استضاف اتحاد الكتاب وآدباء الامارات بأبوظبي مساء الاثنين الماضي, الباحثة السورية خولة الحديد في امسية ادبية تضمنت محاضرة حول الادب من منظور علم النفس ثم حوارا مفتوحا ونقاشا اسهم بدوره في اثراء الموضوع والتفاعل مع القضية المطروحة رغم اختلاف وجهات النظر والجدل الذي طال بعض النقاط التي تناولتها الباحثة . وقد بدأت المحاضرة في التعريف بالمفاهيم الاساسية لعلم النفس والادب الابداعي من منظور علم النفس ثم انتقلت الى مناقشة المسألة اللغوية لايضاح العلاقة بين الادب وادائة الرئيسية المتمثلة باللغة في اطار علم النفس اللغوي وهو احد فروع علم النفس الذي يحاول الاجابة على سؤال العلاقة بين اللغة وعلم النفس من خلال دراسة الكلام من منطق كونه وسيلة اتصال. وتحدثت الباحثة في اطار الادب وعلم النفس عن فرويد ومؤلفات دوستويفسكي مشيرة الى ان دراسة فرويد لمؤلفات دوستويفسكي دعته للقول لو اتيح لي الاطلاع المبكر على كتاباته لكنت تخيلت بعض مواضيع كتاباتي لان دوستويفسكي سبقني الى ذلك. وذكرت ان تحليل فرويد وهو ابو التحليل النفسي يدفعنا الى القول ان للادب قدرة كبيرة على الغوص في اعماق النفس الانسانية وصولا الى استخراج القواسم المشتركة بين البشر مشيرة الى ان فرويد نفسه واتباعه من العلماء فسروا الأدب انطلاقا من معارفهم وتخصصهم و انطلاقا من مبادىء المدرسة التي ينتمون اليها فتعددت التفسيرات بتعدد المدارس والمذاهب. وعن التفسير للأدب اشارت الى ان علم النفس الذي يعتبر دراسة للعلميات النفسية يمكن ان يدرس الادب لذلك يتوقع من البحث السيكولوجي ان يفسر لها طريقة العمل الادبي او يكشف لنا عن العوامل التي تجعل من الشخص اديبا. وان مجمل آراء علماء التحليل النفسي وعلى رأسهم فرويد واتباعه تقول ان الأدب تعويض تصعيدي عن غريزة مكبوتة. ورغم ان الباحثة لم تكن متميزة بجانب تحليلات فرويد هذه في بناء محاضرتها الا ان اتهام البعض لها بذلك اثناء النقاش جعلها تقول بانها من المؤيدين لآراء فرويد الذي لايزال يعتبر ابو التحليل النفسي ولم تدحض افكاره بشكل كبير رغم الانشقاق الذي حدث في مدرسته في التحليل النفسي في العقدين الآخيرين. وذكرت المحاضرة ان علم نفس اللاشعور يبين الخلق الفني او الادبي في جميع مظاهره ليس الا ظاهرة بيولوجية نفسية وتعويضا مصورا من الرغبات الغريزية الاساسية التي ظلت بلا ارتواء بسبب عقبات العالم الخارجي والداخلي والحرمان والألم اللذين ينشطان الموهبة وان الحرمان يزكي الخيال كما ان الارتواء يضعفه مشيرة الى ان فرويد قد غالى في ذلك حتى انه ليرد كل ما ابدعته الحضارة الانسانية الى الكبت الجنسي وان مدارس التحليل النفسي تنقسم على نفسها في حل مشكلة نظرية التصعيد حيث تيار آخر يقول: لايمكن ان تكون الحياة الجنسية هي السبب في تولد الابداع!؟ وانه مهما يكن الدور الذي تعلب الغريزة الجنسية في الانفعال فان هذا الدور عرضي لاجوهري وهذا يونج يؤكد ان ممارسة اي نشاط نفسي او انساني نابع من بواعث نفسية ويمكن على هذا الاساس بل ويجب ان يكون موضوع دراسات سيكولوجية ويأتي اداء ليبرز دور ارادة التفوق حيث يتحدث حول مركب النقص عند الانسان وقدرته على حمل ارادة التفوق التي تدفعه لتغطية هذا النقص فيكون مبدعا. وتطرقت الباحثة الى عامل الموهبة حيث لابد من توافر الموهبة فهناك اشخاص يعانون ما يعانيه الاديب من الحرمان ولكنهم لايعوضون ذلك بالخلق الادبي او الفني اذن فلابد من توافر الموهبة للتعويض ... حيث يتجه التعويض التصعيدي نحو ابداع فني صرف وان الموهبة او تلك القابليات الحسية والحركية والعقلية هي التي تؤهل للابداع ... وفي السياق ذاته وفي اطار التحليل النفسي على تعدد تياراته فقد آقر العلماء بان العصاب هو احد الاسباب التي تدفع الى الابداع الفني والادبي وان الفنانين والادباء يتصفون بصفات العصابية. ويبرز هنا العديد من التساؤلات حول الجوانب الشخصية والسير الذاتية التي تثير الجدل حول شخصية الفنان او الاديب وجوانب حياته التي اثرت بشكل او بآخر في اعماله مثل جبرا ابراهيم وجبرا وغيره. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ... ماذا يريد علماء النفس من الادباء؟ اذ كان ما ينتجه الادباء يشكل مادة غنية للدراسة بالنسبة لهم فهل بالضرورة ان يكون كل اديب هو شخص عصابي ما ان يجلس على كرسي التحليل النفسي حتى يتحول الى انسان ملىء بالعقد! ووضحت الباحثة مسألة العلاقة بين المرض العقلي والابداع وسبب هذا الالتباس مشيرة الى ان ثمة طائفة من البشر لاترضى بالعالم كما تراه لذلك تسعى لتغييره بان تجعله اكثر جمالا واكثر عقلانية واولئك هم المبدعون والامر الغريب هنا انهم والى حد معين يهربون من الاساليب المألوفة في ممارسة احداث العالم وتفسيرها عن طريق اللجوء الى الميكانيزمات العقلية الخاصة بعمليات التفكير البدائية التي يستخدمها الفصامي... لكنهما يختلفان كثيرا. وذكرت المحاضرة ان الامراض العقلية وبعض الاضطرابات النفسية تعطل الحواس وتؤثر على العمليات الذهنية العليا لدرجة تجعل صاحبها لايستطيع التواصل مع الحياة العادية وان هذه الفكرة قديمة جدا حتى ان تراثنا العربي يعتبر الشاعر فيه مس من الجن وقد ارتبط الجن بالشعراء منذ القديم فالادب الجاهلي حسب اجدادنا هو نتيجة نزول الشعراء الى وادي عبقر حيث يمسهم الجن وبذلك يكون نتاجهم مختلفا. وانتقلت المحاضرة الى الجانب الآخر من موضوع الادب وعلم النفس فاذا كان علم النفس يجد في الادب مادة غنية للدراسة فهل يمكن للأديب ان يستفيد مما انتجه علم النفس؟ وهنا يكثر الجدل الذي يحسم لصالح الادب .. الجدل الذي يتضمن ما يسمى بالرواية او القصة النفسية حتى ان البعض يتحدث عن الرواية قبل وبعد فرويد. وقد تطرقت الباحثة الى عدد من الامثلة الروائية وخلصت الى ان عصرنا شهد ولادة كثير من الاثار الادبية التي أفادت من حقائق علم النفس وخاصة تلك التي اصطلح تسميتها بالرواية النفسية التي باتت مقسمة الى عدة انماط وهي الرواية التي تعرض لحالات مرضية ونفسية مثل (الابلة) و (ارجوك اعطني هذا الدواء) والرواية التي تعرض طريقة العلاج النفسي وتنقده مثل مجانين وكثيرة كنت هناك والرواية التي تعرض موقف المريض من العلاج. والرواية التي تعرض موقف الطبيب النفسي واتصالاته والروايات التحليلية التي تعرض عقدة نفسية . او اكثر وانعكاساتها على حاملها. وخلصت الباحثة في الجزء الاخير من محاضرتها الى الحديث عن الروابط بين اللغة والنقد الادبي وعلم النفسي واستعرضت باجاز مدارس النقد الادبية العالمية وما يقابلها في علم النفس من تيارات وهي التيار الالسني والتيار الدلالي والتيار البينوي والتيار الاسلوبي والتيار التأثيري ثم التيار النفسي وهو ما يعامل النص من منطلق شكلا اسقاطيا لشخصية كاتبة معتمدا على التقنيات والوسائل التي انتجها علم النفس. واقرت المحاضرة في النهاية ان علم النفس كسائر العلوم يمتاز بالكليات والمعرفة السيكولوجية التي تختلف عن الادراك الردي تبعا لذلك بانها تفقر الواقع النفسي اذ ترده الى مجموعة من التصورات وما يصدق على الفرق بين المعرفة العادية والرواية الفنية يصدق كذلك على الفرق بين المعرفة السيكولوجية والحدس الادبي. وقد قدم المحاضر التي لاقت تفاعلا لافتا من جمهور الحاضرين الدكتور عصام الايوبي من الرابطة الثقافية الفرنسية ولاعجب في ذلك حيث معظم الحاضرين ينتمون من قريب او قريب جدا من الوسط الادبي خاصة وان المحاضرة مست جوانب شخصية سلبية في الادباء والمبدعين ايقظت جدلا راقيا مفعما بالحماس والمتعة والدفاع المستمر عن النفس. أبوظبي - مكتب البيان