عام كامل مر على وفاة شيخ العروبة, وأديبها المحقق الكبير, الشيخ محمود محمد شاكر.. ذلك الشيخ الذي عاش قرابة قرن كامل ينافح عن لغة الضاد, ويذب عنها الخصوم, وقالة الشر والسوء . كانت الكلمة عند شاكر هي البيان, والبيان هو نعمة الله الكبرى التي انعم بها على عباده من كل جنس ولون, ومن استهان بالكلمة, فقد استهان بأفضل آلاء الله على عباده. فالكلمة ليست هي الحروف والالفاظ وحسب, وانما الابانة بصدق وفن وتجويد اداء, ولا تساهل في ذلك في اي حال. مضى ربع قرن وما أزال أذكر كيف أقام الشيخ عوج لساني بحدة ظاهرة عندما أخطأت بحضرته لفظ احدى الكلمات, وكنت اجري لقاء صحفياً أدبياً معه يوم ذاك.. وبالطبع فلم اغضب حينها ولم احس بأي حرج, وانما كنت فخوراً بذلك الحب المتفاني الذي يبديه الشيخ للغة الضاد. وأما حدته يومها, فقد تبين لي انها فرع من طبعه الغيور, الذي يلتهب احياناً, ويقذف بسحابات النار والحمم, كلما احس بأن هنالك اعتداء متعمداً على العربية وتراثها الأدبي. ومحمود محمد شاكر هو ختام أسرة مباركة عنيت بالدفاع عن اللغة, والثقافة, والدين. ولم تكن تفرق بين تلك المصطلحات الثلاثة المتشابكة. ليس بمعنى تطابقها, وانما بمعنى تلاقيها الوثيق أبوه هو الشيخ محمد شاكر, احد أعلام التجديد الديني, من مدرسة (المنار) التي ارسى عمدها محمد رشيد رضا, وأخوه هو الشيخ احمد محمد شاكر, ابرز علماء الحديث في زمانه, ومحقق تفسير الطبري وغيره من نفائس التراث. والمكتبة التي بدار الشيخ محمود محمد شاكر, لا يرى الانسان مثيلاً لها الا في مكتبات الجامعات الكبرى, ولعله ورث جزءا وافراً منها من أبيه, وأخيه, وأضاف اليها ما جاد به عصره من الكتب, وما نشر وحقق من كتب التراث, وهي مكتبة مقروءة جيداً, وتنهض دلالة على استيعاب صاحبها لجملة التراث. الاحتدام الموروث مزجت تلك الاسرة حدة ظاهرة بدافعها عن الدين والتراث, ولعل ذلك ما نفّر الكثيرين من مسالك الشيخ الراحل محمود محمد شاكر على وجه الخصوص, ولكن دراسة جذور الاسرة كفيلة بتبيين اثر الوراثة في تكوين تلك النزعة المحتدمة, التي ميزت كتابات الشيخ محمود شاكر طوال عمره. من طرائف ما يحكى عن أبيه الشيخ محمد شاكر, انه عندما قررت الجامعة المصرية ابتعاث الطالب طه حسين الى فرنسا لنيل جائزة الدكتوراه في الآداب, أراد السلطان حسين كامل ان يكرمه بعطفه ورعايته, فاستقبله في قصره, وأهداه هدية ثمينة, ودعاه لحضور صلاة الجمعة معه. وكان امام المسجد شيخاً لوذعياً متشدقاً وازداد زهوه عندما رأى السلطان مع حاشيته من الوزراء والكبراء, وانتهز مناسبة تكريم السلطان لطه حسين, ليشيد بمكانة السلطان, فخانته بلاغته وفصاحته, وطفق يستخدم آي القرآن استخداماً معيباً, وزل لسانه عندما حرف الكلم عن مواضعه ودلالاته, فقال عن السلطان انه:جاءه الأعمى فما عبس وما تولى! وهنا انفلتت أعصاب الشيخ احمد شاكر ــ وكان من حضور الصلاة ــ فقام ليعلن للناس ان صلاتهم باطلة وان امامهم