هو عازف موهوب, مرهف الحس, شجي الألحان, رغم قلة انتاجه, فله أربعة كتب فقط, عبر رحلة طويلة, بدأت من الستينات , وهم: مجموعتا قصص (بحيرة المساء) (1971), و(يوسف والرداء) (1986), وروايتا (مالك الحزين) (1983), التي تحولت إلى فيلم سينمائي ناجح بعنوان (الكيت كات) , و(وردية ليل) (1991), وهناك رواية جديدة انتهى من كتابتها, بعنوان (عصافير النيل) . هذه محاولة للاقتراب من عالمه الفني, واستكشاف أغواره والجديد فيه, لقراء جريدة (البيان) . يلاحظ انك عبر مجموعتيك (بحيرة المساء) (1971), و(يوسف والرداء) (1986), وروايتيك (مالك الحزين) (1983), و(وردية ليل) (1991), كنت مخلصا لتجربة حياتك في حي امبابة بمحافظة الجيزة, أو عملك السابق في هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية, وكنت وفيا لمنطقة خبراتك, فلم تكتب إلا عما عركته جيدا؟! ــ تجربتك تنمو, فتعطي نفسك الفرصة كي تنمو معها. وهذا شرط من شروط تطوير الكتابة, فأنت يمكن أن تغلق على نفسك في بيتك وتكتب. ولكن امكانية تطوير أي كتابة تتوقف على الاعتماد على تجربة حقيقية وخبرة حقيقية, وذلك حين تتيح الفرصة لنفسك كي تنمو معها. ومن ناحية أخرى ترى الدنيا تتغير من حولك, وطالما انك تعي ضرورة أن تكون على صلة حية بها, لذلك تمنح نفسك فرصة أن تتغير وأن تنمو معها, أنت أيضا! التجربة ومنطقة الخبرة لكن هذا يتطلب درجة عالية من الوعي من المبدع, فقد يكون للمبدع أعمالا كثيرة واكتسب معرفة كبيرة بقوانين الابداع, وأهمية الارتباط بمنطقة خبراته, وفجأة تراه يجنح في عمل جديد بعيدا عنها, وتكون النتيجة مخيبة للآمال.. ــ إن مسألة منطقة الخبرة, ليست قفصا, بل تحتاج إلى فهم أيضا, لان وعيك بحدود خبرتك, لا يعني وعيك بحدود قفصك, وإلا أصبح الأمر سجنا. لذا, فإن توسيع مجال خبرتك, يأتي عبر ما هو فني. مثلا, أنت ترتبط بمجال معين للتعبير, وحين تنمي أدواتك, لا يتسع مجال التعبير وحده! أذكر انني خلال عملي في رواية (مالك الحزين) , وكنت قد بدأت بشكل طبيعي باعتباري كاتب مجموعة (بحيرة المساء) . وقد وجدت ان (النبرة), أثناء العمل, بدأت تتغير. كان معنى تغيرها, ان الأداة قد حدث لها تطوير أكثر. معنى ذلك, ان هناك (نبرة) تطل, لم تكن في حسبانك, وهو ما يعني ان امكانياتك كلما أصبحت أفضل كلما اتسع المجال أمامك, أي اتساع مجال إدراكك! بمعنى آخر, فإن (نبرة) مختلفة, تعني انك تزيح الستار عن مساحة من العالم, لم تكن واردة بذاتها! وفي أية علاقة مع اللغة, تجد انك حين تضبط الجملة, تضبط المعنى في رأسك, ويتم تبادل تدقيق المعرفة, أي انضباط المادة عبر انضباط الجملة, وانضباط الجملة عبر انضباط المادة. أي يصبح الاثنان في حوار متبادل. فإن تدقق عملك, معناه أنك دققت معرفتك أكثر. وهو ما يتطلب درجة أعلى من الوعي والفهم للعالم؟! ــ فأنت في نطاق صعودك لا يمكن أن تتغاضى عن هذه المسألة, فيأتي عملك الثاني اعتمادا على اختيار ما تم اكتشافه خلال عملك الأول. هنا شيء جديد, تعمل وتظل تعمل به, وحين تقترب من حدود الاكتمال, تسفر, وحدها, عن مساحة أخرى من التجربة. أو درجة