بعد غيبة طويلة تقلبت بي خلالها مدن وبلدان عديدة, عدت الى قريتي, وكأنني طفل اعادوه الى ابويه كما يقول نزار قباني, او كما تنشد نجاة, لم اعرف حجم الحنين الذي يملأ جوانحي وشوقي لمراتع الصبا الا عندما تناهى الي ذلك العطر القديم الذي مازالت رائحته راسخة كامنة في مكان ما بتجاويف اللاوعي , محفوظة في علبة انيقة مغلفة بورق السوليفان الملون, ومربوطة بشريط حريري هفهاف, وكأنها محمية طبيعية ضد النسيان, ووقع حوافر الزمان. قريتي لها عطر مميز اعرفه جيدا خصوصا في هذا الوقت من العام, عندما يهل الخريف, ومعه تنضج ثمار البرتقال.. تلتقطه حاسة الشم قبل ان يصل اليها قاصدها بعدة اميال.. وهذا ما حدث لي في ذلك الصباح وانا جالس مغمض العينين الى جوار السائق الطيب الذي حملني الى هناك.. فقد تسللت رائحة البرتقال واوراق الليمون المغسولة بندى الصباح الى خياشيمي قبل ان تلمح عيناي قمة مئذنتها البيضاء العالية.. لأفاجأ بأنها اصبحت ثلاث مآذن بدلا من واحدة. وتدور بي السيارة ببطء في شوارع القرية, وتتلوى مع حواريها.. وعيناي تقبلان كل منعطف, وكل جدار, كما كان قيس يقبل جدران ديار ليلى.. واستنكر من نفسي ان أحيي الجالسين على المصاطب او من اتجاوزهم في الطريق وانا (مجعوص) في مقعدي بالسيارة كأني بعض الحكام, فأطلب من السائق ان يتوقف, وانزل من السيارة مفضلا ان اكمل الطريق راجلا على القدمين. الكبار تعرفوا علي, وتعرفت عليهم, بالرغم من الخطوط التنكرية العميقة التي رسمتها تجاعيد الزمن على ملامحي وملامحهم, ودللنا على المعرفة المتبادلة بالاحضان والسؤال عن الاولاد, بينما الشباب يتبادلون نظرات التساؤل التي يغلب عليها الارتياب. وألمح بقايا الريبة في عيون الشباب فيبتسم شيء في داخلي.. انهم تماما مثلما كان آباؤهم, لايطمئنون بسهولة الى اي غريب. وتتحول الابتسامة الى احساس بالاسف.. فلقد حولتني غيبتي الطويلة الى مجرد شخص غريب.. وانا الذي حملت قريتي بين ضلوعي كل تلك السنين. كنت قد توجهت الى قريتي لاداء واجب عائلي كان لابد وان اؤديه, وعندما انتهيت من ادائه رحت اعتذر للاهل عن اضطراري للانصراف, فأخذوا يلحون علي كي ابقى معهم بقية اليوم, ولو على سبيل التعويض عن الغيبة الطويلة.. واشتد الحاحهم وعتابهم الذي وصل الى درجة اللوم حتى استبد بي الحرج, فدفعت بحجة قاطعة. ــ ارجو ان تعذرونى فلابد ان اعود اليوم لان لدي عملا لابد ان انجزه, واقدمه صباح الغد. اجاب احد ابناء العم ــ تستطيع ان تنجز عملك هنا.. سندعك تجلس وحدك الى مكتب في الغرفة المجاورة.. ولن يزعجك احد حتى يحين موعد الغداء, قلت, ولكني لا استطيع ان اعمل الا في مكتبي, لاني احتاج دائما الى وجود جهاز الانترنت الى جانبي. قال ابن عمي. ــ وهذه ايضا ليست حجة.. فعلى المكتب بالغرفة المجاورة جهاز انترنت تستطيع ان تستخدمه كما شئت.. وللعلم, قريتنا بها ستة اجهزة متصلة بشبكة الانترنت.. وإذا احببت فإن... لم اسمع بقية الجملة.. فقد ازدحمت حواسي كلها بآلاف الخواطر وانا اسمع ان قريتي متصلة بشبكة الانترنت, وبستة اجهزة وليس جهازا واحدا في مكتب البريد, او دوار العمدة. ووجدتني اعود بالذاكرة الى يوم بعيد.. ومع ذلك بدا لي حيا كأنما ولد بالامس.. يوم دخل الراديو قريتي لاول مرة. في ذلك اليوم طاف بالقرية طائف يقول ان حسن