قد كفر, وذلك لانه شتم الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق التعريض لا التصريح, فإن الله تعالى عتب على رسوله ولم يشتمه, حين عبس عن ابن ام مكتوم الذي جاءه يسعى, وقطع حديث الرسول حينما كان يعرض الدعوة على صناديد قريش, الذين كانوا مرجون ذخراً لقوة الاسلام, وأما هذا الخطيب الاحمق فانه اراد ان يتملق السلطان على حساب كرامة النبي صلى الله عليه وسلم, فمدحه بما يوهم السامع انه يريد اظهار منقبة لعظمته, بالقياس الى ما عاتب الله عليه رسوله. ولم يكتف الشيخ بذلك بل لاحق السلطان الذي كان قد انصرف مباشرة ولم يسمع حديثه, فارسل اليه رسالة عن طريق رئيس الديوان, يطلب منه ان يعيد صلاته خلف ذلك الامام المتملق وتطورت القضية, فرفع الامام شكوى للقضاء بدعوى ان الشيخ شاكر سبه علناً واتهمه في دينه, وهنا ما كان من الشيخ شاكر الا انه طلب من المحكمة الا تطلب اي فتوى أو شهادة من رجال الأزهر حول تلك القضية, لأن حكم المساس بالرسول, ولو تعريضاً معروف للدهماء, دع عنك رجال الازهر, وذكر ان نقطة البحث الصحيحة في الموضوع تبدأ من حيث (اللغة) , ولا يحتاج الفصل فيها الى علماء الأزهر, خشية ان تظن بهم عصبية الى الرسول, ويكفي ان يستقدم للشهادة فيها بعض المستشرقين الافرنج, ممن لا يظن بهم عصبية للرسول او الاسلام, بل مظنة الضد من ذلك. وهكذا عزم الشيخ ان يجعل شهوده من المستشرقين ليحددوا بخبرتهم في لغة العرب دلالة كلام الخطيب, من الوجهة اللغوية البحتة اهو تعريض ام لا, ثم يكون الفصل القضائي تبعاً لما يقرره الخبراء, وتطور الامر وتفاقم الى ان دخلت الحكومة في الموضوع خشية ان تنجم من ورائه فتنة كبرى, وبذلك طوى بساط القضية قبل أن تنظرها المحكمة. معركة أخرى حول اللغة ولم يكن ابن الشيخ ــ احمد محمد شاكر ــ بأقل عراماً من أبيه, فقد اشتبك هو الآخر في معارك لافحة كثيرة بشأن اللغة, لعل أعنفها وأطرفها جميعا هي معركته مع الصحفي الشهير محمد زكي عبدالقادر حين كتب في عموده (نحو النور) كلمة بمناسبة المولد النبوي الشريف, واستخدم فيها ــ عن غير قصد ــ كلمتين نابيتين جهل معناهما, وساقهما في مقام مدح النبي وتمجيده .. استخدم الكاتب كلمتي (امعة) و(نكرة) في مقام مدح النبي, من غير ان يعرف معناهما, فاستنكر عليه الكثيرون ذلك, ولكنه تمادى في خطأه, وكان من الممكن ان يعتذر عنه, وينجلي الامر لأن اكثر من خطأوه, ذكروا انهم يعتقدون انه استخدم الكلمتين عن حسن قصد, الا ان اصراره على عدم تصحيح خطأه, ومحاولته الاحتجاج بطريق ملتو اثار عليه غضب الشيخ احمد شاكر, فقد زعم محمد زكي عبدالقادر في سياق تبريره لخطأه ان القرآن ذكر ان النبي كانت له اوزار:(ورفعنا عنك وزرك) , وانه كان ضالاً:(ووجدك ضالاً فهدى) , وزعم ان الانسان يمكن ان يصف النبي بأنه صاحب اوزار وضلالات وهنا جاء الرد كاسحاً من احمد شاكر قائلاً :(يظن هذا المسكين ان خطاب الله لعباده كخطاب بعضهم لبعض, ولا يقول بهذا