في ظل مناخ فني انقلبت فيه المعايير, يختفي الحدث الجميل في ضجة المعارك المفتعلة, أو سيرك الدعايات الكاذبة, أو هيصة المطربين والمطربات الذين أصبحوا أكثر من الهم على القلب . وهكذا.. ما كدنا نستريح من المعارك بين نجمة الجماهير وامبراطورة الشاشة ويتم الصلح بحكم السن أو بحكم الانحسار الجماهيري, حتى بدأت معركة هنيدي وعادل إمام! وما كدنا نحمد الله على ضرب موسم المسرح التجاري وانهيار نجوم الهمبكة والدربكة, وانصراف الجمهور عن هذه الموجة الهابطة, حتى بدأ التلفزيون في تعويض ما فاته بعرض أسوأ ما قدمه هذا المسرح في تاريخه غير المشرف, من أول (تكسب يا خيشة) وحتى (هو بكام النهاردة؟) .. مرورا بروائع هياتم, ولآلئ فيفي عبده, وكأن التلفزيون يريد الحفاظ على هذا التراث (!!) غير المسرحي, وغير الانساني! وما كدنا نشكر الظروف التي جعلت الناس تنصرف عن (ألبومات) نجوم الغناء الأهبل, ويتجهون لأصوات جادة تحاول التجديد في اطار الغناء الجميل, حتى بدأنا نختنق بموجات الدعاية الرخيصة لأصوات لا تصلح لأن تكون أفرادا في (كورس) وراء مطرب حقيقي. وفي ظل هذا المناخ تضيع أحداث جميلة مثل تلك التي صادفت فنانا بديعا مثل نور الشريف الذي حصل خلال أيام على تكريم مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة باعتباره فنانا مسرحيا لم يتخل عن المسرح في محنته, ثم حصل في نفس الأسبوع على جائزة مهرجان الاسكندرية السينمائي باعتباره أحسن ممثل عن آخر أفلامه. ونور بهذا التكريم المزدوج هو نجم الموسم الذي ينبغي الاحتفاء به, حتى لو أغضب ذلك الكثيرين ممن يتعاملون مع الفنان على أساس آرائه ومواقفه وليس على أساس ابداعه, ولو أنصتوا لأنفسهم وللحقيقة والفن, لكانت آراء نور ومواقفه سندا له عندهم, كما هي سند له عند الملايين من الجماهير في أنحاء الوطن العربي كله. قبل أعوام واجه نور حملة شرسة لأنه قام ببطولة فيلم عن (ناجي العلي) رسام الكاريكاتير الذي دفع حياته ثمنا لرأيه, ومع ذلك لم يتراجع نور عن الإعلان عن ايمانه بعروبته التي تعلو فوق الخلافات, ولا عن التأكيد على انه (ناصري) , لا ليتاجر بالناصرية, كما يفعل البعض, ولكن لأنها التعبير الأصح عن الانتماء للعروبة, وللحرية وللعدل وهي التي أتاحت للملايين من الفقراء ــ أمثاله وأمثالنا ــ أن يتعلموا ويتثقفوا ويبدعوا, ويأخذوا نصيبهم من ثروة أوطانهم. نور في قمة نضجه الآن, يعطي مثالا للفنان المثقف الموهوب, الواعي, الذي يرى للفن دورا ويحاول ان يؤديه, وهو لم يصل إلى ذلك بسهولة, بل عبر طريق مليء بالأشواك والعثرات. لقد كان نور على وشك ان يبدد موهبته وهو في بداية الطريق, حين دارت رأسه بالنجومية المبكرة, فغرق في خطرين: الأفلام دون المستوى, ثم نزق الشباب الذي انتهى به ممثلا غير مرغوب فيه من المنتجين والمخرجين لما يسببه من متاعب ومشاكل ومن تعطيل للعمل. وعندما أفاق كان عليه ان يبدأ من نقطة الصفر, ويحاول ان يجد مكانا له بين نجمين سيطرا على الشاشة وقتها, وهما حسين فهمي ومحمود ياسين, وتعب نور حتى يجد له مكانا مرة أخرى, وحتى يقنع الناس بأنه جاد, وبأن أيام الفوضى قد انتهت من حياته. وما كاد يفعل ذلك حتى داهمته موجة جديدة , كان عادل إمام يستولي على القمة, وأحمد زكي يشق الطريق إليها, وكان على الآخرين ان يوسعوا الطريق, وهكذا انسحب محمود ياسين وحسين فهمي, ولكن نور لم يستسلم, وبذكاء طور أداءه وأسلم نفسه للجيل الجديد من المخرجين الذين كانوا يبزغون في هذه المرحلة, عاطف الطيب, ومحمد خان, وسمير سيف وغيرهم, وأصبح نور الشريف وأحمد زكي فرسي الرهان لهذا الجيل, وكانت