الصعلكة في لغة العرب هي الفقر وضآلة الذكر والضياع بين الناس, وقد يضيف إليها القاموس (انظر المنجد للأب المعلوف ــ طبعة 28) معنى اللصوصية والتشطر (و الشاطر هو اللص أيضا فتأمل!)ولولا ان نبغت في تاريخ الشعر العربي طائفة من أصحاب المواهب الشعرية ممن آثروا الخروج أو التمرد على مجتمعاتهم وعرفهم الناس بأسماء الشعراء الصعاليك لظل الناس يزورون ازورارا عن ذكر الصعلكة ولأصبحت مرادفة للسقوط والجريمة والنبذ الاجتماعي والطريق المسدود. ولكل انسان ظروفه, ولكل مجتمع شجونه, ولكل لحظة في التاريخ ايقاعها بين مسار سوي وبين تذبذب واضطراب, وهكذا ينبت بين صفوف الفقراء والمهمشين والشطار, وأحيانا المساجين والمبعدين, مواهب وملكات وابداعات تستلفت الأنظار وتنبه الناس إلى ان كل هؤلاء بشر قبل كل شيء, وان المرء هو وليد ظروفه, وقد تقسو عليه الظروف, ولكن هذه القسوة وهذا التجهم لا يحولان دون ان تينع موهبة أو يورق غضن أو تتفتح زهرة.. ألا ترى إلى النبتة المونقة تبزغ وسط الصخر, أو إلى الوردة اليانعة تزهر على سطح الراكد من المياه؟ أكثر من هذا, ربما ساعدت قسوة الظروف على تفتح الموهبة بل ربما جاءت هذه الموهبة بثمرات ابداعها وسط أسوار الفقر وبفعل شظف الحاجة داخل أسوار السجون تلك هي كيمياء التفاعل بين الأضداد حيث الفقر يسلم إلى الحلم بالغد الأرغد والأفضل وحيث الاحتياج يدفع إلى تصور عالم جميل من الوفرة والحظ الحسن, وحيث السجن يشعل جذوة التوق إلى الحرية ويذكي روح الإبداع في التعبير عن الشوق إليها. وفي مطلع الثلاثينات من هذا القرن تلقى عباس محمود العقاد حكما قاسيا ــ نراه مجحفا ــ بالسجن لمدة عام بتهمة العيب في الذات الملكية, ودخل العقاد سجن (قرة ميدان) عند قلعة صلاح الدين في القاهرة القديمة, وخرج بكتاب اتخذ له عنوان (عالم السدود والقيود) , وأفرجوا عنه بعد تسعة أشهر بفضل شهادة حسن السير والسلوك, واستقبلوه يوم الافراج في احتفال أقاموه في ضريح سعد زغلول ويومها انشد العقاد داليته الشهيرة ومطلعها: وكنت جنين السجن تسعة أشهر وهاأنذا في ساحة الخلد أولد عداتي وصحبي لا اختلاف عليهم سيعهدني كل كما كان يعهد ومن السجن أيضا بعث الحطيئة شاعر الجاهلية المخضرم برسالته الشهيرة إلى الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان استنفد كل الوسائل والأساليب لكي يكف الحطيئة لسانه اللاذع عن شتيمة خلق الله في مجتمع الحجاز وما وراءه وكان ان أمر بايداعه السجن لعله يسكت قليلاً عن هجاء الناس, ولم يشفع للسجين الشاعر سوى رسالته إلى الخليفة وقد ضمنها بيتيه: ماذا تقول لأفراخ بـ (ذي مرخ) زغب الحواصل, لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر ثم هانحن في زماننا الراهن نقرأ معجبين أشعار عبد الحميد الديب المصري وقد كان رهين مجالس شتى , ما بين السجن وما بين مسكن تاعس يعاف البشر, بل وغير البشر, الاقامة فيه, وها نحن نستمتع بابداعات المغربي (محمد شكري) وفي مقدمتها روايته اللامعة بعنوان (الخبز الحافي) وقد كتبها ــ بل نقول نحتها من صخر الواقع الصلد والعيش المرّ الذي كابده صعلوكا بائسا وسط مجتمعات لا ترحم وفي مدن بغير ضمير, ناهيك عن الفرنسي (جان جينيه) وهو اشهر من عرفه الناس في