كأن ذهب الدنيا كان يتألق وهجاً في الأفق, فيما الشهب تمضي, في كبرياء ملكة نبيلة تعتلي عربة من نار, راحلة نحو اقصى الغرب , عندما رفع صاحبنا كفه ليظلل عينيه, حاجباً دفق الضياء الذهبي عنهما, وهو يتقلقل في مقعده الأمامي بسيارة الجيب العسكرية الروسية العتيدة, التي مضت تنهب به الطريق الممتد بلا انتهاء نهباً, وصولاً الى هدفها الضائع وسط صحراء لا تعرف الانتهاء. لم يكن ضوء الشمس الساطع وحده هو سبب ضيقه وعبوسه اللذين ارتسما بوضوح على ملامحه, وإنما كان الامر في جوهره يرجع الى ما سمعه قبل قليل في قيادة لواء صواريخ الدفاع الجوي الذي كان يخدم في صفوفه, قبل ربع قرن من الزمان, اي قبيل حرب اكتوبر التي نوشك على الاحتفال بيوبيلها الفضي, فقد علم ان قائد الكتيبة التي ينطلق للخدمة في صفوفها ليس الا الرائد غ. لا غيره, هو نفسه, بشحمه ولحمه, ولا احد سواه. لم يعجبه الامر قط, وتوقع ان يمر بسيناريو كابوسي خلال خدمته في الكتيبة هذه, التي لم يكن يعرف موقعها ولا مكانها على خريطة الدنيا ولا من يخدم فيها, فكفى ازعاجاً ان يكون قائدها الرائد غ! كان يعرف الرائد غ. مما سمعه عنه من طرائف تروى من جانب أصدقاء له في ادارة شؤون ضباط الاحتياط, وعلى الرغم من انه يمقت اصدار احكام مسبقة على الناس ويرى في ذلك ظلماً بيناً وابتعاداً حقيقياً عن الانصاف, الا انه اعتقد انه امام نموذج نادر وتجسيد ــ طبق الاصل ــ للعقلية العسكرية العربية, التي ادت الى هزيمة 1967 المروعة, عقلية (رقبتي يا ريس!) عقلية الفهلوة التي تتصور أنها قادرة على ان تحل محل الدراسة العلمية, والتي تعتقد ان البراعة و(الفتاكة) هي الحل السحري لكل مشكلات الدنيا, وأن (التهويش) يمكن ان يحل محل التكتيك العسكري, وان خبطات المصادفة هي الاستراتيجية في أرفع تقاليدها العسكرية!. وعندما وصل الى قيادة الكتيبة, وترجل من الجيب العسكرية الغارقة في الغبار, ودلف الى دشمة الصواريخ الرئيسية, وجد نفسه أمام تحقيق حرفي لأسوأ كوابيسه, فالأمر لا يقف عند التناقض الكلي بين عقليته وعقلية الرائد غ. وانما حتى الكيمياء الشخصية بينهما كانت كل معادلاتها بالتنافر. انتهى اللقاء بينهما بالنتيجة المتوقعة, فقد مضى صاحبنا الى مقر قيادة سرية الرشاشات الخفيفة التي سيقود احد مواقعها, كملازم احتياط يستهل المراحل الاولى من خدمته, وهو يتساءل عن الكيفية السحرية التي استطاع بها الرائد غ. النجاح في امتحانات دورة قيادة كتائب الصواريخ مما كفل له موقعه الحالي, فقد بدا له الرجل, من حيث المظهر على الأقل, جديراً بقيادة مخزن للمهمات في موقع اداري من الدرجة العاشرة, وليس قيادة كتيبة صواريخ مقاتلة , تعمل وفق طراز تقني معقد ومتقدم معاً. وبالمقابل مضى الرائد غريب يضرب كفاً بكف, وهو يتساءل لماذا تلقي ادارة شؤون الضباط اليه بمثل هؤلاء الضباط الاحتياط الذين سيزعجونه بأسئلتهم واستفساراتهم التي لا تنتهي عن أساليب القتال الحديثة وعدم