لقد سئمنا الفلسفة.. نتوق الآن في ايران الى بعض روايات الحب الجيدة) . هكذا بدأت غولي إمامي بائعة الكتب الايرانية حديثها بابتسامة أشرق بها وجهها الجميل ذو الملامح الأبية التي لا يخفيها الحجاب الأسود (أو الشادور)الذي ترتديه (منذ تسعة عشر عاماً) كما يخفي شعرها الذي غزاه المشيب . على مدى السنوات التسع والعشرين الماضية لم تمتهن إمامي (ذات الاربعة والخمسين ربيعاً) مهنة أخرى سوى بيع الكتب. وهي تملك مكتبة منذ أربعة عشر عاما تسمى (زمينة) (أي الحقل), على اعتبار ان عالم الكتب والقراءة (إنما هو حقل خصب نحرث فيه بذور المعرفة) حسب تعبير صاحبة المتجر نفسها. ويتوافد الزبائن بشكل شبه متواصل طوال اليوم على المكتبة القابعة في زاوية شارع ضيق من شوارع العاصمة الايرانية طهران, وعن ذلك تستطرد إمامي في حديثها المفعم بتعبيرات الوجه والرأس العنيفة قائلة (الزبائن الذين يأتون الى هنا لشراء الكتب نادرا ما يكونون من العابرين بالصدفة. قبل الثورة (الاسلامية) كان يوجد بنك في هذا المكان, وكنت اسكن انا وزوجي في الجهة المقابلة.. وحين وجدنا المكان شاغراً, قررنا استئجاره على الفور. كنا قد درسنا في الخارج سويا .. وكان بإمكاننا ان نترك ايران الى الأبد. لكننا قررنا أن نبقى في بلدنا وأن نغير مهنتنا) . في فترة حكم الشاه (رضا بهلوي) وقبل أن تندلع الثورة الاسلامية التي أدارها من منفاه في فرنسا آية الله الخميني عام 1979, كانت غولي إمامي تعمل مديرة للمكتبة الملحقة بكلية الفنون الجميلة في جامعة طهران. وكان زوجها يشغل منصباً رفيعاً في التلفزيون الرسمي آنذاك. ومع وقوع الثورة وتغير الاوضاع, كان على الزوجين ان يبدآ من جديد. تقول إمامي وما زالت ابتسامة شاحبة تعلو وجهها (قررنا وقتها ان نفتح دارا للنشر. والحقيقة ان ميولي كانت دائماً ــ وما زالت ــ مع العمل في مجال الترجمة, خاصة ترجمة الروايات (وأجملها روايات الحب), لكنني توقفت عن الترجمة منذ خمس سنوات.. اذ حطمت الرقابة كل كبريائي كمترجمة) . دائماً ما كان الرقيب (الايراني) يحذف من ترجمات الروايات كل ما يتعلق بقبلات او لقاءات عاطفية او عناق بين حبيبين, بل ولا يتردد لحظة في حذف أي وصف للقاء عاطفي تقليدي. فمن غير المسموح مثلاً للمؤلف (أو المترجم) ان يصف كيف ان البطلة القت رأسها على كتف حبيبها المشتاق.. او ما شابه ذلك من عبارات يقوم عليها بناء أي رواية حب. ولا يهم في ذلك ان يكون مؤلف القصة الروائي الكولومبي البارز جابرييل جارسيا ماركيز الحاصل على جائزة نوبل في الآداب, أو أن يكون أي اسم آخر من كبار الكتاب العالميين او الايرانيين, بل ان سلطات الرقابة الايرانية كانت تتعمد ان تنشر العديد من الكتب (المترجمة) التي تحوي صفحات بيضاء خالية من اي طباعة, كتعبير صريح عن منع نشر اي نص يتعارض مع المبادىء التي حددتها هذه السلطات. لكن يبدو ان تغيرا ما قد طرأ على لوائح الرقابة في ايران مؤخراً, وهو ما توضحه إمامي قائلة (لقد عدت لمزاولة هواية الترجمة منذ أشهر معدودة, بعدما لاحظت ان الرقيب اصبح اكثر تسامحاً ومرونة هذه الأيام, لكن هل سيستمر هذا الوضع الجديد ام يعود كل شيء الى ما كان عليه؟ فهذا ما ستكشفه الأيام المقبلة) . ولأنها تتسم بصلابة وعناد واضحين, فلم يكن من الغريب ان تختار إمامي ان تعود الى عالم الترجمة برسالة غرامية يفترض انها كانت موجهة الى القديس الكاثوليكي أوجستين, وقد كتبها ــ من وحي الخيال بالطبع ــ الروائي الدنماركي المعروف أوجستين جاردير الذي نالت روايته الفلسفية (عالم صوفي) لقب أكثر الكتب مبيعاً على مستوى العالم في العام 1995. وتنتظر غولي إمامي موقف الرقابة من ترجمتها الأخيرة, وإن كانت تتوقع أن تنشر الرسالة الغرامية المترجمة دون تدخل عنيف من مقص الرقيب هذه المرة, وتبني إمامي توقعاتها المتفائلة هذه على شخص الرئيس الايراني الجديد محمد خاتمي الذي انتخب في مايو 1997 حاملا لواء الاعتدال والتسامح في كل توجهاته وسياساته الداخلية والخارجية. وبالمثل, اظهر وزير الثقافة الجديد سيد مهاجراني بوادر طيبة في مجال تخفيف القيود المفروضة على الصحف والسينما, وربما على نشر الكتب أيضاً. تقول إمامي (المهم ان نرى كيف ستتطور الامور.. وعلى كل حال, فإن الكتب الأكثر مبيعاً حالياً في ايران ليست روايات الحب.. وانما كتب عن أنماط الحياة تتناول موضوعات مثل التمرينات الرياضية والحميات الغذائية ووصفات الطهي, وكذلك العلاقة بين الزوجين وكيفية تجنب المشكلات الزوجية. والحقيقة ان فنون الطهي وأساليب تناول الطعام هي واحدة من الموضوعات (غير الدينية) المسموح بالكتابة فيها وتداولها بحرية في إيران.. كما أن الكتب المرتبطة بها تعد الأفضل من حيث أرقام المبيعات) . تتوقف إمامي عن الحديث لبرهة ثم تستدير نحو أحد الرفوف خلفها, وتلتقط احد الكتب قائلة (هذا الكتاب الذي وضعه جون جراي عن العلاقة الزوجية وطرق الحفاظ على السعادة بين الزوجين يعد من أكثر الكتب التي تحظى بإقبال القراء في ايران. أما الفئة الثانية من الكتب التي تحقق رواجاً في هذا البلد, فتلك التي تتناول الرياضات الروحية مثل اليوجا.. وكذلك المؤلفات الخاصة بالجمال والماكياج وأساليب الحفاظ على نضارة الوجه والجسم.. كلها موضوعات رائجة في إيران. وعلى سبيل المثال فإن احد اكثر الكتب الحديثة رواجاً, كتاب يشرح كيف يمكن للشخص ان يقوم بعملية شد جلد الوجه دون الحاجة الى جراحة تجميل) . لكن السؤال: هل تعكس عادات القراءة هذه نوعاً من التغير في طريقة تفكير المجتمع الايراني؟ ربما تبدو الاجابة عن هذا التساؤل سابقة لأوانها.. لكن إمامي وزوجها يبدوان شديدي التفاؤل في هذا الصدد. الجدير بالمعرفة ان غولي إمامي نفسها تعد احدى ابرز المؤلفات الايرانيات, وتأتي كتبها في مقدمة الكتب الأكثر مبيعاً في ايران. والفضل في ذلك لكتاب نشرته في فن الطهي حقق نجاحاً كبيراً في بداية الثمانينات. وعن هذا الكتاب تقول مؤلفته (كان ذلك بعد فترة وجيزة من وقوع الثورة الاسلامية, وكنا نملك وقتها دارا للنشر تحمل نفس اسم مكتبتي حالياً (زمينة) .. ونشرت حينها كتابا من تأليفي عن الوجبات النباتية. وقد حقق الكتاب نجاحا غير مألوف بالنسبة الى المؤلفات غير الدينية في بلد كإيران) . ولم يكن ذلك نهاية القصة بالنسبة إلى إمامي وإنما بداية قصة تألق في مجال النشر, اذ كانت جميع الكتب الصادرة عن دار زمينة تنفد طبعاتها بمجرد ظهورها في الأسواق. وتتذكر إمامي تلك الفترة مستطردة (حققنا انتشاراً