1993 بعنوان (قناديل البحر) . بطلها أحد أبطال حرب أكتوبر. فالرواية ليست عن حرب أكتوبر ولكن عما جرى للبطل بعد هذه الحرب. (فهو يتذكرها لكنه يكتشف ان أحدا لا يتذكرها, فهي رواية أزمة) . ويستعرض إبراهيم عبدالمجيد عددا كبيرا من الروايات العالمية التي كتبت عن الحروب ولم يكتب مثلها عندنا. مثل: رواية (كل شيء هادئ في الميدان) لاريك ماريا ريمارك وهو أديب ألماني كتب روايته عن الحرب العالمية الأولى.. وليس لدينا رواية مثل (وداعا للسلام) أو (لمن تدق الأجراس) لهمنجوي. أو (الدون الهادي) لشولخوف. أو (صمت البحر) لفركور.. وغيرها.. ويقول إبرهيم عبدالمجيد: (هذه كلها روايات عن الحرب تتعامل مع الإنسان أمام مصيره. لان الحرب هي الحد الأقصى للحياة. فالتعامل مع الموت يحتاج إلى كتابة كبيرة. باختصار النظرة الاعلامية هي السائدة للأسف الشديد. وكنت أتمنى لو خرج من المعركة كاتب يكتب لنا عن سنوات الخنادق التي سبقت الحرب. وكيف كانت المشاعر الإنسانية. وكيف كان اليأس. وكيف كان الأمل. وكيف كانت صداقات الجنود تحت القصف وتحت الموت وفي مواجهة المصير؟. الانفعال والفن الشاعر أحمد سويلم سكرتير اتحاد الكتاب له رأي آخر في مسألة الكتابة الفورية عن حدث من الأحداث حتى لو كان حربا. فالابداع ليس كاميرا فوتوغرافية تقوم بتصوير الأحداث. ونقلها حرفيا, لحظة حدوثها.. يقول أحمد سويلم: (الأعمال الابداعية لا تقاس بانعكاس الحدث. ولكن بانعكاس آثار هذا الحدث. وحينما نتناول حدثا, فنحن أمام انفعال وقتي, واستجابة فورية حماسية. فيها قدر كبير من الانفعال وقدر قليل من الفن. ولكن حينما يمر وقت على هذه التجربة, وتصبح لها آثارا سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية فنحن أمام معايشة من نوع آخر, تتناول نتائج هذا الحدث, وكيفية انعكاسه على التعبير الأدبي) وفقا لهذا الرأي يقول أحمد سويلم: (أعتقد ان ما كتب بعد حرب أكتوبر إلى الآن هو من حصاد أكتوبر بشكل أو بآخر. وعندما نقيم الساحة الأدبية منذ أكتوبر 1973 فإننا في الحقيقة نقيم نتائج هذه الحرب على الساحة الأدبية في الشعر والمسرح والرواية والقصة. اجهاض الانتصار وإذا كان الشاعر أحمد سويلم لا يؤمن بانعكاسات الحدث مباشرة على الابداع. بما ينتج أدبا عن هذا الحدث. فإن الناقد الكبير فاروق عبدالقادر يرى ان تداعيات الحدث كانت السبب الرئيسي في اجهاض الانتصار والفرحة به. وهذا الأمر انعكس انعكاسا سلبيا على الابداع. فالسلاح حقق انتصارا باهرا, ومذهلا, ومعجزا, على مستوى التخطيط والتنفيذ وبطولات الجنود, والشهداء. لكن السياسة التي أتت بعد الحرب خذلت السلاح وبددت نتائج الانتصار ومن هنا انكسرت الروح وهذه المفارقة هي السبب من وجهة نظر فاروق عبدالقادر في أن أكتوبر كانتصار عظيم, لم يستطع أن يخلق أدبا عظيما, موازيا ومواكبا له. لان الأدباء أصيبوا بالاحباط من جراء السياسات التي جاءت بعد الحرب مباشرة. مثل الانفتاح الاقتصادي والارتماء في أحضان الغرب, والصلح مع اسرائيل وغيرها.. ويقول: لو ان نتائج حرب أكتوبر على المستوى السياسي كانت في نفس مستوى الأداء العسكري لكان الأدب العربي قد خلف أدبا عظيما عنها. لا يعلمون شيئا الروائي فؤاد قنديل يميل إلى الرأي القائل بأن ما كتب عن حرب أكتوبر لا يتناسب مع حجمها العسكري فالأعمال الأدبية التي كتبت عن الحرب قليلة من حيث الكم وضعيفة من حيث الكيف. والسبب من وجهة نظره يرجع إلى أن المثقفين لا يعلمون شيئا عن التفاصيل الدقيقة لآليات الأداء العسكري في هذه الحرب. ويقول: لو انهم كانوا يعلمون ما يكفي عنها لكان ذلك دافعا لهم إلى المزيد من العطاء في هذا السياق. ومع ذلك فقد كتب بعض الأدباء عن الحرب مثل أحمد الحوتي في ديوانه (نقوش على بردية العبور) . وفي مجال الرواية كتبت عدة أعمال للغيطاني والقعيد وسيد نجم. وأنا شخصيا لي رواية عن الحرب عنوانها (موسم العنف الجميل) . وقد كتبتها في أوائل الثمانينات حاولت فيها أن أقدم التفاصيل العبقرية في أداء الجندي