تبسم ضاحكاً, وهو يهبط مع ثلاثة من زملائه من الحافلة, وهم يستعيدون النكتة التي كانت قد انطلقت لتوها في تلك الأيام قبل ربع قرن من الزمان, حينما كانت حرب اكتوبر جنيناً في رحم الغيب يتشكل لنحتفل هذه الأيام بيوبيلها الفضي, وكانت هذه النكتة تتحدث عن سائق الحافلة العامة الذي هتف بركابه معلنا وصولها الى (محطة المطار السري) . كانت المفارقة التي أثارت ضحكاتهم المرحة أنهم بالفعل في محطة من هذا النوع, حقاً أن السائق لم يقل شيئاً, ولم يتحدث عن مطار سري ولا يحزنون, ولكن الجميع كان يعرف ان الطريق الذي يشكل زاوية قائمة على الطريق الممتد ملتوياً كثعبان هائل بين القاهرة والسويس يفضي الى مطار القطامية. وقفوا حائرين عند نقطة الشرطة العسكرية لا يدرون كيف يمكنهم الوصول الى قيادة لواء الدفاع الجوي التي الحقوا بها والتي تتمركز في قلب المطار. قطع صاحبنا الضابط الشاب خيوط الحيرة بالسؤال الذي وجهه إلى أعلى الموجودين رتبة في نقطة الشرطة العسكرية عن اسرع السبل للوصول الى قيادة اللواء. وكانت الاجابة مخيبة للآمال, فليس بوسعهم سوى الانتظار حتى قدوم احدى السيارات بالصدفة المحضة من المطار او اليه, وعندئذ يمكنهم المضي بها. ولكن ماذا عن امكانية الاتصال بالمطار هاتفياً أو لاسلكياً؟ الاعتذار كان الرد, فإمكانيات الشرطة العسكرية مخصصة لاغراض العمل في الشرطة العسكرية فقط لا غير. هز صاحبنا كتفيه ضيقاً ومضى مع زملائه يعبثون في رصيد خبرتهم المحدودة كخريجين جدد من كلية ضباط الاحتياط عن كيفية الوصول الى قيادة اللواء, قبل ان يهبط الليل, وهم جميعاً يعلمون ان الليل رهيب في قطاع القطامية, فالايدي على الزناد, ومحاولات الكوماندوز الاسرائيليين للتسلل اليه ليلا ليس لها الا رد واحد هو فيض من الرصاص من حشود الوحدات المتمركزة في القطاع. الحظ خدمهم, فقد شاهدوا سيارة جيب روسية أنيقة يستقلها احد الضباط ذوي الرتب الرفيعة, ولكن رتبته لم تحل دون ان يتقدم صاحبنا اليه محييا وبقدر ليس بالقليل من (الغلاسة) طلب منه أن يحملهم معه الى المطار. كان الرجل الكبير من رقة الحاشية بحيث انه استجاب لطلبهم, بعد الاطلاع على الأوراق الرسمية التي تؤكد الحاقهم بقيادة لواء الدفاع الجوي المتمركز في المطار. انتهت رحلة المتاعب, او قل انها بدأت, عندما تمكن الضباط الشبان من الوصول إلى نائب قائد اللواء, ووجوده تحت شبكة تمويه خارج مقر القيادة يتابع بعينيه مشهد المغيب. كان ضابطا برتبة مقدم, يميل الى القصر والامتلاء, يلمع شعره الذي زحف الصلع على مقدمته تحت الشمس الغاربة, ويتصرف بكبرياء من يعرفون في الدفاع الجوي تقليدياً بلقب (فرسان فرونز) . وحكاية فرسان فرونز هذه مصدرها ان هؤلاء الضباط الكبار درسوا علوم القتال والمناورة بكتائب الصواريخ وألويتها في كلية فرونز للدراسات العسكرية العليا في الاتحاد السوفييتي السابق, وبالتالي فهم يشكلون النواة التي أوجدت كتائب الصواريخ العربية, من العدم تقريباً, وبما أنهم أقلية محدودة فقد كانوا شديدي الاعتزاز بأنفسهم. على الرغم من استماتتهم في نقل العلوم