ملاءمة تجهيزات المواقع لأحدث تطوراتها وانتهى من هذا كله بتساؤل غاضب:(هو احنا ناقصين وجع دماغ يا جدعان؟!) . باختصار شديد, كان هذا اللقاء الاول تجسيداً حيا لكل اللقاءات بين الرجلين بعد ذلك, لكن من حسن حظهما معاً ان صاحبنا الضابط الشاب كان عليه ان يخدم في موقع صدام عناصر الدفاع الجوي الخفيفة عن الكتيبة مع العدو, وهو تقليدياً أبعد المواقع عن مقر قيادتها, الامر الذي اوجد نوعاً من المنطقة الفاصلة بينهما, ولقي نوعاً من الارتياح الخفي في نفس كل منهما. كان صاحبنا قد سمع عدداً من الطرائف المتعلقة بالرائد غريب, فهو ضابط غير تقليدي بالمرة, يمكن ان تصفه بأنه معلم, ابن بلد, جدع, في ثياب رائد في الجيش, والى هنا والأمر لا غبار عليه, ولكن المشكلة ان الرائد غ. مضى بمفهومه عن (المعلمة) الى أرض الفهلوة والفتاكة والحداقة واللعب بالثلاث ورقات! ولا شك في أن هذا النوع من الشخصيات يلقى حماس الكثيرين, ويتوج بالفوز في الكثير من المواجهات, ولكن بشرط ألا يكون في موقع عمل وانتاج حقيقي, فما بالك بكتيبة صواريخ في موقع متقدم على الجبهة؟ حقاً ان الرائد غ. كان يتمتع بشعبية في صفوف الجنود, وبحماس بين الضباط العاملين بشكل خاص, لكن قدراً ليس باليسير من الانزعاج كان يميز موقف الضباط الفنيين والاحتياط في الكتيبة منه, فالفهلوة ــ في نهاية المطاف ــ لن تحل مشكلات في وحدات الالكترونيات, ولن تعالج اعطالاً فنية في وحدات القذائف, على سبيل المثال. ولن يمر وقت طويل على توجه صاحبنا الضابط الشاب الى كتيبة الصواريخ قبل ان تحدث حكاية لها العجب, تجسد الطابع شديد الخصوصية والغرابة معاً لشخصية الرائد غ. فجأة, ومن دون مقدمات, تعطلت السيارة والمقطورة العملاقة التي تجلب المياه للكتيبة, التي كانت في موقع جبلي شاهق يصعب الى حد الاستحالة الوصول اليه, الا بنوعيات خاصة من السيارات ذات المحركات الروسية القوية, وغمرت الكتيبة موجة موجعة من العطش الحارق والجفاف القاتل. كان يمكن لكتيبة مقاتلة شديدة البأس ان تحتمل يوماً وآخر بل وأياماً, لكن المسألة امتدت, ربما بأطول مما ينبغي, وبأقسى مما هو معقول, ولم يفلح في علاج الامر جلب مقادير من المياه بمقطورات الطوارىء الصغيرة. بدأت الشكوى من مطابخ الكتيبة, وامتدت ــ كالنار ــ الى باقي وحداتها الادارية, وسرت ببطء الى الوحدات الفرعية المقاتلة, وتململ في البداية الجنود المترفون ثم الاكثر خشونة, وتوج بذقون الضباط الطويلة والعطش في عيونهم قبل افواههم, في طابور الاحتلال الصباحي الذي يسبق أول ضوء في كل صباح. ما العمل اذن؟ الرائد غ. وجد الحل السحري للمشكلة بطريقته الخاصة, التي تحولت الى الحكاية الغريبة والعجيبة, التي حملت اسمه ومضى الكثيرون يحكونها بعد سنوات طويلة, وها نحن نستعيدها بعد ربع قرن من الزمان على فصولها المضحكة والفاجعة معا. مد الرائد غ. يده, بأناقة ورشاقة وخفة, الى هاتف غرفة عمليات الكتيبة, وهو يتبرم من نائبه الذي لايستطيع حل مثل هذه المشكلات (التافهة) حسب تعبيره, ويحيلها اليه هو, بينما يرى انه لاينبغي الا ان يعالج عظائم الامور, واتصل بقيادة اللواء مبلغا ــ رسميا ــ ان (الكتيبة اعطال) . ذهل جميع افراد طاقم العمليات, فهذا هو ــ بالضبط ــ الخط الاحمر الذي لاينبغي ان تعبره الكتيبة, الا والسكين على العنق, كما يقولون, لان هذا البلاغ سرعان ما يسجل على الخرائط بقيادة اللواء ثم قيادة الفرقة واخيرا يصل الى غرفة العمليات العتيدة في قيادة الدفاع الجوي. لم تنقض الا ثوان حتى دوى الهاتف حاملا اتصالا من قائد الفرقة, وتساؤلا واضحا قبل ابلاغ غرفة عمليات قيادة الدفاع الجوي, ولينطلق الحوار العجيب التالي بين الرائد غ وقائد الفرقة. ــ بلاغ الاعطال صحيح؟ ــ نعم صحيح, يا افندم! ــ والسبب؟ ــ عربية المية يا افندم! ــ بتقول ايه يا (حصاغ) (الاختصار العامي لكلمتي حضرة الصاغ)؟ مبلغ كتيبة صواريخ اعطال على عربية ميه؟! انت عايز تموت قيادة الدفاع من الضحك علينا؟! ــ يا افندم الكتيبة بقالها عشرة ايام من غير ميه والعربية مستحيل تصليحها ومفيش بديل من اي جهة اعمل ايه؟ ــ طيب, إلغوا بلاغ الاعطال والهليوكبتر ووراها عربية ميه جديدة هاتصلكم. هكذا, حل الرائد غ المشكلة بلمسة من عصا الفهلوة السحرية, فقد وصلت الهليوكبتر حاملة صهاريج المياه, واعقبتها سيارة مياه ومقطورة عملاقة, وهي تحمل امر الانضمام الدائم الى قوة الكتيبة, وصفق الكثير من الجنود, وهتف بعض الضباط ومضوا يكيلون المديح للرائد غ. لكن الضباط الفنيين وضباط الرشاشات, ومن بينهم صاحبنا الضابط الشاب, اشتد بهم الغضب المكتوم, الى حد اوشكوا معه على الموت قهرا, لقد حل الرائد غ. مشكلة المياه بالفهلوة حقا. ولكن بأي ثمن؟ بثمن رهيب يعرفونه, وهو ان الكتيبة المقاتلة شديدة البأس التي يعطونها عرقهم ودمهم ويخدمونها برموش عيونهم ستصبح موضع تندر الدفاع الجوي وربما الجيش كله باعتبارها الكتيبة التي ابلغت عن تعطلها عن الاستعداد للاشتباك بسبب نقص المياه. يومها مضى صاحبنا الضابط الشاب هابطا من موقعه الشاهق, ليمشي وحيدا في قاع الوادي البعيد, ريثما ينحسر عنه غضبه, وهو يلعن النسيج الذي افرز عقلية ترى في الفهلوة وحدها الحل السحري لكل المشكلات, وان التعامل العقلي والمنطقي المدروس مع الامور هو (وجع قلب ودوشة دماغ) . بقي ان تعرف ان هذه الكتيبة نفسها, تحت قيادة ضابط آخر, كانت من الكتائب التي لم تبلغ اعطال ابدا في حرب اكتوبر, حتى في اشد اوقات القتال ضراوة, وكلما تصور طيران العدو انه حطمها, وجدها تعاود اطلاق النيران بمزيد من الضراوة, لتشارك في صنع حائط النيران الشهير. بقي ان تعرف ايضا ان الرائد غ. قد احيل الى التقاعد, وهو في اول رتبة العقيد, اي في وقت مبكر بمعايير الدفاع الجوي, بناء على طلبه والحاحه, وعلى الفور تقريبا, تحول الى واحد من القطط السمان, التي شاركت في (هوجة) الانفتاح الاقتصادي في اسوأ مراحله.