بدأ مهرجان القاهرة التجريبي, الذي لا اعرف اسمه الكامل بالضبط الا اذا عدت الى مطبوعاته في اول سبتمبر وماكدنا نرى بعض عروضه حتى طلب منى الاخوة في جمعية كتاب ونقاد السينما ان اشد الرحال الى الاسكندرية لاشارك في مهرجان الاسكندرية السينمائي, والذي ــ ايضا ــ لا اعرف اسمه بالضبط الا اذا عدت الى مطبوعاته, رغم انني عضو في مجلس ادارة الجمعية التي تقيم المهرجان, وبالتالي اشارك فيه بشدة . وهكذا اصبح من المستحيل التنسيق في حضور المهرجانين رغم انهما مرتبطان بدرجات مختلفة بوزارة الثقافة. والنتيجة هي الاحساس بالتقصير فلم ار كثيرين ممن كنت متشوقا لرؤيتهم, ولم ار بعض الاعمال التي كان من الممتع ان اراها. ولكن في النهاية رأيت الكثير, ولكنني هنا لا اريد ان احدثك عما رأيته بل عما عرفته. في المهرجان التجريبي رأيت عرض (مخدة الكحل) لانتصار عبدالفتاح, وعرفت ان المتعة الراقية هي لب الفن.. فالعرض يدعي انه يتعرض للمرأة ولكن ليس هذا ما يسلب لبك, فمعظم الاعمال كانت تتحدث عن المرأة. المتعة في هذا العرض هي انك تقضي ساعة في سعادة عميقة لايعكرها عليك لفظ ناب, ولا رأي سطحي, ولا فكرة ساذجة اذ تدخل غرفة كبيرة لتجد نفسك داخلها فالمشاركون في العمل على بعد خطوة منك واحيانا اقل, وقد يتيح لك مكانك ان تسند رأسك على ركبتي احد الموسيقيين. ويعتمد العرض اساسا على انغام موسيقية متشابكة ومتصاعدة لا تعزف على آلات موسيقية تقليدية بل على مالا يمكن تسميته بآلات احيانا مثل (الطشت) الذي كان مادة لاغنية ناجحة جدا في الستينات او بعدها وكانت من اكثر الاغاني ابتذالا, وها هو (الطشت) نفسه وقد عادت له مكانته وقبع في صدر المسرح مبجلا محترما. وهذا يذكرنا بما يقوله اساتذة اللغة من انه لا كلمة قبيحة ولا كلمة جميلة الا اذا وضعت في مكانها, فاذا قدمت الى حبيبتك وردة وقلت لها انها رمز لحبك, او قدمت وردة الى خصمك وقلت انك لاتريد عداوته, فهذا شيء جميل, لكن تصور غريقا في البحر يتلهف الى من يقدم له ولو قشة, فاذ باحدهم يقدم له وردة ويقول له انظر ياصاحبي الى هذه الوردة وتأمل جمالها وتقبلها هدية مني, لاشك ان هذا الغريق لو نجا فسيكره الورد طول عمره, اما اذا غرق فسيشكو لخالقه من الورد ومحبيه. ولقد رأيت الذين يشاهدون هذا العرض, ولقد فعلت ثلاث مرات وهم يجلسون مستمتعين لساعة كاملة, وتساءلت اليس الاستمتاع لمدة ساعة بموسيقى جميلة ورقص بديع, وحوار يوحي اكثر مما يصرح.. اليس كل هذا متعة. اما ما تعلمته في الاسكندرية فلقد كان شيئا مختلفا فلقد عرض فيلم اسمه (حليف الشيطان) منذ وقت, فاذا بالبعض يبلغ مجلس الشعب ان الفيلم يجدف في الذات الالهية!! تخيلوا!! والفيلم باختصار شديد عن محام بارع يكسب قضاياه وفي يقينه انها قضايا عادله, ويستمتع بنجاح كبير, يجعله يتقدم في عمله, ويحقق مالم يحققه احد من زملائه, ولكنه وهو يدافع عن متهم يشك في براءة موكله فيطلب من القاضي استراحة قصيرة ويذهب الى الحمام وامامه المرآة يتوقف وينظر الى وجهه, ولا ندرك الا فيما بعد ان نظرته الى المرآة كانت هي النقطة المركزية في حياته. ويعود المحامي الى المحاكمة, وينتزع البراءة لموكله المشكوك في براءته, ومنذ ذلك الحين تسرع خطاه ويطلب في شركة ضخمة ليكتشف انه يعمل مع (الشيطان) نفسه وان هذا الشيء الذي يتسمى باسم مستر فلان يتابع صاحبنا منذ وقت وانه هو الذي وضع قضية المتهم في طريقه, وراقبه كيف يتصرف, فلما تخلى عن ضميره, وحصل على البراءة لغير بريء, ادرك انه رجله, وما كان يصارحه الا وهو يريده لمهمه كبرى, فلقد حكم هذا (الشيطان) الدنيا طوال القرن العشرين, وآن له ان يرحل لذلك فهو يريد ان يزوجه من ابنته لينجبا شيطانا صغيرا يحكم الدنيا في القرن العشرين, ويرفض صاحبنا هذا العرض فهو يريد حياة شريفة ولكن الشيطان يزين له طريقه ويقارن بين هذا الطريق, وما تدعو اليه الاديان. وهذا مربط الفرس, فلقد اخذ اصحابنا (ولا تقربوا الصلاة) وقالوا