بيجماليون اليوناني, كما حكته لنا الأسطورة الاغريقية كان ملكا على جزيرة قبرص , وكان أيضا نحاتا يصنع التماثيل من الرخام, ولأنه ملك لم يكن يجوز له ان ينحت التماثيل لرعاياه, وإنما هو ينحتها من خياله . وذات يوم صنع تمثالا لامرأة, لم يكن لها وجود بالطبع إلا في خيالاته, فأودع التمثال الرخامي كل ما تصوره من مقاييس الجمال حتى أصبح تحفة لا مثيل لها في الحسن والبهاء, وإذا بالملك الفنان يقع في حب تمثاله الذي صنعه بيديه, وإذا بهذا الحب يشتد به حتى ينسيه مهام ملكه, فأخذ يتضرع إلى الآلهة أفروديت.. ربة الحسن والجمال حتى رق له قلبها, فنفخت في التمثال الرخامي فدبت فيه الحياة, وتحول إلى حسناء جمعت كل ألوان الجمال التي هام بها قلب الملك, فتزوجها, وعاش الاثنان في تبات ونبات , وخلفا صبيانا وبنات. إلى هنا وانتهت الأسطورة اليونانية, ولكن الرومان عندما نقلوها عن الإغريق لم تعجبهم هذه النهاية السعيدة, وتمسكوا بوجهة النظر التي تقول بأن الأسطورة يجب ان تكون مأساوية, فجعلوا الحسناء التمثال تتنكر للملك الذي صنعها, وتحب واحدا من رعاياه, فيشتد الغضب بالملك العاشق حتى يتضرع مرة أخرى إلى أفروديت كي تعيد حبيبته إلى صورتها الرخامية, وتستجيب له أفروديت, فتسحب الروح من التمثال ليعود كما صنعه بيجماليون, مجرد قطعة من حجر, وهنا يهوي عليه الملك الفنان بالأداة التي نحته بها ليحطمه تحطيما. وأصبحت قصة بيجماليون مصدر إلهام لمئات الروائيين والمسرحيين من مختلف الجنسيات, وكل منهم يضع لها النهاية التي توافق مزاجه, حتى وصلت إلى الأديب البريطاني الكبير, الأيرلندي الأصل, جورج برنارد شو, فطورها تطويرا عصريا يتفق مع زماننا البعيد عن الأساطير, فلم يعد بيجماليون ملكا, وإنما هو ثري ارستقراطي من صفوة الطبقة العليا بالمجتمع المخملي البريطاني, والتمثال الذي صنعه لم يكن قطعة من رخام, وإنما هو فتاة حقيقية من لحم ودم, التقطها اللورد الغني من أفقر أحياء لندن وأكثرها تواضعا ووضاعة, فعلمها وهذبها, ودربها على كل المظاهر الخادعة التي تتقنها الفئة العليا من الارستقراطية البريطانية, فإذا بالفتاة الأمية القادمة من أدنى طبقات لندن تتحول إلى (سيدة مجتمع) يترامى تحت أقدامها ألمع النجوم والأمراء واللوردات. وكما حدث في التعديل الروماني للأسطورة الاغريقية تتنكر الفتاة الجميلة بعد التحسين لصانعها, وتقع في هوى شاب من سنها, ولا يجد الارستقراطي العجوز ما يفعله سوى الاستسلام للهزيمة. نفس القصة بحذافيرها قدمها الفنان الكوميدي المصري القدير فؤاد المهندس على المسرح باسم (سيدتي الجميلة) .. اقتباسا من فيلم انجليزي بنفس العنوان ويذكر بالمناسبة ان هذه المسرحية كانت فاتحة علاقته مع الفنانة شويكار التي انتهت بالزواج. غير ان بيجماليون عندما انتقلت إلى الأمريكيين لم يعجبهم الأصل اليوناني ولا التعديل الروماني , ولا التطوير الانجليزي, ولا حتى الاقتباس المصري, فقلبوها رأسا على عقب, وبدلا من اخراجها على خشبة المسرح أو في استديوهات هوليوود, جعلوها تتصدر واقع الحياة, وفي أعلى قمة في أمريكا. فبيجماليون الأمريكاني ليس قبرصيا ولا ارستقراطيا عظيم الشأن يعيش في لندن أو القاهرة بل ليس رجلا على الاطلاق, وإنما