كتب عثمان العمير رئيس تحرير جريدة الشرق الاوسط السابق,مقالا الثلاثاء الماضي يودع فيه كرسي رئاسة التحرير بعد احدى عشرة سنة,عنونه بــ(يقال..او يستقيل رئيس التحرير, ما الخبر؟) جاء في مقاله(ان المرء عندما يرى الصحافة العربية وهي تدخل عنق الزجاجة نحو القرن الواحد والعشرين يتطلع ان يكون لها مستقبل قادر على البقاء, واهم ما يمكن ان يجعل للصحافة هيبة وقيمة ومنزلة لدى القارىء هو تمسكها بقيمها ومبادئها المتمثلة بالحرية, حرية الرأي وحرية التفكير وحرية السير في طريق من دون اعتراض طرف آخر) . وقبل يومين نشرت البيان حوارا مع رئيس مجلس ادارة شركة اعمار, اثار هذا الحوار القراء, فجاءت هواتف بعضهم ومنذ صباح يوم النشر تحمل الثناء وتطالب بالمزيد, وشخصيا لم اكن اتوقع ان يكون هناك قارىء مهما كان اهتمامه بالموضوع المثار يملك ان يقرأ حوارا على صفحة كاملة في الصباح الباكر. على مدار يومين نسمع عن صدى الحوار عند الناس, والتفاعل الذي اثاره الحوار ليس لانه يدور عن عالم الاسهم التي هي اليوم شاغل الناس, وعن اعمار التي تتصدر حركة السوق, وليس لان الحوار مع الرجل الاول, الرئيس الذي يدير هذه الشركة. انما لان الحوار جاء بسيطا خاليا من الحشو اللفظي, ولانه حمل ما يدور في الشارع من استفسارات وشائعات, لان فيه مصارحة, ولان الضيف محمد العبار تجاوب وتفاعل في الحوار. هذه المسحة من الحرية في الطرح هي التي خلقت التفاعل عند القارىء وهي التي يبحث عنها في اي عمل اعلامي. فالقارىء شبع واصابه الملل من الحوارات الانشائية والتصريحات الجاهزة المطبوخة في اقسام العلاقات العامة والاعلام, وتكرار تقديم المعلب الجاهز من اخبار ينفع في تلميع المؤسسة او شخص المسؤول فيها بعض الوقت, ولكن بالتأكيد ان ضرره اكبر على المدى البعيد. فعندما يطالع القارىء على لسان هذا المسؤول, ان مؤسسته التي هي وزارة او دائرة او غيرها من الهيئات الخدمية, قطعت شوطا كبيرا في خدمة الجمهور والتسهيل عليهم, وان المعاملات تنجز في دقائق بعد ان كانت تأخذ عدة ساعات وايام, وان طوابير المراجعين لم يعد لها وجود, وان.. وان.. ويحضر هذا المراجع لهذه المؤسسة ويعاني من روتينها, ويجد ان التصريح الذي قرأه على لسان المسؤول ليس سوى (كلام جرايد) فماذا سيكون شعوره وموقفه؟ سيزداد سخطه من هذا (التلوين) الذي يمارسه المسؤول, وسيكذب كل خبر يصدر عنه بعد ذلك في اية مناسبة وفي اي موضوع. وسيفقد ثقته في الصحافة, ولا يعلم ان الصحافة تعاني من هذا الخنق, وهذه الاخبار والتصاريح المعلبة, فلم تعد ساحة الحركة والبحث مفتوحة امام الصحفي كما كانت قبل سنوات ــ آية معكوسة ان يكون الماضي افضل حالا من الحاضر ــ فكثير من المسؤولين اغلقوا ابوابهم وافواههم عن الحديث للصحافة, ومنعوا اي موظف من الكلام للاعلام حتى لو كان في مجال تخصصه, وطالبوا الصحفي بالنظام والالتزام والحصول على المخصص له من البوابة الرسمية التي هي قسم العلاقات, وطالبوه من اجل راحته وراحتهم بالجلوس في مكتبه, وتكفلهم بارسال المطلوب نشره عبر الفاكس او مع سائق المؤسسة في نهاية اليوم. واصبحوا هم الذين يقيمون مؤسساتهم ويكيلون المديح لاعمالهم! اما لو خالف الصحفي التعليمات ونشر خبرا صحيحا يهم الناس لكنه غير ممهور بختم العلاقات العامة, او ادار حوارا مع المراجعين المصطفين امام شباك المعاملات او كتب تعليقا, او انتقد امرا ما, فماذا سيحدث؟ ردة الفعل هي ان الدنيا ستقلب على هذا الصحفي المتمرد بين التهديد ومعاملته كضيف غير مرغوب فيه, وبين الطلب رسميا من ادارة الجريدة استبداله, وارسال صحفي آخر! امام هذا الانغلاق الذي تمارسه العديد من الجهات اليوم, سنجد ان هامش حرية التحاور والتقييم وطرح المشكلات والبحث عن حلول لها, وعرض الايجابيات دون مبالغة, قد ضاق كثيرا. سيفقد القارىء الذي نكتب ونعمل جميعا من اجله, ثقته في المسؤول, وفي الجريدة. وستفقد الصحافة دورها.