التي تلقوها الى الكوادر الأخرى التي لم تتح لها فرصة شق الطريق إلى فرونز. اصدر المقدم اوامره للضباط الجدد بالاستمرار في الخدمة في قيادة اللواء مؤقتا لحين توزيعهم على الكتائب التابعة للواء, وقال لهم ان هذه الفترة ستكون قصيرة وحافلة بالتجارب التي وصفها بأنها ستكون مفيدة لهم في سنوات الخدمة الطويلة التي تنتظرهم في كتائب الصواريخ. لم يفهموا بالضبط ما الذي يقصده بان هذه التجارب ستكون (مفيدة) لهم, ومضوا يسخرون فيما بينهم قائلين انها لاشك ستعلمهم احتمال وجع القلب الراجع إلى عدم وجود أي استعدادات ادارية لاقامتهم, وبالتالي فقد امضوا اول ليلة لهم تحت شبكة التمويه العتيدة اياها فوق الواح خشبية استخدمت كأسرة متنقلة, وحينما أكل الفجر عليهم كانت عظامهم قد تيبست والآلام تقرع أبوابهم كأنها الحمى التي تزور على استحياء والتي حدثنا عنها أبوالطيب. لكن التجربة المفيدة حقا جاءت بعد ليال قليلة, فهؤلاء الضباط انفسهم كان عليهم المناوبة في أحد مواقع الرشاشات الملحقة باللواء في ليلة من ليالي القطامية التي لا تنسى. اختار الاسرائيليون هذه الليلة لمحاولة الهبوط عبر طريق القطامية, في اطار عملية تستهدف الرد على العمليات المناظرة التي كان رجال الصاعقة المصريون قد حولوها إلى روتين يومي ينقضون فيه على المواقع الاسرائيلية في سيناء ويعودون بعد ان يتحول ليل الضفة الاخرى من القناة إلى مزيج من اللهب والاضواء والانفجارات. إن صاحبنا الذي لا يغمض له جفن بسهولة يرعى النجوم في الموقع, عندما لفتت نظره بقعة ضوئية خاصة لا تكاد تراها العين لكنها تتحرك بثبات, ولما كانت ذاكرته الحديدية توضح ان هذه الساعة على وجه التحديد ليست فيها اي تحركات جوية صديقة فقد, مضى مسرعا ليوقظ زملاءه ولينهض رجال الموقع الذي تحول إلى كتلة من اليقظة في لحظات دون ان يصدر عن احدهم حتى همس لا يكاد يسمع. تابعت كل العيون البقعة الضوئية الخافتة التي بدا انها ليست بمفردها وهي تقترب من المطار على خط مواز لطريق القطامية ورصدت العيون اتجاه البقع الضوئية للانخفاض مع المزيد من الاقتراب من المطار حتى لتوشك على ملامسة التخوم والهضاب في المنطقة. كان شرف اول سحبة رشاش من نصيب صاحبنا بعد اتصال قصير مع نائب قائد اللواء: انتهى بكلمة واحدة من الرجل الكبير: اضرب. وضرب صاحبنا ليشتعل ليل القطامية فقد اصيبت الهليكوبتر الاولى اصابة مباشرة من الموقع البعيد عن المطار والموجود في مكان لا يخطر على قلب بشر, ودوى انفجارها المروع. على الفور فتحت وحدات المطار حائط النيران وارتفع ستار من الاعيرة النارية التي دخلت في سباق مع صواريخ (ستريللا) التي تصوب من الكتف والمخصصة للتعامل مع الاهداف المنخفضة. وعندما مضى اصدقاؤنا للتوزيع إلى كتائبهم بعيدا عن قيادة اللواء كان في وداعهم (فارس فرونز) بنفسه, وقال لهم انه واثق من ان الايام التي امضوها في هذا المكان من صحراء القطامية كانت مفيدة. ولم ينس ان يعطيهم اسبوعا ليقضوه في اجازة بدأت بالمرور بـ (محطة المطار السري) في الطريق الطويل الممتد من القطامية إلى القاهرة.