حدة العنف العائلي في كمبوديا ليست نتيجة للاحقاد الثقافية والمعتقدات الدينية القديمة فحسب بل انها مؤشر لمجتمع متمزق بسبب عشرين عاما من الحرب , ولين هي واحدة من الكمبوديات اللواتي عشن الويلات منذ نعومة اظفارهن, فقد ولدت العام 1962 وكانت في العاشرة من العمر عندما بدأت القوات الامريكية التي كانت تخوض حربا ضاربة ضد الفيتناميين الشيوعيين باسقاط كميات هائلة من القنابل فاقت ضعفي ما تم اسقاطه على اليابان خلال الحرب العالمية الثانية برمتها. وفي سن المراهقة شهدت لين المجازر التي ارتكبها نظام الخمير الحمر, وفي ريعان شبابها احتل الفيتناميون بلادها. ولكن الحرب الحقيقية بالنسبة لـ (لين) لم تبدأ الا العام 1981 عندما تزوجت جنديا محليا اجبرها بالسلاح الناري على الزواج منه. وخلال الثلاثة عشر عاما التي تلت (الزواج) انجبت لين اربع بنات في جو من العنف العائلي, بدأت لين تتذكره في ظل امان الملجأ الذي التجأت اليه مؤخرا. وتتحدث لين عن الضرب الجسدي المبرح الذي تعرضت له والجراح النفسية التي لحقت بها وباطفالها الذين كانوا يخافون من ابيهم وتتحدث عن الوقت الطويل للشفاء من معاملة بهذه الدرجة من الاساءة. وتنهمر عيناها بالدموع احيانا عندما تطفح الذكريات بهذه المشاعر القوية, ويختنق صوتها فتتفوق عن الكلام في منتصف الجملة وتوجه نظرها نحو النافذة الملجأ الواقع في احدى ضواحي بنوم بنه وهو المركز الكمبيودي النسائي للازمات الاجتماعية الذي يخفي بين جدرانه الحقيقة القاسية التي يشترك بها سكانه. هذه المنظمة غير الحكومية تعتني بالنساء من ضحايا العنف العائلي وبالمصابات بمرض الايدز والمنحرفات سابقا. تعيش لين التي تبلغ من العمر 35 عاما في مبنى خشبي كبير مع 40 امرأة اخرى حيث يمكنها الاقامة فيه لفترة ستة اشهر فقط كما هو الحال بالنسبة الى بقية النساء, وهي فترة كافية لتعلم بعض الحرف اليدوية البسيطة مثل الحياكة او تصفيف الشعر او الطبخ مما يعطيها وقتا كاف للتغلب على مشكلاتها النفسية والتأمل فيما جرى لها والبدء بتنمية شعور ببعض الاحترام لذاتها. ويقول مسؤولو الملجأ أن الشعور بالعار والاهانة يسود تلك النساء, فهن يشعرن بالفشل في الحياة لانهن لم يتمكن من القيام بادوارهن التقليدية مثل بقية النساء في مجتمعهن ويصبحن زوجات وامهات. وتعاني كمبوديا, الموبوءة بالعنف السياسي, من معدل مرتفع من حوادث العنف العائلي الموجه ضد النساء والاطفال وتتأثر به عائلة واحدة من كل ست عائلات. وتقول ين يو المسؤولة في (المشروع ضد العنف العائلي) , وهي المنظمة غير الحكومية الوحيدة المتخصصة بهذه المشكلة, (حالة بلدنا خاصة ليس بسبب تكرار حالات العنف هذه وانما بسبب شدتها) . وتشير ين يو الى ان الحالة النفسية لضحايا العنف ضد النساء تشابه تماما اعراض الاضطراب العصبي المؤلم الذي يعاني منه اللاجئون في معسكراتهم في تايلاند اثناء حكم وسيطرة الخمير الحمر. وتقول لين (بدأت اتعرض للضرب في الاسبوع الاول من زواجنا) وتضيف (بدأت الحالة تتدهور بعد ولادة طفلتنا الاولى. كان كل شخص في القرية يخاف من زوجي ولا يجرؤ على التدخل بيننا, حيث يعتبر الناس هذه الامور امورا عائلية