الناقد ليس بالضرورة مبدعاً فاشلاً. كما يحلو للبعض ان يردد.. لكنه في الوقت نفسه ليس مهندساً للابداع يحدد خطوطه وتفصيلاته, ويطلق أحكامه على جمالياته ودلالاته, ــ دون اي شك في دوافع هذه الاحكام . الناقد بالتأكيد مبدع حقيقي. وان كان ابداعه يستلزم وجود النص الأدبي الا ان تعامله مع هذا النص لا يمكن ان يتم دون الاعتبارات الذاتية ودون سلطة الرأي المسبق, مما يجعل الناقد ــ احياناً ــ يعيش بآرائه في عالم لا يمت للواقع بصلة.. مجمل هذا ان يصبح الناقد بعيداً عن التأثير في حركة الابداع وهذا لأسباب لا نذكرها نحن, بل نترك النقاد والمبدعون انفسهم يتكلمون عنها.. مافيا النقاد يقول الشاعر (محمد سليمان) : أنا أعتقد ان النقاد لا يقومون بأي دور حالياً. فنحن نعاني من حالة غياب أو (تغيب) نقدي, له اسبابه الذاتية والموضوعية, كل هذا ادى الى حالة من الفوضى الابداعية خصوصاً في الابداع الشعري باعتباره الابداع الاكثر حميمية والاكثر تفاعلاً مع القارىء.. النقاد تخلوا عن وظيفتهم الرئيسية وهي التوجيه والقراءة الواعية التي تستكشف النص وتخترق اية غشاوة تحيط به.. تلك الوظيفة الاهم للناقد ودوره المفترض خاصة بالنسبة للمبدعين الشباب. اصحاب الرؤى الابتدائية القابلة للتشكيل... ضل النقاد طريقهم وابتعدوا عن قيادة التذوق وتقريب المسافة بين المبدع والقارىء وأصبحت الساحة النقدية ملعباً خاوياً من النقاد الحقيقيين حيث اعتدنا صورة الناقد الذي يتحمس لأعمال لا تحمل اية قيمة. ويجامل من اجل تحقيق بعض المكاسب من خلال النقد. وهذا لا يمنع من وجود الناقد الجاد, لكنه للأسف لا يجد فرصة النشر او التواجد في هذا الوسط (العشوائي). كل هذا يجعلنا نقول ان النقد لا يؤثر في حركة الابداع على المستوى العربي. بل لا نبالغ اذا قلنا ان النقد لا يعرف شيئاً عما يدور في (دنيا الابداع) لدينا فقط ما يشبه (عصابات المافيا) تكوينها من ناقد يتحمس لكل كاتب يعمل في منصب مؤثر انه نوع من الحماس الاعمى. لا يمكن ان يتم بدون مقابل يكون في الغالب احتفاء اعلامياً في الصحف والمجلات يكفي ان من بين نقادنا من كتب عن (رغدة) كشاعرة هل يصل الامر الى هذه الدرجة في حين ان شعراء ومبدعين كبار لا يكتب احد كلمة عنهم.. وحتى لا يعتقد البعض اني اهاجم النقاد لأغراض شخصية, فيجب ان اوضح انه للأسف هذا واقع لا يمكن انكاره تعاني منه الحياة النقدية وان كان ثمة حياة اخرى يعيش فيها نقاد جادون ومحترمون. فأنا لا أنكر وجودهم لكنها ما زالت الحياة الهامشية.. اخيراً, اتمنى ان تستطيع هذه (الندرة) من النقاد ان تغير في هذا الواقع وان يلتفت النقاد الى أهمية كلمتهم فهي في الغالب تكون طريقاً لشهرة المبدع واكتسابه لمكانة ربما لا يستحقها وطريقاً لحصد الجوائز والمناصب.. وكل هذا يجعله النموذج المسيطر على القارىء فلا تزيدوا الفجوة بيننا وبين القراء.. ان احداً لا يستطيع ان يقنع القارىء ــ في ظل هذه العشوائية الاعلامية ــ ان هناك ثمة ابداع حقيقي ومؤثر الا النقاد أنفسهم فليبدأو في استعادة مكانتهم المفقودة.. التعمد والابداع لكن رؤية الذي يجمع بين النقد والابداع قد تختلف, خاصة اذا كان من الجيل الاكثر تمرداً وحضوراً فيقول د. مصطفى الضبع ان العلاقة بين الناقد والمبدع ليست مطلقة, بمعنى انه ليس كل الأدباء ينفعلوا ويتأثروا بمقولات