انطوى مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي على رغبة عارمة في تجاوز السائد والمتاح والمطروق في الرؤى والأفكار والتجارب المسرحية العربية , وفي دورته العاشرة التي اختتمت بالقاهرة مؤخرا تبدت هذه النزعة في التجاوز والتحرر من اسر التقاليد المسرحية الكلاسيكية ليس فقط في العروض التي قدمتها عشرات الفرق العربية والاجنبية ولكن ايضا في المحاور الفكرية التي عقدت حولها ندوات معمقة كجزء اساسي من فعاليات المهرجان لتعكس من خلال التأمل مأزق التجريب في واقعنا العربي فضلا عن دلالاته ومعانيه التي تختلف باختلاف الثقافات والهويات. كانت اولى الندوات (التجريب وتمايز الثقافات) وقد تحدث فيها العديد من نقاد المسرح وفنانيه لسبر اغوار العلاقة بين التجريب وخصوصية الثقافة. وفي البداية تحدث الناقد الدكتور فوزي فهمي رئيس اكاديمية الفنون بمصر فقال: (يواجه التجريب قدرا من العناد والممانعة تختلف درجتهما من مجتمع لآخر لما يحدثه من خلل بتهديده لحدود الطمأنينة التي تخلقها (نماذج الاحتذاء) بفعل اعتياد الممارسة . ومآزق هذه النماذج انها تنكفىء على ذاتها وتعيد انتاج وتكرار مفاهيم وتصورات, على انها ثوابت مطلقة فتتجمد وتنعزل عن المستجدات والتفاعلات التي تحول العالم الى حالة من السيولة الدائمة ويغذي صدامها مع تيارات التجريب انها تراها خرقا وتجاوزا يتهدد استقرارها فينشغل دعاة (نماذج الاحتذاء) بآليات المدافعة ولا ينشغلون بالالتفات الى مايكشف عن اقتحام واختراق مناطق ومجالات كانت من قبل ممنوعة او ممتنعة ومساحات كانت مجهولة او مستبعدة, ويكتسب التجريب اهميته من انه حالة من الابداع المستمر غير المحصور او المقيد, يتجدد مع كل قراءة خلاقة وتأويل وتجاوز للحياة والانسان في علاقتهما بالابداع ليكشف ماهو خفي ويضيء ماهو معتم ليغير علاقاتنا بالعالم وبالاشياء ويرتكز التجريب على تخطي (نماذج الاحتذاء) المحاصر بالسكون بنقدها لتتجدد من خلال ممارسات متنوعة في عالم الممكنات معتمدا على الحرية التي تؤهل للكشف عن امكانات مستترة داخليا بجهد الذات على الذات وعيا. وبفهم منفتح على الخارج ادراكا. ويتقيد الدكتور فوزي فهمي اعداد التجريب وانصار الانغلاق على ا لذات وتقديس النماذج القديمة, ويقول: القضية المركزية للتجريب اذن هي الحرية بمعناها العام. وهو ما يتطلب التحصن بوعي المأزق, وتعديل عناصر المواجهة واسلوبها امام الفخاخ التي ترفض التنوع وتعدد الاصوات والتجدد. ان فقدان الحرية يحرمنا من ان ندرك العالم لامتناع طرح الاسئلة المستمرة من اجل الادراك. واذا ماكانت الحرية تمنح العلم المسعى لتصحيح دائم للخطأ فانها تمنح الفن كل مسعى جمالي جديد واحساس جمالي جديد ومحتوى جمالي جديد اغناء للقدرة الانسانية وتفتحها, وهو ثراء يجب بذل الجهد من اجل تحقيقه لانه يحرر المعارف ويشجع التساؤلات ويبدل الازمنة عندما لايعود محظورا طرح الاسئلة الصحيحة. أما الناقد يوسف حمدان فيقول: (ان فهم التجريب على انه اتجاه نحو تأسيس وعي مسرحي مخالف للسائر ظل غائبا وظلت المحاولات التجريبية في العالم العربي محاولات فردية متأثرة بعروض اوروبية ومقتبسة عنها في الغالب لهذا لم تفلح هذه الاعمال حتى الآن في ان تشكل تيارا تجريبيا عربيا واضح المعالم والاسس. الأسوأ من ذلك ان نرى ان تجاربنا ليست الا تقليدا دون دراسة اجتماعية تبرز خصوصيتنا الاجتماعية والثقافية وتعكس هويتنا) وأكد يوسف حمدان ان التجريب وتجاوز الانماط السائدة في مسرحنا العربي اصبح ضرورة ملحة وانتقد ندرة وجود المنظرين العرب الذين يمكنهم