ثلاثة افلام عربية بمهرجان الاسكندرية تناولت مرحلة الاربعينات والخمسينات وهي فترة لم يعشها مخرجوها ... فلماذا يعودون الى تلك المرحلة؟ هل ارادوا ان يتخذوا من الماضي عبرة! هل قصدوا اسقاطا على الحاضر؟ هل تضمنت ذكريات للآباء ... او من طفولتهم هم ؟ الرديف 54 في الفيلم التونسي (الرديف 54) يعود المخرج علي العبيدي مع بطله الى قريته (الرديف) التي ولد فيها هو نفسه العام 1950 - وهي قرية تقع جنوب تونس العاصمة - كان ابراهيم - وهذا هو اسم البطل قد قضى ثماني سنوات في فرنسا حيث كان يدرس الحقوق - فكيف وجد الحال؟ الامور قد تغيرت الحركة الوطنية ضد الاحتلال الفرنسي اخذت تضطرم ولكن كان هناك داخل المجتمع التونسي ذاته صراع بين قوى وطنية تعمل سرا او علنا - نراهم في ملابسهم الوطنية يتحدثون العربية ... منهم من يرى الوسيلة الى تحقيق الاستقلال حتى التفاوض ومحاولة الاتفاق ومنهم من يراها المقاومة والعنف, وبين قوى اجتماعية ترتبط ثقافة ومصالحا - بالطبقة الحاكمة, لا يتحدثون الا الفرنسية, منطوين داخل منظومتهم - يرتدون الزي الافرنجي يرتادون مع نسائهم السافرات حفلاتهم ... في هذا الجو المضطرب اجتماعيا وسياسيا وجد الشاب العائد نفسه ... بين اغراءات الطبقة (العليا) ومتطلبات ومطامح بلده ... في النهاية يجد نفسه مع وطنه وعروبته. يطرح على البعيدي 48 سنة الذي درس هو نفسه في الخارج في بوخاريست عاصمة رومانيا السينما والمسرح وتخرج العام 1978 - قضية (الهوية) , يطرحها في التسعينات 1997 - من خلال اعداده لرواية للكاتب التونسي الدكتور محمد صالح الجابري صدرت في الستينات, كأنما يؤكد ان هذه القضية كانت ولاتزال مطروحة اليوم. يرى ضرورة اعادة كتابة التاريخ الوطني بالصورة ... يرى ان الحبيب بورقيبه قد قرأ الحركة الوطنية بطريقته الخاصة, من مزايا الفيلم محاولة رد اعتبار خلال سياقه بكفاح الزعيم الوطني صالح بن يوسف - هذه القراءة الجديدة في رأيه تعمق وعيا جديدا في مواجهة تحديات العولمة وترددت في الفيلم اغان وطنية لسيد درويش - المصري - بلادي بلادي - وقصائد للشاعر التونسي ابي القاسم الشابي. الترحال ويعود المخرج السوري في فيلمه الثاني (الترحال) 1997 - الى بلدته التي ولد ونشأ فيها (حماه) في فترة ما بين الاربعينات والخمسينات , 1948 - وما يحمله هذا العام بالذات من دلالة تاريخية - حتى العام ,1953 ومامر ببلدته الصغيرة ووطنه الكبير من احداث وانقلابات من خلال اسرة صغيرة يعمل عائلها نحاتا للحجر كانه من خلال الحجر اراد ان يقدم ذاكرة المدينة فابوه نفسه كما قال في المؤتمر الصحفي كان يعمل نحاتا - وهو نفسه عشق النحت . وقال ايضا ان المحرك الاساسي في ان يكتب بالصورة عن الحجر هو ان يكون شاهدا على العصر - مؤكدا على الوحدة الوطنية بدون شعارات وقد طرح في البداية قضية فلسطين - من خلال نزوح فلسطينيين وايوائهم في حماه - ولكن مع الانقلابات تعرضت القضية للنسيان. لوحظ ان نسخة الفيلم التي عرضت بمهرجان الاسكندرية تختلف في نهايتها عن النسخة التي عرضت في مهرجان دمشق - حيث فاز الفيلم بجائزة فضية - ومهرجان القاهرة ديسمبر 1997 وحول هذا الاختلاف قال المخرج انه قد اعاد مونتاج الجزء الاخير من الفيلم