احكم صاحبنا تثبيت رباط حذائه البولندي المتين الذي يعيد طلاءه بنفسه في الرابعة من فجر كل يوم, وشد حزامه العسكري الذي يعاود الانزلاق مع استمرار تراجع وزنه وسط ظروف الحياة الصعبة في جبال لا ترحم, ومضى ليقابل الرائد ح. رئيس العمليات في الكتيبة التي يخدم بها بعيد حرب اكتوبر التي نوشك على الاحتفال بيوبيلها الفضي وتألقها في سمائنا العربية الحزينة قبل ربع قرن من الزمان. دخل مكتب الرجل الذي يحتل المكانة الثانية في قيادة الكتيبة ولطم الارض بحذائه البولندي اللامع بقوة وهو يؤدي التحية العسكرية بالحرفنة التي يجيدها كل من خدم مثله طويلا في افواج وسرايا رشاشات الدفاع الجوي, لم تكن تحية مظهرية, وانما كان حقا يحب هذا الرجل ويعزه كثيرا. رد الرائد ح. التحية, وقال: خير إيه اللي جابك من ابعد موقع في الكتيبة؟ سيادتك عايز انزل اجازة, انا كملت شهر وزيادة في الجبل بعد ما كرهت لون السماء والجبل والوادي. دول حاجتين, انك عايز حاجة والاجازة حاجة ثانية, والاولى مسموح بيها, عوز زي ما تحب, انما انسى الاجازة! علا العبوس ملامح الضابط الشاب .. ولزم الصمت وهو يتأمل هذا المنطق العجيب. انفجر الرائد ح. ضاحكا وهو يقول: يا سلام لو تشوف منظرك في اللحظة دي, روح يا حضرة الضابط جهز نفسك لانك هاتنزل معايا و4 ضباط كمان في الاجازة المطلوبة. بمزيد من الحماس أدى صاحبنا التحية, وطار الى موقعه البعيد ليعد نفسه لنزول الجبل. وخلال أقل من ساعة كان كل ما فيه يبرق تحت الشمس, وأقبلت السيارة الجيب من موقع قيادة الصواريخ التي يخدم بها الى موقع الرشاشات الذي يتولى قيادته لتمضي به مع زملائه, وقد أستقر الرائد ح. في المقعد الأمامي الى جوار السائق, وهو العريف محمد يوسف, الذي كان واحدا من أبرع سائقي الكتيبة. كان الأمر بحاجة الى الكثير من البراعة حقا, فالكتيبة التي خاضت غمار حرب اكتوبر تعرضت لخسائر جسيمة وعلى الرغم من استمرار صلاحيتها للاشتباك, الا انه كان من الضروري تبديل الكثير من أجهزتها ومعداتها, وهكذا تم سحبها الى الجبال الموجودة غير بعيد عن العاصمة, حيث اسندت لها الخدمة هناك وفق قواعد العمل بالجبهة أي من دون اعتبارها من وحدات المنطقة المركزية. بدت هذه الجبال نفرا عجيبا لهم, فعلى الرغم من انها منخفضة كثيرا عن جبال شاهقة وضاربة سبق لهم ان خدموا بها الا انها كانت حافلة بالالتواء والانحدارات والانكسارات, ومن هنا لم يكن عجيبا ان السفاح الذي استلهم نجيب محفوظ من قصته رواية اللص والكلاب قد اعتصم بأحد كهوفها ولقي مصرعه فيه. المشكلة الحقيقية كانت ان الطريق الذي يتعين على الجيب الروسية ان تسلكه يمر قبل الهبوط الى الطرق المرصوفة بمنطقة نزول حادة كثيرا ما هوت منها السيارات براكبيها متحولة الى نثار غارق في الدم والدخان والنار. مضى أصحابنا يتبادلون النكات, فهم جميعا ضباط دفعة واحدة هي الدفعة 30 احتياط, باستثناء الرائد ح. ــ بالطبع ــ الذي كان ضابط احتياط مثلهم من دفعة أقدم ولكنه (قلب) . تعبير (قلب) هذا يعني لدى ضباط الاحتياط هؤلاء ان الضابط المعني اختار ان يتقدم الى ادارة شؤون الضباط طالبا التحول من احتياط الى عامل, وبالتالي التحول الى ضابط محترف يقضي حياته المهنية كلها في الجيش, وعلى الرغم من المزايا المالية والترقيات التي ترتبط بمثل هذا الوضع الا انه لم يكن يحظى بحماس الكثيرين من الضباط الاحتياط. وكان الرائد ح. نسيجا انسانيا فريدا, فهو رجل طيب القلب بلا حدود شاءت له اقداره ان يغدو رئيس العمليات أو الرجل الثاني في كتيبة رجلها الأول الرائد غ. صاحب الشخصية الفهلوية التي تلعب بالبيضة والحجر. وشكلت المفارقة المذهلة بين الرجلين موضع تندر ضباط الكتيبة, ولكن في حدود الهمس الباسم, فلا أحد يرغب في جرح مشاعر الرائد ح. الذي لم تستطع قوة في الكون ان تجعله ظلا للرائد غ. وظل هو نفسه الرجل الطيب الذي لا يدع مجالا لخير الناس الا طرقه على الرغم من عدم تردده في الظهور بمظهر الصراحة والقسوة أحيانا لاعتبارات تتعلق بمهام منصبه وان كانت ابتسامته تخونه في مواقف عديدة وتكشف عن معدنه الأصيل كالذهب. في هذا اليوم الخريفي البديع عاد