لا تسألي لا تسألي عن بلادي كلنا عرب الأصل يجمعنا والهم والعرب والأمس وحدنا دربا وقافلة فتحا تغنت به الأيام والحقب وخيمة في صحاري العز ضاربة كانت تهاوى على أوتادها الشهب هذا مطلع قصيدة شاعر الامارات محمد بن حاضر ذلك الحاضر دائما بشعره في كل مناسبة من مناسبات الشعر, والشعر الحقيقي هو شعر الحياة بكاملها والحياة هي مناسبة الشعر القائمة التي لا تنقضي. وذلك هو شاعرنا محمد بن حاضر الحاضر شعره في كل مناسبات الشعر لانه حاضر بشعره وشاعريته في الحياة كلها. غير انه بحضوره ذلك شعرا في الحياة غائبا عن الأضواء والأنظار إلا قليلا لا يلتفت كثيرا إلى ضجيج الاعلام وجعجعة الصحافة التي أكثرها بلا طحن! وعجبا لابن حاضر الشاعر ففي حين يلهث الفارغون, حتى من غبار الشعر, الموهومون بالشعر وراء الأضواء وآلات المصورين يبحثون بلا مؤهلات عن أعمدة يتصدرون فيها وزوايا صحافية يعششون فيها بأوهامهم وهذيانهم ويفرضون على الساحة كتابا وشعراء أقول في حين يفعل أولئك ذلك وهم الفارغون المدعون يبتعد شاعر له حس وطني صادق لا مراء في ذلك وله فطرة شاعرية ملحوظة وثقافة عصامية مستقلة مترفعا على هذا اللهاث المحموم وراء الشهرة الفارغة, ويبقى بعيدا لا زاهدا في الشعر بل ينهمر شعرا غير انه زاهد في ساحة شعرية تهافت عليها الادعياء وتداعت عليها الأكلة من كل حدب وصوب حتى لم يبق في تلك الساحة إلا مدع لاهث كذاب أو شاعر صادق تكاد أنفاسه تنقطع في تزاحم تلك الأنوف المدسوسة على الشعر حتى كان اللسان حاله يقول مقالة المتنبي: بليت بهم بلاء الورد يلقى أنوفا هن أولى بالخشاش ذلك هو شاعرنا محمد بن حاضر عربي الاحساس واللغة والشاعرية والانتماء ذلك الانتماء الذي تجسده أبياته في قصيدته هذه التي أوردنا مطلعها على مفرق هذه المقالة. والذي يريد أن يعرف محمد بن حاضر شاعرا له أن يقرأ قصيدته هذه قراءة مستبصر غائص وراء الكلام باحث بين الأبيات ليعلم عن بن حاضر الشاعر وشعره أمورا وقضايا ما كان سيعرفها كما هي إلا من خلال شعره الذي هو عفو خاطره وحديث ذاته ونفسه فالقصيدة ذات غرض وطني واضح غير انه يشتمل على حس وطني شامل لا يحصر الوطن في بلده أو أرضه وحسب فوطنيته وطنية شاملة تفتح على ذلك آفاقا أوسع من مجرد انتماء إلى أرض أو دار انها انتماء إلى الوطن العربي الكبير ذلك الانتماء الذي بات الإحساس به يتناقض ويضمر حتى لا تكاد تتبينه في النفوس كما كان في بدايات هذا القرن, بل إن احساس شاعرنا بهذا الانتماء الوطني الكبير يذهب إلى أبعد من الانتماء إلى القريب والحاضر بل هو انتماء إلى القديم والغابر إلى الأصل العربي التليد ومآثره الخالدة وإلى رمزه القديم, إلى تلك الخيمة العربية تلك الخيمة التي هي رمز الانطلاقة العربية المسلمة الأولى التي جاء الإسلام عربي الأخلاق واللسان والمروءة فملئها صفاء وحبا وسلاما فقال عنها بن حاضر بحنين بالغ: وخيمة في صحاري العز ضاربة كانت تهاوى على أوتادها الشهب كم ضمنا الود فيها كم تعشقنا فيها الصفاء فلا لوم ولا عتب والقصيدة على ما فيها من حس وطني عربي غامر إلا ان شاعرنا بن حاضر آثر كغيره من شعراء العربية المرهفين الذين حملوا لواء الشعر العربي في إهابه الجديد في بدايات هذا القرن من أمثال شوقي وناجي وعمر أبو ريشة والقباني في شعره الذي يلبس ديباجة الشعر العربي غير المشوهة. أقول ان شاعرنا محمد بن حاضر آثر أن يغلف صرامة الغرض الوطني الذي هو لب قصيدته هذه بغلالة من الشاعرية اللطيفة التي تغلب عليها رهافة الشاعر العاشق لأرضه ووطنه ذلك الوطن الذي يضم أحبابه وخلانه وأهله وتلك العيون السود السواحر اللواتي آثر حتى في حبه لوطنه أن تكون طرف الحوار معه والنجي الآخر المحبوب الشريك في الحب بمفهومه العام لا الخاص وحده. إن ابتداء قصيدة بن حاضر هذه بخطاب موجه إلى تلك بغير مقدمات سحب على القصيدة غلالة لطيفة صاحبت جوها وجعلتها مليئة بالاحساس الغامر بالحب والعاطفة الندية حتى مع الغرض البعيد عن أجواء الغزل وعاطفة الحب الخاصة. وقد مهد الشاعر بابتداء القصيدة بحواره معها أي تلك التي لا يدري موقعها من نفس الشاعر إلا الشاعر نفسه, أقول مهد الشاعر بتلك البداية الحوارية اللطيفة لان يعرج على تلك العيون ذوات الرموش السائلة المكثرة الملحة في السؤال فكان تعريجه ذلك لطيفا مبررا يحل بالسامع بعد مطلع القصيدة الوطني على واحة رقيقة في ذات الشاعر تموج حبا وشجنا فقال: لا تسألي فرموش العين أسئلة فيها الرضى يا فتاة الحسن والغضب كفى بهن سؤالا ويك سيدتي عند اللبيب إذا ما هزه الطرب إني أحب رموش العين أفرقها وأستريح لمرآها وأضطرب عرفتهن ولي فيهن تجربة ينهاني اليوم عن تفصيلها سبب ووقفة شاعرنا على هذه الواحة الظليلة في نفسه ليست كنغمة نشاز في لحن موسيقي عذب بل هي نغمة رقيقة تموج مع سائر موسيقى القصيدة وموضوعيتها فهي واحة حلها الشاعر بغير تكلف وعناء فلعل صاحبة تلك الواحة هي سائلته في أول القصيدة أو داعيته إلى أن يفتح الباب على واحة مرها في صباه, وهي أيضا مسراه بعد جله راحلا من واحته منتقلا ثانية إلى ذكر وطنه وأهله وقائده فقال: إن تسألي عن بلادي سوف أعلنها هي الجنان وقومي السادة النجب يقودهم زايد هل تسمعين به قالت أجل إنه للسؤدد النسب حر أطل على الأيام فابتسمت له الأماني ولان الصعب والصعب تلك هي قصيدة شاعرنا محمد بن حاضر ألممنا بها إلمام الحلم الجميل بالعيون التي غلبها الوسن فاستسلمت للحلم فضمته بين جفونها لحظات ثم انتبهت.