النقاد.. فهناك نوع من المبدعين يسعى للاستفادة من رؤية الناقد, خاصة اذا كان هذا الناقد قادراً على تفتيح أفق الدلالة في النص, واستكشاف جوانب جديدة, ربما لم يدركها المبدع نفسه, لكن النص اوجدها وأفصح عنها.. هذا نموذج للعلاقة السوية والمثمرة بين المبدع والناقد.. لكن ثمة علاقة اخرى مفادها ان يكون المبدع غير مقتنع بالنقد اساساً, ولديه فكرة مسبقة ان النقد لن يفيده, وان رؤية الناقد هامشية لا تعرف كيف تتعامل مع النص او تفك ترميزه ودلالاته.. وأنا اعتقد ان النقد مسؤول بشكل كبير عن هذه الانواع من العلاقات فالناقد هو الذي يفرض على المبدع طريقة التعامل معه. فلا يمكن ان يكون الناقد جاداً ويبتعد عن المبدع الا اذا كانت اغراضاً شخصية, وهذه أشياء لا تمثل الظاهرة ذاتها.. أما بالنسبة للمبدع فتعامله يختلف مع المقولات النقدية نفسها. هناك من المبدعين, سواء على مستوى الشعر او الرواية أو غيرها من أشكال الكتابة, من يستوعب المقولات النقدية ويتأثر بها, لكنه ينساها تماماً وقت الكتابة. اي انه لا يتعمد الكتابة بناء على رؤية مسبقة. وهذا نوع يدرك ماهية الابداع الحقيقية.. لكن للأسف هناك آخرون يعتبرون ان المقولة النقدية هي التي تكسبهم مشروعية الابداع. فبالتالي عليهم اتباعها. فتأتي الكتابة المتعمدة تفصيلاً وتطبيقاً لهذه الرؤية النقدية. وبالتالي يفقد النص مكونه الاساسي وهو الحرية.. ان النص بدون الحرية. هو الكتابة بدون ابداع, فالنص كائن حي, وان كان لا بد من العناية بمظهره وباطاره الخارجي. الا انه لا يمكن ان يعيش دونما روح, وروح النص تكمن في تلقائيته وعفويته وبدونهما ينتفي مفهوم الابداع. واذا طبقنا هذا الكلام (النظري) على واقع الابداع على المستوى المصري بل والعربي سنجد ان الاجيال الكبيرة (خبرة وتجربة) هي الاجيال الاكثر تثقيفاً وبالتالي الاكثر وعياً في التعامل مع النقد وفي الاستفادة منه دونما الخضوع له او الولاء لسلطته.. لكن للأسف هذا ما لا نجده بالنسبة للشباب ــ الا ما ندر ــ حيث تغلب عليهم حمية التعلق بالمقولة النقدية واتباعها ظناً منهم انها تخلق الابداع وتؤكده.. وهذا كله بسبب البعد الثقافي وتنحيه بالنسبة لهذا الجيل. فلا يملكون وعيهم الخاص بمفهوم الابداع.. العملية المعكوسة أما الشاعر (جمال القصاص) فيقول: رغم ازدياد المساحة النقدية في مصر الا ان الدور الحقيقي والمؤثر للنقد, باعتباره جزءاً من صميم العملية الابداعية نفسها, هذا الدور المفترض لم يتحقق بعد. في ظل غيبة المعايير النقدية العلمية السليمة, التي من شأنها ان تحكم توجهات النقد للعمل الابداعي.. ومن ثم فليس هناك تحكم من النقاد في مسيرة الابداع بل ان اي ناقد مهما كانت مكانته وربما سطوته بالنسبة للابداع فلا يستطيع ان يحكم حركة المبدع لان الابداع الحقيقي هو عملية ذاتية بالدرجة الاولى.. وهو شكل من أشكال تحقيق الحرية وبدونها لن يكون ثمة ابداع اصلاً.. الحياة الثقافية مريضة بالعديد من الامراض النقدية فبعض النقاد يعلون من شأن ابداع هابط ومتوسط القيمة وذلك من اجل المنفعة الخاصة المؤقتة كما ان بعض النقاد يتعالى على المبدع. بينما من المفترض ان يجلس الناقد بتواضع شديد امام مائدة النص ويتعلم منها , ليس فقط من الايجابيات. بل ومن الاخطاء ايضاً لانها تكون اخطاء ذات دلالة ونابعة عن تجربة حقيقية وثرية