معدن الرائد ح. ليتألق ذهبا نضارا, ولكن هذه المرة من خلال حكاية مطرزة بالدم. وتقول الحكاية ان صاحب اجمل الاصوات بين اصدقائنا ركاب الجيب الروسية علا صوته محملا بالشجن وهو يغني بين الجبال مع لحن سيد درويش المترع حزنا: (تلوم عليّ أزاي ياسيدنا خير بلادنا ماهو ش في ايدنا؟) . وسط هذه اللحظة الاسيانة المتوشحة بحزن الخريف, فوجىء محمد يوسف وهو ينحدر بالجيب مع الطريق المتلوي كالثعبان بان كوابح السيارة لم تعد تعمل, وان شئت الدقة فقل لم يعد لها وجود. ذهل, وحار في أمره فالكوابح هي اول ما يفحصه السائق في جبال الموت هذه وهو يتفقد السيارة, وهو واثق من انه قد فعل هذا ووجد الكوابح في افضل حالاتها. لكن ذلك لم يمنع الجيب من الانحدار على الطريق بفعل سرعتها من ناحية وثقلها من ناحية اخرى وعبثا استمات محمد يوسف وهو يحاول تهدئة سرعتها والمضي بها على الطريق وتجنب سقوطها في الهاوية او اصطدامها بجدار الجبل الذي حفر الطريق فيه وتم شقة شقا. لم يمهله المكان فبعد المنعطف التالي كان سيواجه الانخفاض الذي يفضي الى الطريق امام كهف السفاح, وارتفاعه لايقل عن خمسين مترا, والسقوط عنه يعني موتا محققا لجميع من فيها, وكان عليه ان يختار, وكان يعرف ان الخيار الصحيح قد يعني الفارق بين الحياة والموت للجميع. بدا كأن شبح الموت الساخر يطل عليهم من قمة الجبل, فهم جميعا (ابناء موت) كما يقولون, نجوا من الوقوع بين براثنه في الحرب, وها هم يوشكون على الوقوع في قبضته في حادثة سيارة! أغمض محمد عينيه, وقد اختار ما نتصور أنه أهون الشرين فقبل الانعطاف الى منحنى كهف السفاح والارتفاع الهائل عن سفح الجبل انحرف باتجاه الجدار الجبلي متصور سيناريو يحتك فيه جانب السيارة بالجدار الجبلي الى أن تسكن حركتها تماما. لكن مقود السيارة أفلت فاصطدمت بالمواجهة مع الجدار الجبلي اصطداماً مدوياً ترددت أصداؤه عبر الآماد الخريفية المثقلة بالحزن. ران صمت وحشي على مكان الاصطدام. وشاءت معجزة ألا ينفجر المحرك وألا يشتعل الوقود. وعندما أطاح هواء الجبل بالتراب الرمادي الضارب الى البياض وبالدخان ادرك صاحبنا الضابط الشاب انه لم يمت, وأدرك أنه الوحيد تقريباً الذي لم تكن اصابته بليغة, فكل ما حدث له هو صدمة عنيفة لمؤخرة مقعد الرائد ح. بضلوعه. على الرغم من الألم الشديد والدم الذي كسا أطرافه فقد نجح في أن يقفز من الجيب الى الأرض, ليساعد زملاءه الذين كانت اصاباتهم أعظم منه بكثير. في لمحة أدرك ان الرائد ح. في حال تماثله تقريباً, فقد وقف على قدميه بعد ان قفز من الجيب, وتبادلا نظرة عرفا منها ما سيفعلانه, فقد تعاونا في حمل زملائهما وابعادهم عن السيارة حتى لا تشتعل وتنفجر, اذ تسرب الوقود منها, تبادلا كلمات قصيرة, فعليهما أن يذهبا لجلب النجدة الى مكان الحادث, حتى لا تؤدي حالات النزيف الى الموت ولم يكن هناك خيار الا ان يمضي أحدهما إلى أقرب كتيبة من موقع الحادث, والآخر الى قيادة اللواء. بكلمات حاسمة أمر الرائد ح. صاحبنا بالمضي الى قيادة اللواء وقال انه هو سيمضي الى الكتيبة القريبة, وكان هذا خيارا ظالما للرائد ح. فالكتيبة تعني تسلق الجبل وهو عبء هائل على رجل ينزف في مثل حالة الرائد ح. الصحية التي لم تكن أفضل الحالات أما قيادة اللواء فهي على المستوى نفسه في الجبال وكل المطلوب لبلوغها هو الركض بسرعة. نفذ الضابط الشاب الأمر ومضى يركض كمن أصابه مس الى قيادة اللواء وعاد بعربة تحمل طاقم انقاذ مجهزا وهو يحسب انه هو الذي حسم الموقف. في اللحظة نفسها التي اقترب من موقع الحادث كانت سيارة أخرى من الكتيبة القريبة في مقعدها الأمامي الرائد ح. تشق طريقها الى موقع الحادث ايضا, وعندما وصل الرائد ح. الى المكان أغمي عليه متأثرا بالنزيف وبالجهد الذي بذل في تسلق الجبل. أوشكت دموع صاحبنا الذي لم يعد شابا ولم يعد ضابطا أن تنهمر, وهو الذي لم تعرف عيناه مصافحة الدمع حتى في قلب لحظات ما بعد مواجهة أمواج الموت, ومضى يدندن نفسه, وهو يخرج من المستشفى الميداني الذي ترك به زملاءه ومعهم الرائد ح. بعد أن اطمأن عليهم جميعا: (تلوم علي ازاي يا سيدنا وخير بلدنا ما هوش في ايدينا؟) .