عاقل, بل لا يقول به احمق ألم يسمع هذا الكاتب مرة واحدة قارئاً يقرأ القرآن في الاذاعة او غيرها قول الله تعالى آمراً للمؤمنين مؤدباً محذراً من عذابه متوعداً:(يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون) . ومضى الشيخ يحاصر الكاتب قائلاً: انك وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمتين نابيتين عن غير قصد فيما نظن بك. ولكل من هاتين الكلمتين معنى محدود في لغة العرب, هو المعنى الوضعي, ولكل منهما مقام تستعمل فيه عند العرب, هو مقام الذم فقط, فأيا كان قصدك, خيراً ام شراً, فقد افلتتا منك.. ولم يدع له مجالاً للتمحل او التنصل اذ ساءله قائلاً: أتريد ان تدعى لهاتين الكلمتين شيئاً جديداً من المعاني لم تعرفه العرب؟ ام تريد نقلهما الى معنى مجازى, لا علاقة له بمعناهما الوضعي؟! وهذا أمر محال! وأخيراً قام بوضع الكاتب على المحك العملي فاستجوبه قائلاً: اتراك تستطيع ان تصف بهاتين الكلمتين رجالاً من كبراء عصرنا هذا, او تستطيع ان تصف بها سلفاً معروفاً من أسلاف واحد متهم وصفاً صريحاً في معرض مدح, أو مقال ذم, صادقاً في وصفك او كاذباً؟! او مقال ذم, صادقاً في وصفك او كاذباً؟! بل أتستطيع ان تصف بها صحفياً معروفاً من انصارك او معارضيك؟ وهكذا مضى الشيخ يحاصره بالاسئلة المحرجة حتى لم يترك له الا ان يعترف بجهله بمفردات اللغة العربية وسوء استخدامه لها. مورد النهضة وهكذا كانت اللغة عند آل شاكر قدساً لا يحتمل العبث. وكانوا يرون ان العبث باللغة هو مصدر ضياع الأمة, وان احترام اللغة هو مورد نهضتها, واذكر اني عندما التقيت محمود شاكر بداره بمصر الجديدة, في اواخر السبعينات, كان قادماً لتوه من اسبانيا بعد ان اجرى عملية جراحية استعاد بها بصره, فانطلق ينتهز اول سانحة ليتحدث ملياً عن أهمية اللغة, ويشرح نظريته التي تجعل من نهضة اللغة نقطة لانطلاق نهضة الامة. ولعلني سألته يومها عن مدى التعميم والتخصيص في تلك النظرية, وان كان يقصد لغة الخاصة, ام لغة العامة, فأتاني بمثال الممرضة الاسبانية التي كانت ترعاه خلال اقامته بالمستشفى, وكيف انها كانت تتحفه بروائع الادب الاسباني, التي كانت تحفظها غيباً. وقال انها كانت تتحدث كأديبة, وان كانت من العامة, وانها كانت تتشرب قيم الامة, وتراثها, ومفاخرها, من خلال تشربها لروح اللغة, وذخائر الأدب.. وقال: هذه مجرد ممرضة عادية, وليست عالمة, ولا معلمة, ولا صحفية, وهكذا ينبغي ان يكون عموم افراد الشعب! في حديثه ذاك احسست بعصبيته الشديدة للغة الضاد, حتى اني حين سألته عن قصائد محمد اقبال الشجية التي قال فيها احمد حسن الزيات (اذا كان حسان هو شاعر الرسول, فان اقبالاً هو شاعر الرسالة) , فان شاكر زم شفتيه, ولم يعجبه سؤالي, ربما لان اجابته غير مريحة, وقال انه لا يحب شعر اقبال لأنه كتبه بالفارسية والاردية, ونفس الملاحظة كاد ان يبديها عن فكر مالك بن أنس, ولكنه ذكر ان اخلاص بن نبي كان شفيعه, وسر نفاذ فكره. (لم