الحصيلة بعض أعظم الأفلام في هذه المرحلة, بل في تاريخ السينما العربية التي لا تستطيع ان تنسى أفلاما مثل (سواق الأوتوبيس) لنور أو (زوجة رجل مهم) لأحمد زكي. نور في قمة نضجه الآن, يقف على المسرح القومي ليقدم مسرحية جميلة وصعبة هي (يا مسافر وحدك) فينال تقدير الجماهير والنقاد, ويقدم للتلفزيون (عمر بن عبد العزيز) ثم (المعلم برعي) فيلمع في الاثنين, ويخوض تجارب سينمائية عديدة, يبحث في بعضها عن النجاح الجماهيري, وفي بعضها عن القيمة الفنية, ويحقق الأمرين في ظروف صعبة تمر بها السينما العربية. وقد يكون أحمد زكي هو الأكثر موهبة بين كل نجوم السينما الآن, ولكن الفارق بينه وبين نور ان الأخير يعرف الآن كيف يدير موهبته, بينما يبدد أحمد زكي الكثير من موهبته في الاختيار السيئ للكثير من أفلامه, وفي انهاك نفسه والمتعاملين معه بغيبة النظام, والادارة السليمة لموهبته, مع أنه الوحيد المؤهل ليكون نجما عالميا بمعنى الكلمة. الأمر الثاني الذي يختلف فيه النجمان هو الرغبة الدائمة عند نور في التعلم, وفي اكتساب الثقافة والمعرفة في مختلف المجالات, وهو الأمر الذي جعله مشتبكا على الدوام مع الهموم الوطنية والقومية, وساعيا على الدوام لتطوير نفسه والارتقاء بأدائه. وذات يوم قال نور انه يستفيد من دراسة الأداء الجميل لأحمد زكي, وياليت الأخير يستفيد من قدرات نور في السنوات الأخيرة على ادارة موهبته. وما يعانيه أحمد زكي, يبدو ان محمود عبد العزيز يعاني منه بشكل أو بآخر, وإذا كانت رحلته مع المرض قد سببت له الكثير من الاضطراب النفسي, فقد آن له ان يستريح من هذا الاضطراب, وان يلتفت لموهبته, وألا يقف طويلا أمام حكايات الزواج والطلاق, فأمامه الكثير لكي يقدمه بشرط ان يستعيد عافيته النفسية والجسدية. اكتب ذلك لأني أدرك ان السينما العربية لابد ان تخوض حربا هائلة ضد محاولات خنقها وحصارها, إن السينما الأمريكية تخوض هذه الحرب منذ سنوات لكي تفرض هيمنتها على العالم كله, كجزء من فرض الهيمنة الثقافية الأمريكية, وهو الأمر الذي تقاومه فرنسا وبعض الأوروبيين, وعلينا نحن ان نقاومه بصورة أشد لأن السينما كانت وما زالت تعني لنا الكثير في معركة الحفاظ على وحدة الوعي والثقافة والمشاعر العربية. لقد كانت السينما (والفن عموما) أحد الأسلحة الهائلة في معركة لم الشمل العربي, وبجانب طه حسين ورفاقه في الأدب, وأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفيروز وغيرهم في الغناء, كانت السينما المصرية قبل ذلك وبعده تقوم بدورها الرائد في لم الشمل وتوحيد الوجدان العربي. وأظن ان هذا الدور مستهدف , وبشدة, ولابد من مقاومة ذلك بكل الوسائل. وأعظم ما نملكه في هذه الحرب المقدسة هو الامكانيات البشرية, قد لا تكون الأموال متوفرة كما يجب (رغم ان هذه قضية ينبغي مراجعتها) وقد لا تكون الوسائل الفنية متوفرة في الاستديوهات العربية خاصة واسرائيل تطرح مشروعا لإقامة مدينة سينمائية هائلة بالقرب من حدودنا, وقد لاتكون دور السينما كافية ولا مساندة الدولة كما يجب, ولكننا لا نملك ما هو أهم .. هذه الطاقات البشرية الهائلة التي حافظت على السينما في أصعب الظروف, أجيال الموهوبين في التمثيل والإخراج وكل الحرف السينمائية الذين يبدعون في ظروف نعلمها جميعا. ويستحق هؤلاء الاحتفاء بهم, خاصة حين يجمعون بين الموهبة والثقافة وبين الوعي بهموم الناس وقضايا الأمة, كما يفعل هذا النجم الذي جاء من أحد أحياء القاهرة الشعبية, و ما زال رغم الزمن لا ينسى انه ابن الحارة المصرية التي لا تغير جلدها ولا تبيع مبادئها ولا تتنكر لتاريخها.