كان شعار تولستوي الدائم: على المرء كي يعيش شريفا ان يطمح ويضل ويجتهد ويخطىء وان يبدأ ويترك ثم يبدأ ويترك ثانية وان يناضل دائما ويعاني الحرمان تولستوي كاتب ذو شهرة عريضة وصيت واسع فوق المعتاد واكثر من المألوف والمعهود ومحبوب جدا في وطنه وخارجه. بيد ان روسيا تقدر تولستوي اعظم القدر لا كصاحب ادب مبدع فحسب وانما ايضا كمفكر فذ ومنور وديمقراطي وانساني في نزعته, ويتذكر الشعب الروسي, خاصة في هذه الايام الصعبة في ظل الدمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي, هذا الرجل الارستقراطي كانسان انشأ المدارس الشعبية لتعليم ابناء الفلاحين والتي وضع لها الكتب المدرسية الخاصة من تأليفه وتولى في بعضها التدريس بنفسه. وكان معروفا كمنظم لاعمال الخير والاحسان والاغاثة في السنوات العجاف حين شح المحصول وتفشى الجوع في ارياف روسيا وقراها فكان يفتح المطاعم العامة القروية المجانية التي انقذت الآلاف من انياب المنية. كان يتألم كثيرا لما تقاسيه البلاد من فقر وجهل ومرض. كما عذبته فكرة ان يكون بينهم مترفا منعما بينما هم غارقون في الشقاء فقرر ان يكدح ويعيش مثلهم. الطفولة والصبا والشباب ولد ليف تولستوي في قرية تقع بالقرب من مدينة تولا في 19 سبتمبر عام 1828 من اسرة نبيلة عريقة وقد توفي والداه في سن مبكرة فعاش في كنف اقر بانه, انتسب الى جامعة قازان في عام 1844 لدراسة اللغة العربية والتركية ولكنه تركها بعد ثلاث سنوات وعاد الى قريته التي ورثها, وكانت السنوات الاربع التالية من حياته مليئة بالاحداث فقد ترك القرية وانتقل الى موسكو ومن ثم الى بطرسبورغ واخيرا الى القفقاس. وقد كتب في القفقاس قصته الاولى (الطفولة) ثم ظهرت بعد ذلك قصتان هما (الصبا) و (الشباب) . وقد برزت في هذه المؤلفات المبكرة موهبة تولستوي وقدرته على الغوص في اعماق النفس البشرية. اشترك تولستوي في عدة حروب اثناء الخدمة العسكرية فقد حارب ضد الجبليين في القفقاس ثم في حرب القرم وفي معارك الدفاع عن سيفاستبول ولم ينس في هذه الاثناء مواصلة انتاجه الادبي, وقد وقد جلبت له اقاصيصه عن سيفاستبول شهرة واسعة. فقد صور فيها آلام الشعب ومصائب الحرب والوضع المؤلم للجنود, وبعد سقوط المدينة تقاعد تولستوي وسافر الى بطرسبورج وفيها تعرف على اشهر أدباء عصره. تزوج في عام 1862 من ابنة طبيب وكان انتاجه في بطرسبورج غنيا وزخما, توفي في التاسع من نوفمبر عام 1910 عن عمر يناهز الـ 82 سنة ودفن في عزبته الشهيرة ياسنايابوليانا التي عاش فيها سنوات طويلة. تولستوي والادب كان تولستوي كاتبا عظيما نال شهرة عالمية في حياته. وفي آن واحد تناول مهنة الادب بانتقاد قاس. ولم يستثن نتاجاته من ذلك بل وسمها في مرات عديدة بالمهزلة والسخافة حين كان يعتبرها الجميع روائع العصر. ترك تولتسوي خلال حياته الطويلة الادب والكتابة عدة مرات وكان يقول بكل فخر: انا لست اديبا. فالادب برأيه ليس قمة القمم التي احاطها المجتمع الاوروبي بالاحترام في القرن التاسع عشر, كتب تولتسوي في رسالة