يكتب بن نبي بالعربية, الا في آخر عمره, وقيل انه أجادها متتلمذاً على محمود محمد شاكر) , ولم يفضل شاكر فكر الندوى, على المودودي, الا لأن الاول كان يجيد العربية! الحرب على العامية والذي يتعقب العربية الى هذا الحد كان حرياً به ان يعلنها حرباً صاعقة على دعاة العامية. فقد كانوا في ظنه قوماً قصروا عن اجادة الفصحى, وحرموا القدرة (على جعل هذه الالفاظ العربية الشريفة اوتاراً مشدودة على قياس وحساب, حتى تنبعث من تلاوتها أنغام معبرة عن الحياة والموت, بأضواء لا تكسفها الرموز الميتة التي ينفخ فيها النقاد لتحيا) . ولم يكن يرى في تلك الدعوة, مجرد دعوة أدبية خالصة, لان الذين سبقوا اليها ما كانوا ادباء, وما كانوا عرباً, فهم قناصل الدول الأوروبية الذين صنعوا التدريس باللغة العربية, ومنعوا الترجمة اليها, مصرين على ضرورة ان يتعلم العرب عن طريق البعثات, حتى لا تحيا العربية مع نهضة التعليم, ثم عملوا على تشجيع كتابة الآدب بالعامية, حتى لا تحيا مع نهضته اللغة الفصحى. جن جنون الشيخ عندما تمادى احد دعاة العامية في لجاجته, مطالباً بكتابة القرآن باللغة العامية, مدعياً ان ترجمة الانجيل من اللاتينية الى اللغات الاوروبية الاخرى, التي هي بمثابة لغات عامية بالنسبة الى اللاتينية, لم تؤد الى هجر الانجيل او الدين في الغرب, وذكر الشيخ ان الحرب على الفصحى قد وصلت بذلك القول الى غايتها او قريباً من تلك الغاية, وكتب فصوله المخيفة بعنوان (أباطيل وأسمار) على صفحات محلية (الرسالة) التي كانت قد بدأت تصدر من جديد, ثم جمعت بعد ذلك في كتاب بنفس العنوان, ختمه بفصل عنوانه (ثم غلقت الابواب) . ولعل اكثر قراء الكتاب اليوم لا يعرفون سر ذلك الفصل الناقص, وهو ان الشيخ كان قد دخل السجن حينها, وقد سألته حين التقيته ان كان محمد احمد محجوب, هو فعلاً الشخص الذي توسط لفك سراحه من ذلك الاسر, فأجاب بالايجاب وسألته ثانياً ان كان قد التقى ذلك الرجل ابداً, فأجاب بالنفي, قائلاً: اني لم التق به لا قبل اعتقالي, ولا بعده, ولكنها هي رابطة اللغة والأدب, وعلى كل فأنا مدين له بجزيل الشكر.. أطرقت لهنيهة اعجاباً بمروءة المحجوب, رئيس وزراء السودان الاسبق, واحد امراء الشعر, وفرسان البيان العربي, وفي تلك الجلسة, التي لم اكتب عنها قط من قبل, كان مزاج الشيخ رائعاً الى حد بعيد, وقد جره الحديث الى التعليق على طرافة ورصانة أدب الدكتور عبدالله الطيب, وهو يماثل الشيخ شاكر, في الامعان في الاصالة واعلاء شأن التراث, وهو الآخر شديد الاعجاب بأدب شاكر, وقد وصفه مرة بأنه ذهب ابريز! كان مجلساً من المجالس التي تخلد في الذاكرة ولو قدر لمجالس الشيخ شاكر ان تسطر وتنشر, لربما ظفر الادب العربي بموسوعة ادبية فائقة القيمة, يضعها التاريخ في سجل كنوز الادب الكبرى.. وعلى كل فهذه دعوة ــ في ذكرى رحيله الاولى ــ الى تلاميذه ومن لازموا حلقته الادبية, لكي يقدموا للنشر ما وعته الذاكرة من وهج الادب الشاكري.