يجب عدم التدخل بها. في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 10.5 ملايين نسمة دمر نظام الخمير الحمر (79 - 1975) المنظمات التي كانت تغذي تقليديا عملية تماسك المجتمع الكمبودي. ففرغت المدن من سكانها وتشرد القرويون من قراهم وتمزقت اطراف العائلة واغلقت المدارس, وغسلت ادمغة الاطفال وتم تشجيعهم على شجب آبائهم وامهاتهم واتهامهم بالخيانة, واعدم المثقفون وقد ادى هذا التمزق في المجتمع الى تقوية غريزة البقاء لدى الفرد كما تقول دايا سماسوندرام الطبيبة النفسانية الاستشارية لدى منظمة البحوث الاجتماعية في المجتمعات ذات الثقافات المتعددة (TPO) , وتضيف نرى افرادا يتصرفون بغرابة اكبر واكثر, حتى داخل العائلة, وتنعدم الثقة عندما يبدأ الزوج بضرب زوجته ويبيع الاباء اطفالهم في سوق النخاسة ويعني ذلك ان حيز الامان الشخصي للفرد بدأ يضيق ويصغر مع مرور الزمن. ووصل زوج لين على سبيل المثال الى قرار بان زواجه من لين قد اعفاه من العمل, وتضيف لين كان يختفي لايام عديدة ومعه مصاريف المنزل, ويتركني مع الاطفال ويذهب ليشرب الخمر ويقامر بمدخراتنا مع اصدقائه ومن ثم يعود بعد ان يخسر كل شيء إن العنف الذي تواجهه الزوجات الكمبوديات ليس نتيجة لحرب السنوات الطويلة ونظام بول بوت فحسب, وانما نتيجة لحالة الفقر المدقع وانخفاض مستوى التعليم وهيمنة التقاليد الدينية والاجتماعية البالية على المجتمع. وتقول تيولون سومورا النائبة السابقة لمحافظ البنك المركزي واحد الاقطاب البارزين للمعارضة الوطنية هناك عنف جسدي ضد النساء وكذلك عنف بالكلام الجارح وعنف فكري وعاطفي يمارس ضدهن, وتضيف هناك عوامل شديدة تبقي المرأة في موضعها الضعيف, خصوصا فيما يخص التعليم, وذلك بواسطة نظام ديني اجتماعي ثقافي يفضل الرجال على النساء. وعلى سبيل المثال نجد ان التعليم المجاني في المعابد (من قبل الكهنة) هو للاولاد فقط مما يتسبب بوجود نسبة اعلى من الامية عند البنات (42%) مما هي عند الاولاد 19%. وتضم الحكومة الحالية وزيرة ترأس وزارة تعني بشؤون النساء, وهي تشاي ماريدث التي تقول لدينا برنامج اعلامي وطني قيد التنفيذ بموضوعي العنف العائلي والصحة العقلية, لكن الميزانية المخصصة للبرنامج هي اقل من 1% من الميزانية الوطنية, (مقارنة بـ 30% مخصصة لقوات الامن والجيش) والقانون الخاص بمعاقبة العنف الممارس ضد الزوجات هو قيد التشريع ولو ببطء. الحصانة من العقوبات القانونية في حالات العنف الذي يمارس ضد الزوجات هو موضوع اساسي له تأثير كبير على المستقبل السياسي والاجتماعي والفكري للبلد كما يؤكد مراقب محلي امضى زمن طويل في البلاد. وبدون مساعدة خارجية لم يكن باستطاعة لين الدفاع عن نفسها - و تقول لين كانت أمي هزيلة ومات ابي في الحرب - وانتظرت ثلاثة عشر عاما قبل ان تقدر على هجر زوجها وتقول لم اتمكن من المغادرة بسبب اطفالي, لان الناس لا تحترم الاطفال الذين ليس لهم أب. ولكن من المعروف ان الاطفال الذين يجبرون على مشاهدة العنف وهو يمارس ضد امهاتهم يمرون بمشاكل عاطفية تماثل المشاكل التي يمر بها الاطفال الذين يمارس العنف ضدهم شخصيا. فنوم بنه - بيير باكو: خدمة (و ن ل)