الى فييت, الشاعر الروسي, عام 1859: اخجل عندما افكر: الناس يبكون ويموتون ويتزوجون اما انا فأكتب قصصهم. (كيف احبته) حماقة ودناءة ) وبعد هذا التصريح كتب رائعته (الحرب والسلام) . ونقرأ في عام 1871 في رسالة اخرى ارسلها ايضا الى فييت: ) لن اكتب اكثر مثل هذا الهراء والاسترسال كـ (الحرب) اقسم بالله اني مذنب ولن اعيد الكرة في حياتي) . واجاب على اقتراح احد المحررين بالتعامل مع جريدته: انا لا أكتب شيئا واتمنى ألا اكتب شيئا وخاصة للطباعة) . وبعد ثلاثة اعوام من هذه السطور كتب تولستوي (آنا كارنينا) والتي قال فيها توماس مان (من اعظم الروايات الاجتماعية في الادب العالمي عامة) . كان تولستوي طوال حياته وحتى مماته يرفض الكتابة ولكنه يعود اليها من جديد. ولا يمكن وضع مثل هذه العلاقة بالفن بتصورات اولية من فنان تفانى في عمله وقدم له كل وقته وكل قوته, ان اغلبية القراء والادباء المقربين له كانوا يشعرون بألم كبير , حسب تعبير زوجته صوفيا (تضيع مثل هذه القوى الفكرية الهائلة هباء في نشر الخشب واعداد السماور وفي خياطة الاحذية) . في تصوير الحياة الروسية اتخذ تولستوي موقف الفلاح المتمرد مشاركا اياه عقليته وتعصباته, ومن هنا جاء النقد العميق والاخلاقي وقد اكد مرات عديدة انه (لايمكن القضاء على الشر بالشر) كما لايمكن (اطفاء النار بالنار) ولذلك نعته لينين (بالاقطاعي المجنون بالمسيح) . تولستوي والحياة الحياة - كلمة نجدها دائما في مؤلفات تولستوي وكانت بالنسبة له المحور الرئيسي والهام. كتب في مذكراته: نعتقد ان واجبنا ان ندعو الى القيام بأعمال مختلفة: تربية الاطفال وكسب الثروة وكتابة الكتب واكتشاف قانون في العلم والخ. واما هو فعند الجميع وعندنا شيء واحد فقط العمل بحيث تكون الحياة وحدة متماسكة وجيدة وعملا عقلانيا) . كان هناك اناس يعتبرون تولستوي اما احمقا او انسانا متزنا يعد خطواته ويقوم بأعمال تشد انتباه الجمهور اليه. ان تولستوي لم يكن هذا ولاذاك لولم يسع الى ذلك قطعا بل كانت سلوكيته هذه احدى المكونات العميقة لشخصيته وابداعه الادبي فعندما كان يجلس على قمة المجد كان يترك الادب كي يعلم اطفال الفلاحين ويزرع الغابات ويراسل قراءه ويصلح الاحذية ويفلح الارض. ان اي عمل, برأيه, لا يتصل بالحياة او يضغط عليها يفقد حياته ويصبح في عداد الموتى. ولكن يجب ان ندرك ان الحياة في ادب تولستوي ليست كصورة مرآة او نسخة من الوجوه الخارجية للحياة, وانما كعملية معرفة علمية تتغلغل في اعماق الحياة وتوجه نحو تحويلها من خلال التأثير في الناس. تولستوي والطبيعة تأثر الكاتب بالطبيعة كثيرا بل انه احيانا قد اندمج معها اندماجا تاما, وكان يجد فيها مثلا على البساطة. ومما ساعده على هذا الالتحام معها الطبيعة الجميلة للبلاد الروسية بغاباتها الكثيفة الساحرة ومروجها الخضراء الشاسعة, يقول في احدى قصصه القفقاسية: (أمن المعقول ان يشعر الناس بالاكتظاط في العيش في هذه الدنيا الرائعة تحت هذه النجوم التي لاتحصى؟ احقا من الممكن ان يبقى في نفس الانسان شعور بالحقد والانتقام ونوازع القضاء على ابناء جنسه) . الحرب والأخلاق كان اكثر ما اثر في نفس تولستوي هو الاهوال والويلات التي تفرزها الحروب, وينال الشعب من هذه المصائب اكثر من غيره. كتب قصته الرائعة (الحرب والسلام) والتي تعد بحق ملحمة انسانية كبرى متحدثا عن الحربين اللتين حصلتا بين روسيا وجيوش نابليون الغازية ففي الصفحات الاولى من القصة يشجب الحرب ويصف الجرحى وفي الثانية والعشرين منها يصف الثورة الفرنسية على لسان احد الابطال بانها القضية الاولى. يتحدث في الكتاب عن مساواة المواطنين وحرية الكلمة والنشر وحقوق الانسان وكلها كلمات كانت تبدو غريبة في تلك السنين المظلمة في روسيا. ولم يكن موضوع الحرب وحده هو الذي يشغل بال تولستوي بل ان مشكلة الاخلاق كانت هي الاخرى تمثل مكانا كبيرا في ذهن الكاتب, وقد تنبأ بسقوط العالم الذي تقوم اخلاقه على المال. فكتب رائعته الثانية (آنا كارنينا) . ولعل اعظم ماحاز اعجاب الكتاب والنقاد في شخصية ليف هو كونه خلق ارستقراطيا وملاحا كبيرا ومع هذا فقد كان يعزف فيما كتب عن الملكية بل كان منكرا لها ولكل ما يسمى بطبقة النبلاء والاوساط العليا. وكانت مأساة آنا كارنينا تكمن في كونها غير قادرة على الخروج من هذا العالم الخانق, كانت ضحية لمجتمع منافق كذاب, فهي لم تستطع ان تخدع زوجها, مثل معظم نساء ذلك العصر كما انها لم تستطع الطلاق منه ولم تستطع ان تعيش جو الخداع فهربت من بيت الزوجية الى منزل عشيقها وعاشت معه فترة وقد قامت بهذا العمل في عصر كان يضع صاحبه في اسفل مراتب الرذيلة والخزي والعار. فاظطرت الى الانتحار تحت عجلات القطار. وابتداء من قصة الطفولة وحتى قضية (الجثة الحية) كان تولستوي دائما يقف من القذارة الاخلاقية والطمع والانانية والظلم موقف العداء والشجب وظل واقعيا اصيلا في فهم جوهر الطبع الانساني كما ظل دوما مؤمنا بطاقات الشعب الابداعية وبقدرة الناس على بناء حياة سعيدة. ورغم انه كان ظاهرا يدعو الى السلام والسكينة الا انه كان من الداخل عاصفة متمردة ثائرة على الطغاة والكنيسة التي لم يعترف بها ولم تعترف هي به. ووضع في خدمة الشعب كل وسائله الفنية وقدرته على الرؤية والفهم ككاتب تتغلب عنده النزعة الانسانية على الادب والفن. لم تكن الحروب التي خاضتها روسيا ضد نابليون هي التي حركت مشاعره وآلمته بل ايضا تلك الحروب التي كان يخوضها العالم الخارجي من حوله وقد كتب عن هذه الحروب كثيرا وظل موضوع الحرب والسلام يخيل مكانا كبيرا ليس في مؤلفاته ومقالاته وحسب بل في مراسلاته ايضا فقد كتب في النصف الثاني من التسعينات عن الحروب الايطالية الاثيوبية والاسبانية الامريكية, وفي اثناء الحرب الروسية اليابانية عام 1904 نشر نداء الى الاطراف المتحاربة بعنوان (توبوا الى رشدكم) وفي عام 1909 ارسل تقريرا الى مؤتمر السلام في استوكهولم قائلا للمؤتمرين: (ان انتصارنا لاريب فيه, مثلما لاريب في انتصار شعاع الشمس المشرقة على ظلام الليل. وقد وجد في حوزة الكاتب بعد وفاته ما