النخلة والجمل والصحراء والخيمة والبحر مفردات تراثية استثمرها كتاب القصة للدلالة على الحنين الى الماضي ان من يقرأ أعمال كاتبة الامارات مريم جمعة فرج يكتشف مدى تعلقها بالبيئة المحلية المحلية وثقافة المكان التراثية الشعبية , وهو ما نلمسه خاصة في حكايات الجدة وعبق البخور والأهازيج والمواويل الشعبية التي تتمفصل في البناء القصصي واللهجة المحلية التي تستخدم غالبا في الحوار, والرؤية الفكرية التي تتجلى في الحنين الى الماضي في عالم سريع التطور والتحول, وذلك من خلال عناصر رمزية تقليدية في قصص الامارات, كالنخلة والجمل والصحراء والخيمة والبحر. واذا كانت هذه العناصر الرمزية تشكل علامة لافتة للنظر في العالم القصصي لمريم جمعة فرج, فان البحر, او الماء يشكل حضورا متميزا في هذا العالم, وهو ما نراه في أعمال كتاب اماراتيين كثيرين, من أمثال عبدالحميد أحمد وسلمى مطر سيف وعلي عبدالعزيز الشرهان, وغيرهم من الكتاب الذين عبروا عن مدى تعلقهم بتلابيب الماضي الذي أخذ ينحسر بقيمه ومواضعاته وأعرافه, ولكنه يظل قائما حيا في الذاكرة الجماعية. في مجموعتي مريم جمعة فرج (فيروز) و(ماء) نجد احتفالا كبيرا بالماء, ففي قصص المجموعة الاولى نلمس اهتمام الكاتبة بالماء الذي يكاد يكون حاضرا في كل قصة ولو كانت تلك القصة تعالج موضوعا غير موضوع الماء. واذا أردنا ان نصف دلالات الماء في قصص مريم جمعة فرج, فاننا نستطيع ان نميز الرؤى الآتية: الماء بوصفه رمزا للحياة: يعد الماء ضرورة للحياة كما نرى في كثير من قصص مريم جمعة فرج, لأن الحياة تقوم على هذا العنصر الحيوي. ففي قصة (ضوء) تغدو (كل الاشياء يملؤها الماء) , لان وجود تلك الاشياء يقوم على الماء أصلا, بل ان تلك الأشكال المتباينة ذاتها تعد مظاهر لعنصر الماء, وهي كلها (تزيد من الاحساس بالتدفق) , ولذلك فان الناس في هذه القصة ينتظرون نزول المطر بفارغ صبر: (لا أحد يعرف متى سينزل المطر, من هو الذي يعرف؟ تكلم عن المطر يا ولد. المطر شرارة يا أستاذ لكن متى ينزل المطر؟ يارب... متى؟ ونرى (الامام) في هذه القصة يقرر اقامة صلاة الاستسقاء فجأة وهو يردد: (ما تساوي الارض شيئا بلا قطرة ماء) . في قصة (أعداء في بيت واحد) يدور حوار بين الجدة وحفيدتها حول النخيل الذي يتغذى بالماء ويكون ذبوله سببا في اندلاع الحرب بين الناس: (عندما تموت النخلة نعرف كل شيء. كيف؟ يتساقط كل الرطب منها, عندما يذبل النخيل, تبدأ الحرب, هكذا يقولون) . وعندما يختلف (الأب) و(الأم) في هذه القصة ويتخاصمان حول امتلاك البيت والاستبداد بادارته تصيح الجدة محذرة اياهما, وتنصحهما بنذ الخلافات الهامشية والاهتمام بتوفير الماء والتمر. وقد جاء النصح من الجدة الحكيمة التي عركتها الحياة, وفي قصة (ماء) تضع الكاتبة الماء مقابل النفط عندما تدق طبول الحرب بين قومين, ولكن كلا منهما يعبر عن حاجته الى الماء: (دقت طبولنا... دقوا طبولهم.. خربوا مصفاة النفط... خربنا مصفاة الماء وضعنا أيدينا على أفواهنا... ماء... رددوا كالصدى: ماء... ماء الماء بوصفه رمزا للتحرر والخلاص اذا كانت الكاتبة قد نظرت الى الماء بوصفه رمزا للحياة وعاملا اساسيا للاستقرار في الفقرة السابقة, وهي نظرة تكاد تكون مباشرة وعادية, فانها هنا تنظر الى الماء نظرة أعمق قليلا, لأن الماء عندها يصبح خلاصا للانسان من عبوديته, وهذه الرؤية تتضح لنا في قصة (الغافة) التي تبحث عن الماء بين التلال الغامضة في بلدة غريبة, وتريد ان تغالب خوفها واحساسها بالوحدة والاستلاب والقيود المفروضة عليها بالهروب الى الحلم) بصبايا يلعبن ويتناثر الماء حولهن) بل ان الماء يغدو بالنسبة الى هذه الفتاة الهزيلة المقموعة ملاذا يخلصها من شقائها ويعيد اليها طفولتها الضائعة, وهو ما يستشف من الموال الشعبي الذي كانت تردده: (حمارتي الفروجة اقفزي, حمارتي الفروجة ضعي ثوبك في فمك, حمارتي الفروجة علقي وتدين وانصبي ارجوحة وطيري, حمارتي الفروجة اين البحر؟, سنجمع المحار ونلعب لعبة الرمل) . وفي قصة (ماء) كذلك يصبح الماء ملاذا للانسان عندما يجد الجد ويحل الدمار, ومن هنا نرى كلا من (الحاج عامر) و(عبدالله بن سعد) يأمران المتحاربين باللجوء الى البحر) . الماء بوصفه رمزا لوحدة الوجود: ان الكائنات في قصص مريم جمعة فرج تشترك كلها في عنصر جوهري واحد وهو الماء, وهذه الرؤية تتجلى في كثير من أعمالها. في قصة (فيروز) يرتبط الفتى (عامل الثلج) ارتباطا جوهريا بالبحر, فعندما كان طفلا صغيرا كان يتمرس على الغوص, وعندما كبر أصبح (عامل ثلج) مهووس بالبحث عن نصفه المفقود في الماء: (ياسمينة قال الشيخ الهاشمي نصفك المفقود في الماء) . وفي قصة (عبار) تنحل الوجوه في نظر (العجوز) الى ماء, ثم تتمدد, وتقطع (ثم تحول الى رذاذ) ويحلم (بلال العبار) بالفتاة (نرجس) ويبحث عنها دون جدوى, وتتراءى في البحر وكأنها طيف مستحيل. الماء بوصفه رمزا أسطوريا: وهي الدلالة الرمزية التي تتجلى خاصة في قصة (غابرييلا: صرمة وطلع) حيث نقابل الفتاة (صرمة) التي تمارس طقوسا سحرية وعشق الماء فتسبح في الخور وتتعرض لاعتداء (الجني ريحان) الذي يغتصبها. هذا ومن نافل القول ان ننوه بلغة مريم جمعة فرج المكثفة المتوترة التي تتسم بالجموح المكبوت والشاعرية المتمردة, وبالرغم من ان قصصها تنحو منحى حداثيا في مبناها من خلال تفتيت الفعل القصصي المتكامل واللجوء الى النهايات المفتوحة, فانها تظل واقعية في معناها ضاربة بجذورها الدلالية ورموزها الفكرية في البيئة الخليجية المحلية ذات النكهة المتميزة, وهي بذلك تعد صوتا متميزا جديدا يضاف الى أصوات الكاتبات العربيات اللواتي يسهمن في اثراء الادب العربي الحديث.