كبيراً.. ومن بين أكثر المطبوعات التي حققت رواجا غير مسبوق, كتاب مصور يضم العشرات من الصور الفوتوغرافية التي التقطت للناس العاديين وللنساء وحشود الجماهير مع بداية الثورة الإسلامية. لقد نفدت نسخ هذا الكتاب في فترة زمنية قصيرة جداً, ولم يعاد طبعه مرة اخرى بكل أسف) . لكن الأوضاع تغيرت بعد ذلك بقليل, وأصبحت الأمور اكثر صعوبة بالنسبة الى إمامي وزوجها وغيرهما من الناشرين في إيران, وعن هذه المرحلة توضح إمامي (تأسست آنذاك وزارة الارشاد (التوجيه الاسلامي كما تسمى أحياناً), وبات كل مؤلف او ناشر مجبرا للحصول على تصريح منها قبل الشروع في اصدار أي مؤلف. وحينئذ, قررت وزوجي ان نغلق دار النشر وان نحولها الى مكتبة عادية لبيع الكتب والمجلات) . ووفقاً لبعض الاحصائيات الحديثة, فإن الكتب الأجنبية والمترجمة تشكل نحو خمسة وستين في المائة من اجمالي عدد الكتب الموجودة في السوق الايرانية. والملفت للانتباه ان بعض الروايات الأجنبية (مثل روايات جارسيا ماركيز) قد ترجمت الى اللغة الفارسية (حتى قبل ان تترجم الى الانجليزية) كما تؤكد إمامي. ويوجد في ايران حالياً حوالي خمسمائة ناشر, من بينهم 142 سيدة ناشرة, وتزعم إمامي انها على دراية لا تقل عن نظرائها في نيويورك وباريس بكل الأعمال والكتب الصادرة حديثاً. فتقول مبتسمة (إنني اقرأ وأقرأ ثم أقرأ.. لا أملّ من القراءة والمطالعة. ليس فقط الروايات, وإنما اتابع العديد من المجلات والمؤلفات العالمية. كما أتحدث دائماً الى الموزعين, واحرص على متابعة كل ما يدور في عالم الكتب والنشر. واستطيع ان أؤكد لك أنك قد تجد هنا في طهران كتاباً أمريكياً ترجم الى الفارسية بعد أقل من ستة اشهر من صدوره في الولايات المتحدة الامريكية) . أما أكثر المؤلفين العالميين استقطاباً للقراء الايرانيين, فهم غالباً من أمريكا الجنوبية.. مثل جارسيا ماركيز والمؤلفة التشيلية ايزابيل اليندي, والكاتب المكسيكي كارلوس فيونتيس. وتحاول إمامي تفسير هذه الظاهرة بقولها (إن الواقعية السحرية التي يتمتع بها كتاب أمريكا اللاتينية تعجب كثيراً ذوق القارىء الايراني. فنحن نميل كشعب الى التحليق في عالم التحولات العجيب الذي دائماً ما تختفي فيه الحقيقة داخل شرنقة الاحلام, والذي دائماً ما تكون فيه الأحلام حقيقية وواقعية) . لكن شغف القارىء الايراني بالمؤلفات الأجنبية لا يمنع ان هناك العديد من الكتاب الايرانيين الناجحين جداً. ومن بين هؤلاء: غولي تناغي, والروائي اسماعيل فسيحة الذي يقترب في أسلوبه كثيرا من مدرسة هيمنجواي, ومحمود دولت عبادي الذي اجتذبت ملحمة ألفها في عشرة اجزاء العديد من القراء في إيران. وتختتم الكاتبة والناشرة (وبائعة الكتب حالياً) غولي إمامي حديثها معي مستدركة (لكن الفرق الكبير هنا يتمثل في حقيقة انه في ايران لا تتجاوز النسخ المطبوعة من اي مؤلف أو كتاب خمسة آلاف نسخة. اي أن معدل القراءة إجمالاً ضئيل في هذا البلد. ولا أدل على ذلك من أن زبائني هم غالباً نفس الأشخاص.. رأيت العديدين منهم يكبرون.. ولذا فإنه ما ان يدخل أحدهم مكتبتي حتى أعرف طلبه على الفور, وأعرف أي الكتب أو الروايات سينتقي ويعود بها إلى بيته من زمينة) . طهران ــ فرانشيسكا بييرانتوزي