عصرنا من الكتاب الصعاليك , بل انه ليس صعلوكا بحكم قسوة الظروف ولكنه كان يصدر عن سجل حافل من تربية الإصلاحيات ومن احتراف اللصوصية ومن ادمان الاجرام, وإذا كان عبد الحميد الديب قد كتب اشعاره على كراسي المقاهي الرخيصة بالقاهرة, وكتب محمد شكري رواياته وهو يذرع الشوارع الخلفية في أحياء التعاسة في مدن المغرب الأقصى, فإن جينيه كتب أولى أعماله من داخل سجون فرنسا التي كان زبونا دائما لها هي وسجون أوروبا منذ سن الخامسة عشرة (جينيه من مواليد 1910) ولذلك فلم يكن صدفة أن يحمل أولى أعماله عنوان (يوميات لص) على سن و رمح كما يقولون, ولولا صدفة سعيدة أخرى جعلت مشاهير الكتاب الفرنسيين وفي مقدمتهم (كوكتو) و (جان بول سارتر) يشنون حملة للافراج عن هذا الصعلوك الموهوب لظل جينيه مجرد ملف لواحد من السجناء التعساء ولما عرف الناس أدبه المتفرد في مجالات السيرة الذاتية والرواية والمسرحية على السواء. ومن عجب ان يدرك أهل الصنعة في أمريكا حقيقة ان بين صفوف الصعاليك من نزلاء السجون مواهب وملكات وقدرات يمكن استثمارها في عالم الكتابة والنشر, والمكاسب أيضا, وحتى في غياب المواهب الأدبية فقد أدرك أهل الصنعة أيضا كم ان سجون أمريكا تحفل بأكثر من قصة تستحق ان تروى, وأكثر من عبرة تستحق أن تساق, وأكثر من دراما واقعية في حياة البشر يمكن ان تتحول بدورها إلى مذكرات منشورة أو إلى رواية سائغة للقراءة أو إلى فيلم سينمائي, يعود على صانعيه بالملايين, كل ما عليك هو ان ترصد أهل الجريمة ومحترفي الاجرام ممن ساقهم المجتمع واقتادهم قانون العقوبات إلى غياهب السجون.. وبعدها تقصد مجالسهم وتطلب لقاءهم, وتحفر عميقا في شعاب حياتهم وتسجل على ألسنتهم ساعات لا تلبث ان تتحول إلى روايات ومذكرات وحكايات وأفلام, وعداد الفلوس شغال على بطال, ومن الطبيعي ان طباخ السم يذوقه كما يقول المثل الشعبي, ومن ثم ينال المجرم السجين جانبا من حقوق النشر, فإذا ببعض نزلاء السجون يتحولون إلى مليونيرات أو شبه مليونيرات, وكأنهم بهذا يحدقون في عين القانون دون ان يطرف لهم رمش قائلين: ( ولو هاهي الجريمة تفيد, ويمكن ان تدر على مرتكبها مئات الآلاف, ولذلك أصدر الأمريكان قانونا يحظر على السجين ان ينال أي عائد مادي من وراء الذكريات أو الحكايات التي يفضي بها إلى هذا النفر أو ذاك لزوم النشر بأنواعه, وحتى يظل الميزان منصوبا والمنطق ساريا يقول بالفم المليان: ان الجريمة لا تفيد, وان الدراما التي تخالط حياة هذا الصعلوك أو ذاك هي أمر يخصه بالخير أو بالشر في التحليل الأخير. لكنا نحدثك عن صعلوك من نوع آخر ذاق محنة التشرد ولكن لم يرتكب جريمة تدخله سجنا ولا تودعه إصلاحية, ونام على الأرصفة وفي زوايا المحطات في مدينته الكبيرة, لكن دون ان يفقد روحه الإنسانية واحساسه بجدارة الحياة وأمله في ان يتحول يوما من موقع نفاية البشر إلى موقع الإنسان المبدع.. المثقف الحالم بأن حلكة الليل يعقبها فجر يولد وصبح يتنفس اسمه (لي سترنفر) وتحتفل به الأوساط الأدبية في أمريكا في هذه الأيام تحت شعار يقول : الأديب الذي جاء من الشارع إلى المطبعة ومن التشرد إلى الشهرة, ومن حياة الضياع إلى معيشة الأسوياء. وتلك قصة تستحق ان تروى في أسطر قادمة ان شاء الله.