افندي قد نزل الى البندر لكي يشترى راديو. ولم يكن حسن افندي اغنى مالك في القرية, ولكنه بلاشك كان اكثر اهلها تنورا.. كان ضابط شرطة سابقا, احيل الى التقاعد مبكرا بعد خناقة مثيرة مع ناظر الخاصة الملكية في الناحية التي كان يعمل بها مأمورا للمركز, فجاء ليعيش في قريته, معتمدا على معاشه, وبضعة فدادين ورثها عن ابيه, وكان بيته في وسط القرية اقرب الى بيوت المدينة منه الى بيوت الريف. الطابق التحتي على شكل دوار بأعمدة ومجلس كبير وغرف للضيوف. والطابق العلوي له شرفة كبيرة مغطاة بالارابيسك وتمتد بطول الواجهة.. وامام البيت من الناحية الاخرى للطريق كانت هناك مصطبة عريضة.. على شكل حرف (إل) .. كانت هي المكان المختار للشاعر الجوال (مازن ابو عثمان) الذي يتردد على القرية بين الحين والحين ليتحف شبابها وكهولها بملاحم عنترة وابو زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن.. وغيرها. وكان حسن افندي ــ كما يقال عنه ــ رجلا صاحب مزاج. ومن آيات مزاجه ان يسافر اليوم للبندر ليشتري راديو.. ليكون اول اختراع من هذا النوع يدخل قريتنا النائمة في احضان البرتقال. وكان ذلك حدثا اهتزت له القرية من اقصاها لاقصاها, فما ان انتهت صلاة الظهر, وحان موعد عودة حسن افندي من البندر ومعه الراديو العجيب, حتى كان كل اهل القرية بلا استثناء مزدحمين عند مدخلها, يتقدمهم (سيد عامر) وفرقته المسرحية الموسيقية التي اعتادت احياء افراح القرية ومواسمها بدون تذاكر.. وتكفي حسنة قليلة ممن يستطيعون التبرع بقروش او ملاليم.. وارتدى الاطفال ملابس العيد, وعندما هلت العربة الحنطور, وبها حسن افندي محتضنا الراديو, صدحت الزغاريد مختلطة بمزمار سيد عامر وهتاف الشيخ ابو العزم الله اكبر.. الله اكبر, والكل يتدافعون لرؤية هذه الاعجوبة التي جاء بها حسن افندي. كان صندوقا خشبيا كبيرا, في حجم تليفزيون 24 بوصة الذي نعرفه اليوم وكان يعمل ببطاريتين, سائلة وجافة, اما السائلة فكانت تشحن بالتيار الكهربائي من وابور الطحين.. واما الجافة فيجب ان تتغير كل شهرين او ثلاثة. شخص واحد من القرية تخلف عن زفة الراديو, ذلك هو عم درويش النحال.. فقد اعلن منذ ان سمع النبأ ان هذا (الراديو) رجس من عمل الشيطان وان من صنعه ومن باعه ومن اشتراه ومن يسمعه كلهم ذاهبون الى النار وبئس القرار. ولكن احدا لم يستمع الى عم درويش النحال.. وعندما وضع حسن افندي جهاز الراديو في شرفة منزله المطلة على المصطبة, في مساء نفس اليوم اجتمع معظم اهل القرية على المصطبة, وفي الشارع ليسمعوا ام كلثوم وهي تغنى (فاكر لما جنت جنبي) . وفي الصباح, عندما ارتفع صوت الشيخ محمد رفعت يتلو آي الذكر الحكيم, شاهد اهل القرية عم درويش النحال وهو يغدو ويروح تحت شرفة بيت حسن افندي وهو يردد: ان لم يكن رجسا من عمل الشيطان فهو اية على اقتراب يوم القيامة.. الم يقل اهل العلم ان القيامة سوف تقوم عندما يتكلم الحديد؟ وها هو الحديد قد تكلم! طافت عيناي بوجوه الاهل ورفاق الصبا.. وسمعت صوتا بداخلي يقول.. كل شيء تغير.. الا هؤلاء القوم البسطاء.. ولكن, ماذا كان يمكن ان يقول عم درويش النحال لو كان لايزال على قيد الحياة.. هل كان سيصدق ان هذا الصندوق الصغير يمكن ان يجعله موجودا في اي مكان بالعالم, او يأتي بأي مكان في العالم اليه؟