وليست مجرد كلاماً نظرياً اذن لا يصح ان يتعامل الناقد بنوع من التعالي مع الابداع اعتقاداً منه ان النقد هو المحرك الاوحد للابداع.. اتصور ايضاً انه من ضمن مشاكل النقد. ان معظمه انطباعي فهو يعايش النص الادبي من الخارج ولا يتوغل الى دواخله.. انه يتعامل مع النص بقوانين جاهزة وأفكار مسبقة. في حين انه من المفروض ان يتعامل معه بقوانين النص نفسه.. وبرغم من جودة هذه القوانين والمقولات النقدية (النظرية) لكنها لا تستطيع ان تقبض على روح النص نفسه. فتتحول لمجرد معيار شارح للنص يرصد الظاهر فقط ولا يتوغل الى معيار القيمة.. وبذلك يتساوى الجميع (الجيد والرديء) وهذه النظرة تسهم في عزلة الابداع الحقيقي اما كارثة النقد الكبرى انه لا يمتلك الرؤية الاستراتيجية.. اي الرؤية الشاملة والمستقبلية للحركة الادبية.. فهو الآن يتعامل بأسلوب رد الفعل من خلال تعامله مع النصوص الموجودة والحالية دونما اي نوع من التوقع لتطور هذه الكتابات مستقبلاً.. بعد هذا كله فلا يمكننا ان ندعي ان للنقد دوراً مؤثراً في حياتنا الابداعية وأنا أتصور ومن واقع الخبرة. ان الناقد لا يقوم بما ينبغي عليه فالعملية معكوسة, حيث من المفترض ان يبحث الناقد عن المبدع الحقيقي, ويعيد اكتشافه دائماً. في حين ان ما يحدث ان بعض الادباء يكادوا يقومون (برشوة الناقد) للكتابة عن ابداعهم.. الواقع فوق الجميع لكن هناك من يرى انه لا الناقد ولا المبدع يتحكمان في طبيعة العلاقة بينهما فتقول الناقدة فريدة النقاش: لا يمكن ان يكون الناقد متحكماً في عملية الابداع لان حركة الابداع وحركة النقد معاً, هما نتاج موضوعي لمجموعة من الظروف المعقدة جداً. لا يختارها لا المبدع ولا الناقد.. فمثلاً التعبير عن مرحلة الانفتاح والروح الاستهلاكية هي حالة وجدت في الادب نتيجة لظروف اجتماعية وسياسية لم يوجدها النقد بالطبع.. لكن الذي يحدث ان يقوم النقد باكتشافها واستشرافها.. ان ما يصنعه النقد ــ في بعض الاحيان ــ هو التأثير في الخطوط الكبرى للمدارس الرائجة.. اي انه يوثر على المستوى البعيد.. لكنه على المستوى الفردي لا يمكن ان تقول بتأثيره فهو لا يلعب اي دور تأسيسي للمبدع الفرد.. هو فقط يستكشفه ويعيد وضعه في الاطار المناسب.. هذا كله لا يعفي النقد من اتهامه بالجمود.. فنحن الآن على سبيل المثال نعيش في عصر البنيوية في ميدان النقد. فيما تراجعت البنيوية نفسها في النقد الغربي عموماً من سنوات عديدة.. وهذه مشكلة لأننا تعلمناها مؤخراً, مما يصنع حالة من الاغتراب في جزء كبير من الابداع ذاته. نحن جميعاً نعاني حالة من الاغتراب عن الواقع, كل من الحركة النقدية والحركة الابداعية, اسلمت نفسها ــ حالياً ــ لحالة التمزق الشائع واتبعت موضة التفكيك اي ظاهرة الاهتمام بالجزء دونما اي اعتبار لحالة كلية او عمومية تجمع الاشياء.. على اعتبار اننا نعيش في عصر ما بعد الحداثة حيث تشظى الابداع وضرورة التعامل معه جزئياً.. اي كظواهر مفردة.. وهذا ما اعتبره غير صحيح بالمرة..او هو مفيد على نطاق اجرائي فقط..مع ضرورة وجود رؤية اشمل للتعامل مع الابداع وهي الرؤية او المدرسة الواقعية. كل هذا من أجل ملاحقة هذه الثورة الابداعية الموجودة لدينا فنحن نملك حركة ابداعية جبارة. في حين أن الحركة النقدية متواضعة ولا تملك مقومات متابعتها.. القاهرة ــ مكتب البيان