هو امرأة, وبالتالي فإن (التمثال) الرخامي, أو الآدمي لابد وان يكون رجلاً.. أما المرأة صانعة التمثال فهي هيلاري رودهام كلينتون, وأما تمثالها الذي صنعته بيديها وجعلت منه رئيسا وأجلسته على رأس البيت الأبيض بل على رأس العالم كله, فهو صاحبنا الذي أصبحت شهرته بسبب فضيحة مونيكا جيت أوسع عشرات المرات من شهرته كرئيس أقوى وأغنى دولة في العالم. لقد كان بيل كلينتون مجرد مدرس مساعد في جامعة أركنساس حينما تزوجته هيلاري في عام 1975, فغيرت مجرى حياته, ودفعت به للترشيح لمنصب المدعي العام بالولاية وظلت تنفخ فيه حتى نجح, ثم واصلت النفخ حتى انتخب حاكما لنفس الولاية بعد أربعة أعوام , ثم رئيسا للولايات المتحدة في 1992. ولكن الصنيعة تنكرت لصانعها, تماما كما حدث في النسخ المعدلة من الأسطورة الاغريقية, ولم تكن مونيكا هي الموضوع الوحيد للخيانة وان كان الواضح أنها أكثر خياناته شهرة, وفي نفس الوقت , أوخمها عاقبة. ولكن السؤال الآن: هو ماذا ستفعل السيدة بيجماليون مع التمثال الجميل الذي نحتته بيدها, وعقلها, وتدبيرها ونفوذها؟ ان الظاهر حتى الآن انها فضلت الحل السلمي الذي أخذ به برناردشو, عندما جعل الثري الارستقراطي يتنازل عن طيب خاطر عن تمثاله الذي صنعه, أي الفتاة الوضيعة التي جعل منها سيدة مجتمع لشاب في مثل سنها.. ولكن القياس هنا مع الفارق, بل مع عدة فوارق, فالقضية هنا ليست أن تتنازل هيلاري أو لا تتنازل عن تمثالها للفتاة مونيكا. وإنما هي ان تتنازل أو لا تتنازل عن كرامتها التي أهدرت على ملأ من العالم أجمع, وشهدها بلايين البشر على شاشات التلفزيون في القارات الست , والزوج الرئيس يعترف مرة بعد مرة بالعلاقة (غير الملائمة) مع حبيبة في عمر ابنته. ان الرئيس البلاي بوي الذي يعرف العالم كله الآن انه لا يستطيع التحكم في زراير سرواله يقول انه آسف ولكن هيلاري أكثر من أي شخص آخر تعرف أنه لم يأسف على ما فعل, وإنما على افتضاح فعلته, وعلى أنه لم يكن في مستوى ذكاء البنت اليهودية المفعوصة التي احتفظت ببصماته الوراثية على فستانها الأزرق لمدة أربع سنوات أو أكثر لتقدمها في النهاية دليلاً لا يمكن تكذيبه أمام المدعي الخاص ومحلفيه الميامين. هيلاري إذن آثرت ان تصم آذانها عن نداء كرامتها كزوجة, ربما لأنها لا تريد ان تفقد صفتها كسيدة أولى قبل الأوان المفروض بعد سنتين, وربما لأنها استهولت ان تحطم بيدها التمثال الذي شقيت كل هذه السنين في صنعه وتسويته, وربما لأنها ـ كسيدة بنت أصول ان تكون هي صاحبة الطعنة القاتلة ــ كطعنة بروتس على جسد كلينتون المثخن بالجراح. سواء كان هذا أو ذاك فإن الرواية لم تتم فصولها بعد. ومن المؤكد ان الستار الأخير لن يسدل إلا بعد ان يكون كلينتون خارج البيت الأبيض, بيده, أو بيد عمرو.. عندئذ سيكون لكل حدث حديث. ولكن من المؤكد أيضا ان حكاية كلينتون وهيلاري ــ وليس كلينتون ومونيكا ــ سوف تأخذ مكانها لدى القصاص والشعراء بعد مئات السنين إلى جانب قصص عنتر وعبلة, وروميو وجولييت, وحسن ونعيمة, وقيس وليلى, وانطونيو وكليوباترا.. إلخ. وقد يبحث كل كاتب عن خاتمة يخترعها خياله لأسطورة بيجماليون الأمريكية.. أما الخاتمة الحقيقية فسوف نعرفها عما قريب..