يرى لويس ريل ان كل المسائل المتعلقة بالوجود والتاريخ والحضارة يجب ان تترك للعلوم الجزئية. وعنده ان الفلسفة هي علم الشعور, وهي الادراك العلمي للشعور وموضوعاته وقوانينه . وجاء فندلبند وهينرش ركرت وأنشآ الكنتية الجديدة, ومع ذلك فإن أصحاب هذه النزعة يقررون أن الفلسفة لا شأن لها بالبحث في وجود الأشياء لأن البحث في عالم الوجود بما ينطوي عليه من كثرة وتنوع هو من شأن العلوم الجزئية. ويرى أصحاب الكنتية الجدد أنها البحث في القيم (الحق, الجميل, الخير, المقدس). ويعرفون الفلسفة بأنها (العلم الباحث في القيم) والحامل الأكبر للقيم هو الحضارة, والحضارة خير, وعلى هذا يتحدد موضوع الفلسفة بأنه البحث في القيم المتعلقة بالحق والخير والجميل والمقدس. ويعرف ماكس شيلر الفلسفة بأنها من حيث جوهرها نظرة دقيقة بينة, لا تزيد بالاستقراء ولا تنقص, صادقة على كل الوجود العرضي صدقاً قبلياً, نظرة في كل الماهيات والروابط بين الموجودات المتمثلة في نماذج وأمثلة, وذلك في ترتيبها وتدرجها في علاقاتها مع الموجود المطلق وماهيته. اما ليون برنشفك فيرى أن مهمة الفلسفة المعاصرة هي التأمل المعتمد على تاريخ الفكر الإنساني يستمد منه مادته. ويستعرض مرلوبونتي الحال التي وصلت اليها الفلسفة في محاضراته الاستهلالية فيقول:(.. إنها تستشعر الملال فيما تكون.. إنها يوتوبيا الامتلاك عن بعد. ولهذا يمكن ان تكون مأساوية, لأن في داخلها مضادها, وهي ليست أبداً جادة.. والفلاسفة الأكثر تعميماً يريدون دائماً الأضداد: ان يحققوا, ولكن بأن يدمروا, أن يلغوا ولكن بأن يحافظوا...) . وفي اتجاه آخر نجد مورتس اشلك يقول إن الفلسفة ليست علماً, بل هي نشاط. وهذا النشاط او الفعالية تعمل في كل علم باستمرار...؛ وموضع الفلسفة هو (المعنى) ؛ ومهمتها هي ايضاح المعنى؛ وإيضاحا لمعنى خطوة ضرورية في كل بحث علمي. وممن انبروا للدفاع عن حقيقة الفلسفة وجلال دورها بإزاء العلم, كارل يسبرز, الفيلسوف الوجودي, الذي يقول:(ان الفلسفة منذ بدايته الأولى عدت نفسها أنها علم بل وأنها العلم من الطراز الأول, وكان هدف المشتغلين بها الرئيسي هو تحصيل أعلى درجات من المعرفة اليقينية) . ولو ترك العلم لنفسه بوصفه علماً, لصار بغير وطن, ان العقل كما يقول نقولا القوساوي (الذي من قوسا) يمكن أن يسلم نفسه لأي شيء. والعلم كما قال لينين, يبيع نفسه لكل مصلحة طبقية. وعند نقولا القوساوي ان العقل وفي النهاية معرفة الله, هو الذي يعطي معنى ويقيناً, وصدقاً للمعرفة العقلية وعند لينين ان المجتمع العديم الطبقات هو الذي يرفع من شأن العلم المحض ثم ان كل من يتفلسف عند يسبرز, يسعى الى المعرفة العلمية, لأنها السبيل الوحيد الى اللامعرفة. ان المعرفة النهائية هي وحدها التي تجعل اللامعرفة ممكنة. والمقصود باللامعرفة عند يسبرز الدرجة العليا من الادراك التي تكون فيها المعرفة غارقة في فهم الاسرار, بحيث تكون في الواقع نوعاً من عدم المعرفة. وهذا الوجود المقابل اللاوجود يمثل كينونة الوجود الإنساني او كيفية هذا الوجود. وبما أن العالم في تبدل مستمر, فإن هذه الكينونة الإنسانية لا تستقر على حال. ( وأن يتفلسف هو أن يتجاوز ويعلو) لكن في هذا العلو العقلي, الفلسفة أقل من العلم, لأنها لا تحصل على نتائج ملموسة ولا معارف ملزمة عقلياً. ولا محل لاغفال هذه الحقيقة, وهي أنه بينما المعرفة العلمية واحدة هي هي في العالم كله, فإن الفلسفة ليست شاملة كلية على أية صورة وفي أي شكل. أن يتفلسف هو أن يتعلم كيف يموت أو كيف يسمو أو: أن يتفلسف هو أن يعرف الموجود بما هو موجود. معنى هذا التعريف هو أن: التفكير الفلسفي فعل باطن؛ انه يهيب بالحرية؛ وهي دعوة الى العلو. الفلسفة هي الفعل الذي به نصير شاعرين بالوجود الحق أو: هي التفكير في إيمان بالإنسان يجب أن يوضح توضيحاً لا نهائياً او: هي الطريق الى توكيد الانسان لذاته مع خلال التفكير. وبإيجاز إن مفهوم الوجود في العالم (دازين) يختلف عند ياسبرز عن مفهوم الوجود (إكزستنز). والوجود مرادف للحرية من خلال مفهوم (الوجود في العالم) (الدازين), والانسان هو دائما في موقف. فالحرية ليست شيئاً آخر غير الاخلاص للذات. إن حرية كهذه, هي نفس الوقت, خضوع لضرورة داخلية صارمة, لأنها ملامسة لعمق الذات, وتحقق للحرية الشخصية, لأنها تقتضي ليس اختيار هذا الشيء او ذاك, بل أن يختار الانسان نفسه, أن يختار وجوده.