يقارب الخمسين الف رسالة وكان ليف يجيب على معظم هذه الرسائل ويختمها بعبارة (انني سعيد جدا بالاتصال بكم) . وكان يعتز بهذه الرسائل بينه وبين الناس وقد عرف من خلالها بأن العالم الخارجي يصغي الى صوته ويقرأ افكاره فاخذ يهتم اكثر فأكثر بما يحدث في العالم تبعا لازدياد شهرته واتساع تأثيره, وكثيرا ماوردت في يومياته هذه العبارة (انني مشغول جدا بالعصر) . يعالج تولستوي في روايته (سوناتا كرويتسير) اسباب انعدام الانسجام في المجتمع والاسرة فماذا يعيق بوزوديتشوف وزوجته عن العيش بانسجام؟ ويحكي بوزوديتشوف عما عاناه وأحس به وكيف عاش في بوتقة الاستهلاك والكسب الجشع الاناني الذي افضى به الى الكارثة. ومثل هذا الاسلوب في الحياة يفضي بقناعة تولستوي , الى كارثة للبشرية كلها وتتلخص فكرته في ضرورة ان يتأمل كل انسان ذاته وان يتخلص من (جنون الانانية) . تولستوي والعالم الى جانب الموهبة الفنية اوتي تولستوي عقلا جبارا قادرا على التغيير العميق فان كتبه وافكاره تجاوزت دائرة المكان واصبحت ملكا لكل شعوب الارض. يقول عنه الكاتب الفرنسي الكبير ايرويه يازين: لقد تبوأ تولستوي مكانا راسخا بين العشرة الاوائل من شيوخ الادب العالمي وليس لدينا نظيرا له الا زولا. ثم يقول في موضع آخر: ان كاتبين فقط هما بلزاك وزولا قادرين على غرار تولستوي اضفاء طابع الفخامة والجسامة على رواياتهما. ترجمت رواياته (الحرب والسلام) وآنا كارنينا) و (البعث) وغيرها الى معظم لغات العالم واخرجت هذه الروايات افلاما عالمية كما اقتبست بعض الاعمال فكرتها عن اعماله. ففي المانيا في العشرينات مثلت قصة آنا كارنينا مرتين ادوار آنا كارنينا كل من غرينا غاربو وفيفان لي. كما اخرجت السينما الروسية كل من هذه القصص الثلاث اضافة الى قصة (الاب الروحي سيرغي) ونال فيلم الحرب والسلام جائزة الاوسكار العالمية عام 1965 كما اشتركت السينما الامريكية والايطالية بتمثيل الرواية ذاتها وقام باخراج الفيلم المخرج كينج فيدور واشترك في تمثيليه كل من هنري فوندا واودري هيبورن, كما ان مسرحياته (سلطان الظلام) و (ثمار التنوير) و (الجثة الحية) تعرض باستمرار على خشبة المسارح الكبرى في العام. كتب تولستوي خلال حياته 22 مجلدا اعيدت طباعتها عشرات المرات وبملايين النسخ. خاتمة عندما بلغ تولستوي الثلاثين من عمره كان قد توصل الى استنتاج مفاده: (ينبغي على المرء كي يعيش شريفا ان يطمح ويضل ويجتهد ويخطىء وان يبدأ ويترك ثم يبدأ ثانية ويترك ثانية وان يناضل دائما ويعاني الحرمان, اما الهدوء فهو يعتبر دناءة نفسية وختاما فانني لا اجد خيرا من الكلمات التي قالها نهرو: (نحن نستطيع ان نقبل كل وجهات نظره ونظرياته او نرفضها, ولكننا اذا فكرنا فيه نزل علينا فيض حكمته وعظمته وارتقى بنا) . ومن اقوال تولستوي: (على الانسان ان يكون رحيما لان الرحمة تجمع البشر, وان يكون اديبا لان الادب يوحد القلوب المتنافرة, وان يتمرس بالفن لان الفن ينقذ القلوب من جرائم الطمع والانانية) . ترجمها عن الروسية: فؤاد العلوش