ما زال الغلو في الحب والبغض سبباً في كثير من الفتن والمحن التي تصيب الأمم في دينها ودنياها . والغلو هي الكلمة التي اصطلح عليها سلف هذه الأمة الأخيار من علماء لغتها ودينها وفقهائها, وهي البديل الأسلم والأحكم لغة واصطلاحاً وفقها وشرعا لكلمة التطرف التي انتشرت في عصرنا هذا تلك الكلمة الدخيلة في معناها المنقولة حرفياً عن غير العربية ومراد غير العرب ومقاصدهم الخفية التي أرادت الصاق تلك الكلمة التهمة بالاسلام واهله مطلقاً حتى كادت ان تكون سمة لكل اسلامي ملتزم بغير تمييز شرعي أو ضابط يفرق بين الالتزام والتطرف. ذلك هو التطرف الذي أراده غير اهل الاسلام لكي يصفوا به المسلمين كلما التزموا بدينهم؟ اما الغلو الذي أراده فقهاء الأمة ليفرقوا فيه بين الالتزام الصحيح من المخالف فهو داء من أدواء الأمة دخل على أهلها منذ زمن ليس بالقصير فولد فيها طوائف وشيعاً وأحزاباً وجماعات أوقعها في الخطأ وشذ بها عن سبيل الرشاد وجماعة المسلمين وهو مغالاتها في المولاة لفكرة او جماعة او شخص ما أو في بعض كل ذلك. وقد كان نتيجة ذلك الغلو البغيض في الأمة الاسلامية ان ولد فيها طوائف زائفة عن طريق الاسلام الصحيح كالقرامطة والخوارج والرافضة وغيرها. ومن ذلك الغلو الفاسد في الحب للاسلام وفضائله او ادعاء ذلك, دعوى الشعوبية التي ظهرت عند غير العرب من المسلمين الذين دخلوا في الاسلام فأخذوا يحطون من العنصر العربي الذي هو مادة الاسلام ويصفونه بأحط الأخلاق وأقذرها وأقبحها ويشيعون ان الاسلام ما جاء الى العرب لأنهم أمة فيها بذرة خير وأخلاق كريمة فاضلة يصلح من تكون فيه ان يكون حاملاً لدعوة الاسلام بل أخذوا يروجون ان الاسلام جاء الى العرب خاصة لأنهم أسوأ الأمم أخلاقاً وأبعدهم عن الانسانية والرحمة والاخلاق السوية. ولقد تنبه لهذه الدعاوى الشعوبية في حينها كثير من علماء الاسلام, وقد كان لذلك الغلو في محاولة الحط من العرب واخلاقهم وسماتهم قبل الاسلام سببان أولهما عصبية بعض غير العرب ممن دخل الاسلام من الامم الاخرى التي ارادت هدم الاسلام من داخله بتحقير عنصر العرب الذي حمل اليهم الاسلام وهدم حضاراتهم الكافرة البائدة. وهذا سبب لعله تلاشى او اندحر بمرور القرون والأيام أو بزوال الدولة العربية الاسلامية العظيمة الواحدة وتفرقها دولاً صغيرة, والسبب الثاني والذي ما زال منه شيء في نفوس وصدور بعض خطباء المسلمين عربا وغير عرب وهو ظن بعض المسلمين ان الحط من العرب في الجاهلية يعد قربة عند الخالق وخدمة عظيمة جليلة للاسلام وعبادة يتقرب بها الى المولى سبحانه وتعالى. ولو اطلع اولئك الموهومون على ارث العرب الباقي من أشعارهم او بعضها لوجدوا فيها أخلاقاً كريمة هي تلك التي جاء ليتممها الاسلام على يد نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام, وتكفيك قصيدة واحدة كتلك التي قالها كريم العرب الشهير حاتم الطائي يرد بها على زوجته ماوية التي راحت تعذله على كرمه فأجابها بأبيات تجمل أخلاق العرب السامية قبل الاسلام. من كرم وزهد في المال وحب للذكر الطيب وايمان بأن المال لا يدفع عن الانسان وقوع المنية, واجارة للعائذ وفك للعاني وكره لاضاعة المال في الخمر والميسر وصلة الرحم وعدم الكبر على القرابة والحفاظ على عرض الجار. فمن الكرم قوله: أماويُّ إن المال غاد ورائح ويبقى من المال الاحاديث والذكر أماويُّ إني لا أقول لسائل إذا جاء يوماً حل في مالنا نزْرُ ومن الزهد في حب المال قوله: أماويُّ ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت نفس وضاق بها الصدر ومن قوله في إجارة الطريد العائذ: أماويُّ إني رب واحد أمّه أجرتُ فلا قتل عليه ولا أسرُ ومن قوله في فك العاني وكراهة ان يضيع في الخمر والميسر: وإنّـي لا آلو بمال ضيعة فأوّله زادٌ وآخره ذخر يفك به العاني ويؤكل طيباً وما إن تعرّيه القداح ولا الخمر ومن قوله في صلة الرحم وعدم الكبر على ذوي القربى: ولا أظلم ابن العم إن كان اخوتي شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر كسينا صروف الدهر لينا وغلظة وكلاً سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا بأواً على ذي قرابة غنانا ولا أزرى باحسابنا الفقر ومن قوله في حفظ عرض الجار قوله وما ضر جاراً يا ابنة القوم فاعلمي يحاورني الا يكون له ستر بعيْنيّ عن جارات قومي غفلة وفي السمع مني حديثهم وقر هذه هي أخلاق العرب الكريمة التي جاء الرسول الكريم وبعث ليزيدها تماماً فمن كانت له هذه الأخلاق من الأمم حري بأن يؤهل لحمل دعوة عظيمة كالاسلام فمتى يكف بعض خطباء المنابر عن التقرب الى الخالق بسبب العرب الذين هذه اخلاقهم.