ما الذي أفرزه الشعر السوري الجديد في التسعينات؟ هل ثمة ملامح مختلفة عما قدمته الأجيال السابقة , وهل ثمة خصوصية للأصوات الجديدة بعد ان تبعثر الشعر الى أكثر من شاطىء وسط تعدد أنواع التلقي واختفت المنابر التي تحتفي بهؤلاء الشعراء ــ صدرت منذ سنوات مجلة (ألف) للكتابة الجديدة وتعثرت بعد سنتين من صدورها, لكن العودة اليها, تشي بزلزال ما او لنقل مخاض مختلف عما ألفته القصيدة السورية ــ قصيدة النثر بالطبع ــ من خلال النماذج التي قدمتها عبر رؤى شعرية مفتوحة بالدرجة الأولى على التجريب والمغامرة في تشظي النص الى اقصاه يقول الشاعر والناقد علي سفر في توصيف تجارب التسعينات:(الملمح الأساسي لقصيدة التسعينات هو احتفالها بالفراغ والخراب وبالهشيم, انها تستعير ذلك الأفق الذي انتشر بين اللحظات الأكثر مأساوية في تاريخ الحضارة الحديث وتحديداً تلك اللحظات التي كانت تباح فيها الحياة لاعدائها ولدعاة الموت والعدم. في هذه القصيدة ثمة تجارب موائمة للمنجز الهامشي واستبعاد للسلطة, واذا حدقنا في الشكل فان التهشيم المدرك والتحطيم المفتعل هو العنوان الأكثر صراحة للتعبير عن الملمح الثاني للتجربة حيث ليس ثمة اعتبار للشكل الا فيما يتيحه وهو مسجى على طاولة الحالة والرغبة واذا كان في هذا التوصيف نوعاً من التهويم فإنه يشكل رؤية الشعراء الشباب ففي ندوة عن الشعر الجديد في سوريا بدأت اجابات الشعراء أهم من تجاربهم ذاتها على صعيد تنظيري بحت. خلال هذا العام, صدرت عشرات المجموعات الشعرية لشعراء شباب, ننتخب منها هنا ثلاث مجموعات ربما كانت تمثل في مناخاتها واقع المشهد الشعري الجديد في سوريا: (طواف الآفل) لعابد اسماعيل تلامس قصائد عابد اسماعيل بقدمين حافيتين, عشب الروح دون الاتكاء على فائض البلاغة, نحو نص يومىء أكثر مما يقول. نص يذهب الى مقاصده دون وجل أو ارتباكات أو رطانة واذ يخضع نصه الى مختبر شعري ذي حساسية عالية فإنه يخلص قصيدته من شوائب التجربة الاولى والتمارين المرتبكة. وما يلفت في تجربته هذا النسيج المشغول بنول دقيق, يضع اللون في مكانه على القماشة البيضاء بعناية, مبتعداً قدر الامكان عن الانفعال العاطفي البراني باتجاه بوح داخلي تأملي ناتج عن عين مراقبة ومخزون لغوي معرفي ثري بالايماءات والاحالات التي تعزز الايقاع غير المرئي للقصيدة. وبقول آخر فإن هذه القصائد المكتوبة على مدى ست سنوات في شوارع أمريكا وصمتها وضجيجها الحاد في أذن الغريب العابر, هي اختزال حالة الصلصال الى خزف ونظرة رعوية للطبيعة والبشر وقلق كبير مما يجري من حوله: تحت سقف واطىء في المدينة الواطئة ما زال الرجل المؤلف من طاولة وكرسي وليل ينزف كمرآة مهشمة وفي قصيدة اخرى يقول: (ليل من الداخل, لا يبدو ابيض, يسمح للهدوء بالاهتزاز بمحاذاة كأس تتهشم حرب سقطت فريسة للنسيان, مع ان الروح كانت تتنزه تحت سحابة تحترق) . (كما لو أنك ميت) للقمان ديركي من ضفة أخرى يطل لقمان ديركي عبر قصائد تبدو أشبه بالمذكرات اليومية عن حياة معطلة تعتريها العادة والخسارات المتلاحقة لأنها عارية الا من هواجسها الصغيرة معتنياً بالتفاصيل المهملة كما لو أنه يخرج من سلة النهار ما هو مبذول في محاولة لاعادة الاعتبار اليه واضفاء نوع من الحيوية الى اجزائه المشتته ولعل في عنوان مجموعته هذه (كما لو أنك ميت) افضل توصيف لمناخاته, حيث لا هواء يجدد الظلام في هذا السرداب الطويل من الألم والعزلة والهباء: لا تفعل شيئاً من أجلي فأنا مجرد شخصي منسي وموحش مثل وردة في مزهرية جف عليها الماء مثل خشب في باب بيت مهجور مثل ريح تهب وحيدة في صحراء الى ذلك, يلغي لقمان في قصائده هذه جدوى البلاغة ملامساً اليومي في أشد لحظاته عادية فهو أعزل وهش مثل أي رجل صغير لا يريد سوى حنان عابر وعاطفة تحيل دماره الى طمأنينة فالحب لديه يفتقد الى الفروسية التي لازمت الشعر العربي وكل ما يرتجيه التوحد مع الآخرين كيلا يقع في بئر النسيان والاهمال فأيامه متشابهة وأشجاره صفراء ورسائله لا تصل ابداً: روحي رقيقة وهشة لا تحتمل اخطاء هذا الجسد ولا فظاظة الآخرين لو أموت... فأرتاح ولكن روحي ستئن تحت وطأة أرواح الآخرين (أقليات الرغبة) لأكرم قطريب لدى أكرم قطريب هواجس اخرى مختلفة تذهب الى انشغالات لغويةفي المقام الأول محاولاً تشذيب جملته من فائض الكلام العابر والنافل, نحو صورة شعرية كثيفة تبغي التأكيد على مسلمات جديدة ونافرة في المشهد, رغم انه يحرث في حقل شعري متداول, لكنه لتأكيد فرادته, يلجأ الى خلق مناخات لأمكنة ومدن وأشخاص في تلق خاص للحظة غير مكررة تمتلك دهشتها القصوى وتشكيلاتها التي تشي بتجربة تجاوزت مخاضاتها الاولى, وخصوصية قصيدة اكرم قطريب تتجلى في استنفاره لقاموس لغوي يرى في المفردة قدرة أساسية للسمو باللحظة الشعرية ولكن على حساب الالهام: هل نحترس بالمجازفة من حشود الألم المتراصة في نور زنجي؟ نحن برسم دهاء يقتل شرف الاعضاء (برذيلة بنفسج) وأيضاً: (أباركك: البغال تجر حزني ــ كله ــ وأنا في أقصى الطيور أرى سماكة موتي على الأرض !!