أقدم لك بهجت محمد عبدالعزيز. ولا تجهد ذاكرتك فأنت لا تعرف الرجل, ولم تسمع باسمه, فهو ليس فنانا ولا كاتبا ولا سياسيا ولا رجل اعمال. هو فقط المدير المالي والاداري لأحد المستشفيات في محافظة الفيوم . بل انني ايضا اعترف بأني لم أر بهجت محمد عبدالعزيز, ولا أعرف هل هو قصير القامة أم طويل القامة, أبيض أو أسمر؟ فأنا لم أر حتى صورته. اذ لم تنشر الصحف صورته. صحيح ان الصحف أوردت عنه خبرا صغيرا, لكنها لم تحاول ان تعرف قصة هذا الرجل حتى الآن على الاقل. يقول الخبر الصغير ان بهجت محمد عبدالعزيز عمره 42 عاما ويعمل مديرا اداريا وماليا لمستشفى الحميات. وانه صدر امر من وكيل الوزارة بنقله من مكانه. وأحس بهجت بالظلم وأراد ان يحتج على هذا القرار, فأتى بخيط طبي, وخاط فمه, حتى يعدل وكيل الوزارة عن قراره. الخبر أقرب ما يكون الى اخبار الطرائف, ولن تستطيع ان تمنع نفسك من الابتسام عندما تقرأه, كما فعلت انا. ولكن هذا الخبر الطريف خلف لديّ مرارة لثلاثة ايام متتالية. أرى امامي في كل لحظة بهجت محمد عبدالعزيز بوجهه الممصوص وقامته الطويلة النحيلة وعينيه الضيقتين الحادتين وهو مغلق الفم لا يستطيع ان يتكلم أو يأكل أو يكح. بل ولا يستطيع حتى ان يبصق مع ان البصق من حريات الانسان, حقا ان ذلك لم يأت في ميثاق الامم المتحدة, لكنه اتى في فيلم (تيتانيك) وأظن ان الفيلم أكثر مرجعية من ميثاق الامم المتحدة. ولا بد انك عزيزي القارىء حتى لو كنت تقرأ خطفا مثل تسعين في المائة من قراء هذا الزمان ستعرف انني وقعت في خطأ بين هو انني قلت في صدر الحديث انني لم أر بهجت محمد عبدالعزيز ولا صورته. ثم اخذت أصفه, بل ونسيت ان اقول ان هناك شامة عند ذقنه وأن اصابعه طويلة جدا, بل وكدت احدثك عن والديه ونشأته. ولكن كل هذا ما تخيلته دون ارادة مني. من تحول بهجت الى شخص يطاردني في نومي ويقظتي. ليس فينا من لم يحس بالظلم في حياته. انه احساس عنيف بالقهر تحس معه ان العالم كله ضدك, وان العدل وهم من الاوهام. أذكر عندما كنت في المدرسة الابتدائية وكنت اتبادل اللعب مع توأمين في سني, مرة في بيتنا ومرة في بيتهما. وذات مرة كنت في بيتهما وألقى احدهما بالكرة على مرآة غالية, ولما اتى افراد الاسرة اتهمني انني الذي ألقيت بالكرة. وكعادة الاطفال بدأت اقسم اني لم افعل اولا, انني فوجئت بشقيقه التوأم يشهد بأنني الذي ألقيت الكرة فانتابه صمت عميق مثل صمت بهجت عبدالعزيز. وعنفني ابي تعنيفا شديدا. وأحسست بالظلم الشديد. ورأيت ان الدنيا ليس فيها من العدل اي شيء. بل قد قلت في يقيني ان الجميع يكرهونني بما فيهم ابي وأمي. ولذلك قررت ان أذهب من البيت وأبدأ حياة جديدة في مكان آخر! وفعلا سافرت الى مدينة اخرى. وكانت المدينة الاولى هي نفسها مدينة بهجت: الفيوم. اما المدينة الاخرى فلقد ضاعت من الذاكرة, ولعلها تكون مدينة سنورس المجاورة لها. وقضيت يوما كاملا في هذه المدينة الصغيرة التي ربما كانت (سنورس) لأكتشف مع المساء ان في الحياة اشياء غير الاحتجاج على الاسرة مثل الطعام والسكن. ولم أجد مفرا من العودة الى الفيوم بعد ان نفدت نقودي. ولحسن الحظ كان بإمكاني ان اركب المواصلات العامة بدون اجر اذا عرفتهم بأبي. وهذا ما فعلته. ولما عدت الى الفيوم لم اعرف كيف اعود الى البيت, فلقد تركته لأكثر من اربع عشرة ساعة. ولكنني تسللت الى قرب البيت. وفوجئت بأهل الحي يبحثون عني في مجموعات. وان المكان يشتعل بالقلق. ورآني احدهم, أو يبدو انني أظهرت له نفسي ليراني. وتجمع الناس