المساهمة في وضع أسس جديدة. اما المخرج العراقي قاسم محمد فيشير الى ضرورة ان ينبع التجريب العربي من بيئة عربية لا ان يكون تقليدا فجا وممسوخا لتجارب اوروبية وقال (ان تكريس حالات التجريب في البيئة المحلية ينبغي ان ينصب على خلق مسرح شعبي عربي أصيل. فالتجريب القائم على التدريب المتواصل هو جوهر الابتكار الذي يؤدي الى فكرة تمرين البيئة ذاتها وتطويعها مما ينشىء جدلا بين المؤدي والجمهور وتمرين المشاهد لتحويله من مشاهد سلبي الى مشاهد ايجابي. ووفقا لمعايير تجريبية بيئية فانه يمكن الانطلاق من المحلي المميز الى التفاعل مع الثقافة الاخرى ذلك لان التميز والتفرد في الخصائص الابداعية كوسائل تعبير انساني تجد بالضرورة خواصا مشتركة متفاعلة معها) . وتربط الناقدة المصرية د. نهاد صليحة بين التجريب كثمرة لبيئة خصبة تقوم على التعدد الثقافي قائلة عند حديثنا عن التمايز الثقافي لابد من الاخذ في الاعتبار ان الثقافة في احد جوانبها ايديولوجيا, وعندما نتحدث عن الثقافة الرسمية في بلد ما فاننا نتحدث في الحقيقة عن نماذج تم اختيارها وتقديمها سلفا باعتبارها الثقافة الاصيلة, على حساب استبعاد ونفي كافة الثقافات الفرعية والتحتية وتهميشها بأشكال عديدة من الكبت والتحكم والاقتصاء وحسب رؤية الدكتورة نهاد صليحة في هذا السياق فان التجريب قادر على استحضار الثقافات المهمشة والمقموعة وتأكيد وجودها في كرنفالية تعني تجاوز كل الاشياء وبالذات خطاب الثقافة الرسمية المهيمن, وقالت صليحة (ان التجريب في ثقافات مثل ثقافتنا يقاوم التنميط الذي يحاول البث الاعلامي ان يكرسه مهددا معظم الثقافات الفرعية بالانقراض لصالح انساق من التعبير تدعم السلطة وتكرس للمجتمع الاستهلاكي. والتجريب في هذه الحالة يحقق درجة كبيرة من التقارب بين فئات المجتمع المختلفة مع تشجيع الحفاظ على خصوصيتها وتمايزها الثقافي بما يضمن للمجتمع حيويتة وانفتاحه على الآخر. ومن العالم العربي الى الولايات المتحدة الامريكية حيث اكدت الممثلة الامريكية شارون جونسون ان التجريب المسرحي في امريكا يواجه مأزقا من نوع آخر فالمسرح الامريكي لم يتخلص بعد من عنصريته, وقبل 40 عاما لم يكن هذا المسرح يتصور ان يدخل في رحابه ممثل اسود على الاطلاق لكنه الآن قد فتح الباب جزئيا للمثلين السود ولم يتخلص بعد من عقدة العنصرية . وشارون جونسون عضو فاعل في جمعية انصار الممثلين غير البيض في امريكا. وهي تعتقد ان هذا الوضع العنصري لن تحدث فيه تغيرات جذرية في المرحلة المقبلة وتضيف اتمنى ان يحدث تعدد في الاصوات يفتح آفاقا جديدة ان من حق مجتمعنا بكل عناصره ان يعكس كل انماطه المختلفة وهذا بدوره سيعمل على مقاومة العنصرية وتنويع الانتاج الفني ويخلق فرصا للجميع. اما المسرحي الاسباني (خير ونيمولوبث) فقد قدم للندوة ورقة انتقد فيها المهرجانات الدولية وآثارها السلبية على خصوصيات التجارب المسرحية وقال ان المسرح تجميع وايجاز لعدد كبير من الفنون كلها تؤثر فيه وفي هذا الاطار فان عالمية المسرح يجب ان تعتمد على كثرة او قلة الاشارات المسرحية المختلفة المستخدمة في العرض وساهمت المهرجانات الدولية في ظاهرة استلهام الفرق عروضا تتخلى فيها عن النص في محاولة للتواصل مع المسارح الاجنبية التي تعرض عليها هذه الفرق باكثر مما تعرضه في بلدانها. وبالرغم من ان القواعد التي تتحكم في التمثيل تنمو وتتطور بشكل متواز ومع ذلك فالموضوعات تتكرر دون اي تغيير مع اختلاف المكان والشخصيات التي تم ابتكارها بمواضع جغرافية معينة لتدافع عن قوميتها. القاهرة - فتحي عامر