لم أدخل السجن ــ والحمد لله ــ الا زائرا. وحتى في حملة سبتمبر 1981التي اعتقل فيها السادات العديد من رجال السياسة والصحفيين والمثقفين, اكتفى يومها بفصلي من عملي الصحفي, وطلبوا مني الالتحاق بوزارة الاسكان.. ربما لأنني كنت أكتب كثيرا عن بناء الوطن !! وعندما أفرجوا عن المعتقلين ــ بعد رحيل السادات ــ ذهبت لتهنئة الدكتور حلمي مراد, فاذا بالرجل يستقبلني مندهشا ومعاتبا: أين أنت؟ لقد انتظرناك وكنا نسأل عنك يوميا, وساورنا القلق عليك عندما لم تحضر. وضحكت قائلا: انك تتحدث وكأنك كنت تنتظرني في الهيلتون, وليس في سجن طره! ورد الدكتور مراد: صحيح.. لقد كنا نسميه الهيلتون من باب السخرية. وأخذ الرجل يحكي عن الأحوال السيئة في الايام الأولى, ثم كيف تحسنت الأحوال كثيرا بعد رحيل السادات, ولم يكن ينقصها الا أنه كان ملزما بأن يستمع لاذان الفجر 11 مرة لان كل فصيل من الجماعات المتطرفة لا يعترف بأذان الآخرين!! بعدها كنت أذهب للسجن زائرا للصحفيين الذين كانوا في الغالب ينتظرون المحاكمة او انتهاء التحقيق. وكانت مراسم الزيارة واحدة. يأتي الزميل مرهقا فيحدثنا عن حسن المعاملة التي يلقاها, ويتم ذلك بالطبع في حضور ضباط السجن, ونقضي الوقت في الدردشة مع الضباط والزملاء الذين كانوا في الغالب واثقين من براءتهم, وبالفعل يفرج عنهم بعد أيام, ونرتاح من المهمة الصعبة, ونريح معنا الجميع, ويأتي الزملاء فيحكون لنا مالم يستطيعوا قوله اثناء الزيارة! وكان اكثر المهتمين بمتابعة ذلك زميل لنا كانت مشكلة حياته أنه لم يدخل السجن! كان معنا أثناء الدراسة الجامعية, وذات يوم جاءنا وعلامات القلق تنطق على وجهه ليطلب منا ان نتابع أخباره لان هناك حملة لاعتقال الشيوعيين.. وهو في المقدمة بالطبع. وعاد بعد يومين ليخبرنا أنهم اعتقلوا الصف الاول, وبدأوا في الصف الثاني وسيصلون اليه حتما! وبعد يومين آخرين كان الصف الثالث قد تم اعتقاله.. وهو مازال في الانتظار, وهكذا حتى وصلنا معه الى الصف السبعين وهو طليق معافى, يتحرق شوقا للاعتقال, والحكومة تعاند معه. ثم تحول الأمر بعد ذلك الى مشكلة نغصت حياته لسنوات طويلة, فقد اصبح محل شك من زملائه لانه لم يعتقل معهم, وفي نفس الوقت ظل في القائمة السوداء من الاجهزة حتى تغيرت الاحوال وتمت المصالحة السياسية بين الحكومة واليسار في مرحلة اخرى, وسقطت الاتهامات عن صاحبنا من الجانبين, واستعاد توازنه المفقود, وان ظل حريصا على متابعة كل زميل يذهب الى السجن.. خوفا من ان تتكرر القصة. وقد أضاع السجن كثيرا من المواهب الادبية والفنية التي لم تتحمل قسوة السجن, ولكنه ايضا صقل العديد من المواهب وجعلها أصلب عودا وأشد مراسا خاصة من يعملون في السياسة والصحافة, وفيه تغيرت افكار وتعدلت مواقف, وخرجت منه أعمال أدبية مميزة. ولا مجال هنا لاستعراض هذه الاعمال لكثرتها وتنوعها. ولكننا نتوقف عند محطات لها ذكريات خاصة في هذه الأوقات التي اصبح فيها الصحفيون ضيوفا دائمين على السجون. عباس العقاد واحد من أشهر المساجين السياسيين, فقد كان عضوا في مجلس الشيوخ, وكان الكاتب السياسي الأول للوفد, ووقف تحت قبة المجلس يعلن ان الأمة مستعدة لسحق اكبر رأس في البلدة.. وكانت النتيجة شهورا في السجن, خرج بعدها العقاد الى بيت الأمة حيث زار ضريح سعد زغلول والقى قصيدة أكد فيها ثباته على مبادئه, وان أعداءه