العربي. ويرى فؤاد قنديل أن ما تقدمه وزارة الاعلام من احتفالات سنوية بذكرى حرب أكتوبر يعد شيئا لا قيمة له. فالاحتفال بهذه الحرب المجيدة, لا يجب أن يكون من خلال مجموعة من الرقصات والأغاني الهابطة) . ويعود فؤاد قنديل مرة أخرى ليؤكد ان اللائمة تقع على الأدباء بالدرجة الأولى, في التقصير عن ابداع أدب عظيم في مستوى هذه الحرب, لكنه يتفق مع فاروق عبدالقادر في ان الفصل الأخير من الحرب أو بالأحرى التصرف السياسي في نتائجها كان محبطا لكثير من الأدباء والمثقفين وكان سببا جوهريا لهذا التقصير. مظلومة بين أهلها ناقد آخر هو الدكتور مدحت الجيار رئيس قسم الأدب العربي بآداب الزقازيق.. وبالرغم من اتفاقه تماما مع الآراء التي ترى ان ما كتب عن حرب أكتوبر هزيل على مستوى الكم والكيف إلا انه يرد هذا التقصير إلى انعدام جدية الروائيين العرب. وعدم قدرتهم على الجلد والصبر الطويل والعمل الدؤوب والتوفر على عمل قد يحتاج انجازه إلى أكثر من عشرين سنة. فهؤلاء الروائيون لم يكتبوا عن حرب أكتوبر وإنما كتبوا عن تأثيراتها على الحياة الاجتماعية العربية. ويقول مدحت الجيار: (الروائيون العرب لا يصبرون على أعمالهم كثيرا. وإنما يستسهلون المتح من المشكلات والقضايا الاجتماعية والسياسية المعروف مسبقا أطرافها, ونتائجها, وتوقعاتها. إنما السهر على دراسة حرب ومواقع وطوبوغرافيا وإنسان وتاريخ وأسلحة وتوازنات دولية هذا يمكن أن يفني ربع قرن من حياة الكاتب فيموت جوعا. لانه لن يجد الجهة التي تمنحه تفرغا لمدة ربع قرن. ليخرج رواية قادرة على أن تستعيد روح الملحمة الشعبية العربية وروح المؤرخ العربي وروح القاص العربي القديم.. علينا ونحن نطالب الرواية أن نعطيها ما تستحق من الدعم لأن الكاتب في هذه الحالة يقوم بواجب قومي يذكره له التاريخ كالمقاتل تماما) . ثم يعضد مدحت الجيار رأيه باقتراح عملي فيقول: (ما أزال أردد وأطلب من وزارة الدفاع المصرية أن تتبنى مجموعة من الكتاب الذين حضروا هذه الحرب. وأن تعطي لهم تفرغا خاصا. وأن تضع تحت أيديهم وثائق هذه الحرب لنخرج بعدة روايات, تؤرخ لحرب أكتوبر المجيدة النادرة التي لا تزال مظلومة بين أهلها مع انها أوقدت روح الحياة من جديد في العرب بعد أن كادوا يموتون) . يموت واقفا على عكس كل الآراء السابقة يقول الشاعر د. حسن فتح الباب: (أنا ضد المقولة الشائعة التي ترى ان الأدب لم يواكب انتصار أكتوبر العظيم أو لم يرتفع إلى مستواه. والدليل على ذلك ان سلسلة أدب أكتوبر التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب قدمت كثيرا من الأعمال التي تضمنت ابداعات أصيلة, وصادقة, لأدباء موهوبين كانوا جنودا, وضباطا في الملحمة, فتوافرت في انتاجاتهم أهم عناصر الابداع: الصدق الواقعي, والصدق الفني. إذ حولوا الأحداث التي اشتركوا فيها إلى أعمال فنية من طراز رفيع. هذا عن القصة. أما عن الشعر فهو لم يتخلف أيضا وأنا مضطر للحديث عن نفسي فقد أصدرت الهيئة العامة للكتاب لي في يناير 1975 ديوانا كاملا يحتوي على أكثر من 20 قصيدة درامية, من وحي أكتوبر. وذلك بعد أن زرت الجبهة, مرورا بمدينة الاسماعيلية الباسلة. حتى العبور إلى الضفة الشرقية. حيث شاهدت مع مجموعة من زملائي الأدباء أطلال خط برليف. وكيف تحطمت بأيدي الجنود والضباط البررة من أبناء مصر أسطورة ذراع إسرائيل الطويلة. والجيش الذي لا يقهر. ويضيف د. فتح الباب: ولا أنسى منظر النخيل وهو يموت واقفا حيث كانت رؤوسه محترقة بعد ضربه بقنابل النابالم ومنظر الأطفال وهم يعتلون ظهر دبابتين اسرائيليتين أسرهما الجنود المصريون. وقد صورت كل هذه المشاهد الواقعية في الديوان المشار إليه. وأذكر أيضا ان دار الهلال قد أصدرت عددا تذكاريا من أعدادها عن الشعر المستلهم من حرب أكتوبر. ويتضمن العدد أكثر من 40 نصا شعريا لشعراء مصريين وعرب, من أفضل النصوص الشعرية قاطبة. لكن المشكلة أن النقاد لا يتابعون ما ينشر ويقولون ان الأدباء لم يتفاعلوا مع المعركة. تحقيق : فتحي عامر