ان في الفيلم دعوة ضد الاديان, مع ان المحامي دحض حجج الشيطان ورفض عرضه. ثم نكتشف ان هذا الجزء كله من الفيلم, رآه المحامي ببصيرته, وانه طوال هذا الوقت كان امام المرآة يفكر في المتهم الذي يدافع عنه, رغم انه غير مقتنع ببراءته. ولما رأى ما سيحدث له عاد الى قاعة المحكمة, وتنازل عن الدفاع عن هذا المتهم. ولو انك ناقشت هؤلاء المعارضين للفيلم, لرفضوا فكرة انه تعرض وجهة النظر الاخرى وتدحضها, وكأن الرسول عليه الصلاة والسلام, اتى الى مكة فقال ما قال فآمن الناس به جميعا, لم يحاجه احد, ولم يعارضه احد, في حين ان كلمة الحق علت بسقوط كلمة الباطل. ولقد قلت منذ بضعة سطور (هؤلاء المعارضون للفيلم) وهو تعبير غير صحيح, فهؤلاء المعارضون يسعون الى ذبح الرقيب الذي وافق على الفيلم ليس هذا فقط بل والجمهور الذي شاهده لو امكن والى الممثلين الذين قاموا بالتمثيل فيه لو سمحت دولتهم. وما اقوله ليس مزاحا فمن بين الاسماء في لائحتهم السوداء شيخ الازهر الذي وافق على الفيلم!! في حين ان شيخ الازهر ليس من حقه منع فيلم او السماح بعرضه الا اذا رأت الرقابة ان فيه من الامور الدينية ما يعلو على فهمها, ويحتاج الى رأي الازهر. وفي هذا الفيلم لم تر الرقابة ضرورة احالته الى الأزهر لانه وان كان يعرض رأي الشيطان الا انه يقف ضده. ولكن الذين غضبوا من الفيلم يرفضون الدخول الى هذه المنطقة التي يرونها خطرة. وفي هذا المهرجان ــ اقصد مهرجان الاسكندرية فلقد تشابكت المهرجانات كما ترى ــ جاء المخرج محمد راضي وهو في اسوأ حالاته لانهم رفضوا فيلمه عن اغتيال الرئيس السادات ولم يبد انه مقتنع باية حجة تقال لهذا الرفض. وانا ضد اي منع لاي فكرة, لكنني عندما اخذت اتأمل الحادث وتصورته على الشاشة وجدته مليئا بالصدمات التي تقلق اي نظام, ويتبارى الموجودون في التباكي على افلام وافكار منعت او قصها الرقيب لانها ولجت مجالا من المحظور الاقتراب منه, وهكذا وجدنا انفسنا بين تيارين, احدهما يريد اغلاق كل الجهات الاربع على المبدعين والثاني يريد فتح كل الابواب لهم. ويبدو ان هذه طبيعة الاشياء, وان هذا الصراع سيدوم الى الابد. وفي العام الماضي كنت رئيسا لهيئة التحكيم في المهرجان ــ واعنى به مهرجان الاسكندرية فلقد اختلطت المهرجانات ــ اما في هذا العام فأنا المشرف على الندوات وهي مهمة لم اعرفها وربما مازلت احاول ان اتفهمها. ومن المفروض ان ارشح من اقترح لادارة كل ندوة, والندوات كثيرة, والفندق الذي يقام فيه المهرجان مليء بالكتاب والصحفيين والفنانين, وبالتالي وجدت الامر سهلا, ما على الا ان اتحدث مع من ارشحه, واحدد له موضوع وموعد الندوة, واتصلت باولهم ورفض لانه لايحب الظهور, والجلوس على المنصة في الندوات هو ظهور مقيت, واتصلت بالثاني فقال مذهولا: اتريدني ان ادير ندوة يشارك فيها فلان, الم تسمع بما حدث بيننا؟ ان هذا الفلان اساء الى كما لم يفعل شخص آخر, ولقد اقسمت ان اقضي عليه مقابل هذا, واتصلت بالثالث فابتسم مرحبا, وسألني من سيدير الندوة الفلانية؟ فقلت له انني ارشح فلانا! فقال لي؛ وهل تظن ان فلانا احسن مني فتعطيه الندوات السمينة وتعطيني انا الندوات الهزيلة لا يا استاذ انا لن اشارك في اي ندوات, واتصلت بالرابع فقال لي: على رأسي ولكن في نفس وقت الندوة سأكون مشغولا ففي هذا الوقت ساكون في لقاء مع السيد المحافظ لترتيب بعض الامور الهامة. ولا اظنك ياعزيزي القارىء تحتمل بقية المسبحة فلقد ظللت اعرض, وظلوا يعتذرون واضطررت ان ادير الندوات وظننت انني اقوم بعمل فدائي, فاظن انه من الصعب ادارة ثلاث ندوات في يوم واحد, ومعظم هذه الندوات مشروط برؤية فيلم, وفي بعض الاحيان يكون الفيلم سخيفا. وفوجئت ان الاول والثاني والثالث والرابع ومن تلاهم يحتجون على تفردى بادارة الندوات, فلما اقسمت انني عرضت عليهم اولا, سألني صاحبي الخبير: وهل الححت عليهم؟! فلما اجبته بالنفي. قال: كانوا يتوقعون منك هذا. زمن!!