ليؤكد ان الترحال دائم بالنسبة للبطل عوضا عن الموت - حيث كان قد اصيب في النسخة الاولى بالرصاص وهو يعبر نهر العاص عائدا من لبنان, قال انه في الموال الذي غناه بنفسه في نهاية الفيلم اكد انه لافرق بين حماه ولبنان, كما اراد ان يؤكد ان رسالة النحات تمتد الى كل اجزاء الوطن العربي - وان نهر العاص يجري منذ آلاف السنين عبر لبنان وسوريا. آو شتام الفيلم العربي الثالث بمهرجان الاسكندرية هو المغربي (اوشتام) اخراج محمد اسماعيل - 47 سنة - يدور في بلدة اوشتام - التي نشأ فيها هو نفسه, يعود الى فترة الاربعينات وحركة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الاسباني - وذلك من خلال اسرة الحاج - الحاج شيخ ضرير يتعاون مع الاحتلال - ومن هنا تكون له سطوة بين اهالي البلدة, وهو رجل مزواج يتزوج فتاة صغيرة اصغر من ابنيه احدهما, الاكبر, يشارك في حركة المقاومة الوطنية مما يثير غضب الحاكم الاسباني ضده, وابنه الاصغر فقد تقوم علاقة بينه وبين الزوجة الجديدة الشابة. يرجع الشيخ بعد رحلة علاج يعود فيها اليه بصره يكتشف بنفسه - بعد ان تظاهر انه لايزال ضريرا - العلاقة بين ابنه الاصغر وزوجته, فينتقم منها بالسم, وينتهي الفيلم برحيل الابنين وتركهم الاب والبلدة يقدم الفيلم مظاهر فولكلورية خلال طقوس الزفاف وفي الوقت نفسه يؤكد على السلبيات التي يرى انها لاتزال قائمة بالنسبة لحقوق المرأة. وهذا هو فيلم محمد اسماعيل الروائي الطويل الاول وكان تناول في فيلمه القصير اصدقاء الامس فترة الاربعينات في منطقة الاحتلال الاسباني. الطريف ان الفيلم السلوفاكي بالمهرجان (معسكر الساقطات) يعدد فيه ايضا مخرجه الشاب (لاكوهالاما) الى فترة الاربعينات او العام 1949 مستعيدا ذكرياته وهو طفل من معسكر قرب بلدته لم يتبق منه الا الانقاض, حكى له عبره قصته حينما كان الالماني - النازي - قد اقاموه خلال الحرب العالمية الثانية - ثم بعد نهاية الحرب وضع فيه النظام الشيوعي كل من شكوا في ولاته او لم يتوافق مع النظام في تشيكوسلوفاكيا , وكذلك بحجة اعادة تربيتهن وتحت بند الساقطات قبضوا على راقصات باليه - ونساء لفقوا لهن تهمة الجاسوسية والتعاون مع (الامبريالية) ادان المخرج الشاب النظام الشمولي. السابق بكل سلبياته ... الدكتاتورية ... النفاق السياسي - التجسس على الآخرين وانعدام الحرية .. ونجح في ان يقدم هذه السلبيات في اطار ساخر ... الهتاف بالشعارات بالاغاني , تمثال لستالين معبأ بالشراب, التقارير السرية المزدوجة , ولعبة الروليت الروسية ... كما قدم علاقة رقيقة وصورا انسانية ... مثل السجينة التي تضفر شعر طفلة خارج الاسلاك متذكرة طفلتها البعيدة التي ترسل لها كوبونات السكر ... والطيب اليهودي الساخر الذي رفض الهجرة الى اسرائيل وفضل ان يدفن في بلدته. قال لنا المخرج السلوفاكي انه اعد الفيلم عن رواية لكاتب سلوفاكي شهير نشرت العام ,1991 وان هذا هو اول فيلم يتناول موضوعا ظل سنوات طوال محرما وهو موضوع معسكرات الاعتقال في النظام الشمولي, وانه قصد ان يجمع بين المآساوية والكوميديا الساخرة ... فقد كان على الناس وقتئذ ان يلجأوا الى السخرية والنكتة حتى يستمروا في الحياة. الاسكندرية - فوزي سليمان