وكأنه يوم عيد. وأتى أهلي فرحين أشد الفرح. ولم يعاقبني ابي على ما حدث. بل ولم يسألني عن سبب اختفائي الا فيما بعد. وبعد الحاح منه قلت له انني لم أكسر المرآة! ورغم مرور سنين طويلة على هذا الحادث الا انني ما زلت اذكره كأنه حدث اليوم. فالظلم قاس على النفس. ولابد ان بهجت محمد عبدالعزيز احس بالظلم, ولم يدر ما يقول فالكذب اكثر لمعانا من الصدق في زمن كهذا. مهما قال لن يصدقه احد. وكل ما يقوله السيد الوكيل سيصدقه الناس. فآثر الصمت. لم يلجأ الى الاسلوب الياباني ويحرق نفسه في مكان عام. وأحسن اذ لم يفعل. لكنه احتج بالصمت. وخاط فمه. والصمت احتجاج منذ ان اخرج انجمار برجمان فيلمه الشهير تحت هذا الاسم في الستينات واعتمد على الذاكرة في انه كان فيلما عن سيدة دخلت في صمت كامل. وذهبوا بها الى الاطباء الذين أكدوا انه لا يوجد ما يمنعها عن الكلام. وبدأوا علاجها النفسي, لنكتشف ان هذا الصمت هو في الحقيقة احتجاج على احداث اساءت اليها. وهكذا قلب برجمان وبهجت النظرية السائدة من ان الظلم يحتاج في رفعه الى محام ذي لسان ذرب. وأكدا ان الصمت هو احدث الاساليب في الاحتجاج. وإذا كان الظلم مثل الشر جزءا من حياة الانسان عبر تاريخه, ففي رأيي انه يزيد الآن. زمان في المجتمعات الصغيرة, كان الظلم موجودا, لكنه كان بنسبة أقل بكثير. مثلا اذا رأينا الآن شخصا صريعا وإلى جواره آخر يمسك سكينا, فلابد ان الاخير قد قتل الأول! في حين انه من الممكن ان يكون قد أتى صدفة, أو حاول انقاذ الضحية, أو يشخص المكان الخ. وفي المجتمعات الصغيرة كانوا يعرفون في غالب الامر ان فلانا لا يمكن ان يقتل فلانا! واليوم حلمت في النوم فإذا بصورة بهجت كما رسمتها لك تلح علي الحاحا شديدا. وفتشت في الصحف فلم أجد اي خبر عنه بعد ان نشر خبر صمته في صحيفتي يوم الخميس 17 من هذا الشهر. وشاقني ان اعرف ما حدث له, ولم اعرف كيف. وبعد لأي عثرت على تليفون شخص اعرفه هناك. هلل عندما كلمته وأبدى شدة التعجب, فهو كان يريد الاتصال بي لأحضر احتفالا بذكرى يوسف وهبي., فلما سألته عن بهجت محمد عبدالعزيز صمت لحظات ثم سألني هل هو أحد ممثلي فرقة يوسف بك؟ فلما صرخت به ان الخبر منشور في صحيفتين يوميتين. قال انه لا يقرأ الصحف منذ فترة لانشغاله في الاحتفالية. وترددت قبل ان اطلب الشخص الثاني الذي اكد لي انه لم يكن يؤمن بالصدفة حتى كلمته, فهو كان يرتب للسفر الي يوم الجمعة المقبل. فبعد ان خرج الى التقاعد قرر ان يستثمر وقته وكتب قصة بعنوان (عبرة الليالي... وعقاب القدر) وانه يريد مني ان اكتب له السيناريو. فلما قلت له انا لا أكتب السيناريو لقصص أحد. قال لي: اعرف لكن هذه استثناءات, انتظر حتى تقرأها, وبعدها ستلح علي, وسأتدلل عليك. ولما سألته عن بهجت وجدته لا يعرفه, فلما حكيت له القصة, قال لي: اذن هو مجنون! هل تشغل نفسك بمجنون؟ أصلح لك ولي ان تشغل نفسك بقصتي. وفكرت ان أكلم المحافظ, فلابد انه يعرف الموضوع كله. لكنني لست متأكدا انه مثل سابقه فاروق التلاوي. والدكتور فاروق كان سيهتم بالقصة ولاشك. وفكرت في انشاء جمعية تهتم بالاحتجاج صمتا, ولابد ان يكون لبهجت مكان فيها كأن يكون رئيسها الشرفي. ولا أرى من ينافسه في ذلك الا الدكتور عصمت عبدالمجيد أمين عام الجامعة العربية. فكلما قال ما يحتج به على الظلم, وجدناه سخيفا. ولعل صمته يكون انجح. وبين قوسين السطور الاخيرة ليست كلاما في السياسة, فأنا لا أتكلم في السياسة, كما وعدتك يا عزيزي القارىء, مرات ومرات ومنذ زمن طويل.