وانصاره سيجدونه بعد السجن كما كان قبله.. اي مناضلا وفدويا ضد السراي. والمفارقة ان العقاد انقلب بعد قليل على الوفد وشن عليه أسوأ الحملات! ولم يكتب العقاد عن تجربته في السجن, ولكن كثيرون غيره كتبوا كتابة سياسية أو أدبية. وتظل رائعة يوسف ادريس (العسكري الاسود) فريدة في أبعادها الانسانية.. وبعدها جاءت العديد من الأعمال التي كانت شخصية (السجان) فيها شخصية محورية. على أن أمتع ما كتب في هذا السبيل هو ما كتبه بيرم التونسي شاعر العامية الاكبر, والذي تناول لحظة فارقة هي لحظة موت السجان وأشبعه سخرية في قصيدة جميلة يقول فيها: توفى في الحي غانم مصطفى السجان لاله بنات مخلفهم ولا صبيان فايت لهانم مراته 16 فدان وكل ده من رشاوى الأكل والدخان ويمضي بيرم في سخريته فيروي ما فعلته الزوجة عند الوفاه وكيف اخفت الأموال والمصوغات مع أمها حتى لا يشاركها أهله في الميراث ثم يقول: واتدوروا والتقوا الراجل فطس وخلاص لا احتاج لغمضة ولا فاتحة ولا اخلاص وروحه دي اللي ما كانت الا في بلاص طلعت تبرطع ما بين مالك وبين رضوان ويمضي بيرم في قصيدته التي ينتقم فيها من سنوات طويلة من البهدلة في المنافي والسجون فيقول: وانشال سي غانم بعد ندب كفاه ولطم كان يستحقه في حياته قفاه هذه السخرية المريرة كأن وراءها عمر طويل قضاه بيرم مطاردا منفيا, فقد كتب بيرم كما أراد, وهاجم الاحتلال وفساد القصر والاحزاب. وبعد قصيدته الشهيرة (مرمر زماني) التي هجا فيها الملك فؤاد هجاء فاحشا, والتي قال فيها: العطفه من قبل النظام مفتوحة والفرخة من قبل الفرح مدبوحة بعدها.. قبضوا عليه, ولكنه عومل باعتباره من رعايا تونس, وتونس مستعمرة فرنسية يومها, ولذلك تمتع بالحماية الفرنسية واكتفت السلطات المصرية بطرده, وقضى ثمانية عشر عاما منفيا في فرنسا, يعمل في أشق الأعمال ليكتسب قوته. ذهب الى باريس وهو يصرخ: يا باريس يا أم بلاد بره يا مربية لامارتين بعثت لك أم الدنيا شاعر في الشعر متين يعمل أشعار لبرابرة وصعايدة وفلاحين وتلامذة وازهرية وخواجات ومفتشين اياك ما يموتش عندك في ازيل المساكين ولم يمت بيرم, ولكنه عاش حياة قاسية للغاية, حتى كان ما كان واستطاع الهروب اثناء نقله لمنفى آخر. هرب في بورسعيد واختفى حتى حصل على العفو, وان كان لم يحصل على الجنسية المصرية الا بعد ثورة يوليو 1952. والحديث عن بيرم يطول, ولكننا نعود لما بدأنا به, فيفاجئنا الانجليز بأنهم سيخصصون جزءا من سجن شهير للضيوف. وان الاقامة مع الافطار في هذا الجناح ستكون مقابل 80 دولارا في الليلة, وأنهم يتوقعون اقبالا شديدا من الزبائن المغرمين بالغرائب والذين سيفضلون المبيت في السجن على الهيلتون ليعيشوا ليلة في نفس الظروف التي يمر بها المساجين.. وان الحصيلة ستخصص للاعمال الخيرية. قرأت الخبر, وتذكرت آخر زيارة لزملاء صحفيين في السجن ضمن وفد من نقابة الصحفيين.. حيث مرت الزيارة بسلام حتى أن احد الزملاء أبدى دهشته من ان تمر الزيارة بهذا الهدوء وبدون اي عراقيل. ولم تمض الا دقائق حتى كنا منهمكين في محاولة تخليص الزميل من براثن احد الضباط وجنوده. وواقعة الاعتداء الهمجي مازالت محل تحقيق, ولذلك لا نسهب فيها, ولكني تذكرتها عندما سألني زميل: ما رأيك في ليلة في سجن انجليزي؟ قلت على الفور: يفتح الله.. النوم على الرصيف أرحم, خاصة اذا كان في أحضان كتاب لبيرم التونسي!