أبعد من الوعي. وكما أقول, فإن أداة التعبير, عندما تتطور أكثر, تمتد وحدها إلى مجال إدراك أبعد! المسألة, إذن, انك تنمو بالتجربة, والتجربة تنمو بك, عبر استخدام أدواتك, نفس الأدوات. وهذا لا تكون مدفوعا إليه بالاختيار, بل يأتي نتيجة انك في الأصل لك عالمك, هو الذي دفعك إلى التعامل معه على نحو معين, فأنت لا تعيش في المطلق؛ لانك محكوم بملامح رؤيا, تحاول استكشاف أبعادها, وكلما بدأت التعرف عليها, كلما ارتفع مداها واتسع أفقها أكثر! الذاكرة والابداع وهكذا تتراكم الخبرات في الذاكرة, مشكّلة خلال رحلة النمو والنضج ملامح رؤياك الخاصة؟ ــ دعنى قليلا عن الذاكرة, فأنا مثلا ذاكرتي الزمنية غريبة جدا, واحساسي بالزمن يكاد يكون معدوما. فأنا قد أتذكر ان واقعة ما حدثت, أو ان مشهدا ما شاهدته. ولكن متى حدث ذلك؟, فهذا ما لا أستطيع تحديده, فقد أقول ان موضوعا ما حدث عام ,1992 وإذا بشواهد أخرى تكشف لي انه حدث عام 1975. فأنا حين أذكر تاريخا معينا, فليس له أي علاقة بالذاكرة, بل أذكره فقط من باب الحرج! وما تعليلك لهذه الظاهرة؟! ــ أنا في الأساس, أتمتع بذاكرة بصرية, فطالما رأت عيني أو لمحت, فقد انتهى الموضوع. وهناك مشاهد من طفولتي ثابتة داخلي. ولكن متى حدثت؟! فتلك قضية أخرى! إذن, الذاكرة البصرية تعمل على تثبيت صورة ما, أو مشهد؟! ــ نعم المشهد, ولكن ليس أي مشهد, فهناك مشاهد معينة نظل عالقة داخلي لسنوات طويلة, قد يكون مشهدا صغيرا من مرحلة عمرية كاملة, ولثباته طوال تلك السنوات, وربما لالحاحه عليك أيضا, أرى فيه مسألة تستدعي التأمل فنيا! هل تضرب مثلا؟! ــ لا أريد أن أضرب أمثلة, فقد فعلت ذلك من قبل, وضايقني فعله! لماذا؟! ــ لان الكتابة عندي رغبة مضنية في الافضاء. فإذا قلت, أعتبر نفسي قد كتبت وانتهى الموضوع, أي أفقد رغبتي في أن أفضي به ثانية على الورق! * ولكن ألا يفترض في الابداع, أن يكون شكلا من أشكال المواجهة, فالكاتب يبدع, أساسا. لان هناك مشكلة ما تؤرقه, فيحاول أن يجد لها حلا بالابداع؟! ــ لا يرجع الأمر فقط إلى وجود عدد من المشاكل الفنية, التي تبحث عن حل. الأساس هو إشكالية وجودك نفسه. أنت في مواجهة عالم, هو عالمك, وتريد تقديم انطباعك الجمالي ضد أو مع هذا العالم! وعلى المستوى النفسي, إذا جاز التعبير, فأنا أعتبرها مسألة حياة أو موت! كيف؟! ــ أن تعيش وسط حياة شعبية فقيرة, ومبتذلة في ظاهرها, بينما أرى انها الحياة الحقيقية, وأن الغنى الإنساني الحقيقي موجود فيها. وهذا الانطباع الجمالي ابن لاحساس حقيقي, داخلك, لا فكاك منه. ولكن هذا وحده لا يكفي؛ لان عليك أن تؤهل نفسك من أجل التعبير عنه, بمعنى ان الأمر يحتاج إلى تأهيل فني دائم من أجل تطوير أدواتك, حتى تصبح أهلا للتعبير عن هذه التفاصيل التي تبدو في ظاهرها رثة أو عادية. وربما لاني لم أستكمل دراستي, لذا أعتبر نفسي تلميذا أبديا! والآن, أعتقد ان خير ما نختتم به حوارنا, أن تحدثنا عن روايتك الجديدة (عصافير النيل) . ــ ستصدر رواية (عصافير النيل) ,. خلال الأيام المقبلة عن دار الآداب.. وعندئذ نتحدث! القاهرة ــ مكتب البيان