مع النمو والتطور الكبيرين اللذين شهدتهما النظريات التعليمية والتربوية والنفسية في العالم, تحولت المؤسسات التعليمية إلى قطاعات انتاجية على غاية من التميز والحساسية وبالمقابل أصبحت الصياغات والممارسات التي تسلكها هذه المؤسسات معقدة وتتطلب الكثير من الخبرات والجهود الدقيقة والمتواصلة . فالتعليم الآن وفي الدول المتطورة والباحثة عن التميز, تجاوز تماما الصيغة العفوية والتقليدية التي نعرفها, والتي لا تزال غالبية الدول العربية تأخذ بها, ولعل احدى أهم النقاط التي تركز عليها الأساليب الجديدة هي اعتبار السنوات التعليمية الأولى القاعدة الأساسية ونقطة الارتكاز التي سينهض عليها ومن خلالها الطالب في سنواته الدراسية المستقبلية, وحياته العملية بصورة عامة, ولذلك فإن الجهود والتركيز ينصب على هذه السنوات وفق جملة من الأساليب الاستكشافية والاستقرائية للوقوف عند المواهب والمقدرات الكامنة وبالتالي العمل على تأسيسها وتفعيل حضورها لدى الطالب وتوجيهه نحو مكامن القوة التي يمتلكها, لأن الأمر وإذا ما نظر إلى نتائجه مستقبلاً سيوفر العديد من السنوات على الطالب والمؤسسة المعنية, في اخراج أجيال لها علاقة بالتخصص والإبداع والتطوير الذي ستحصد من خلاله الدولة والمجتمع عموما الكثير من النتائج الإيجابية. مراكز ثقافة الطفل في الشارقة ليست بعيدة عن هذا التوجه ولعل الفكرة الأساسية التي تقوم عليها هذه المراكز هي تأسيس الطلبة وتأهيلهم النفسي والتعليمي بحيث تكون حلقة وصل بين المراحل التعليمية التي يمر بها الطفل وصولاً إلى المراحل الاكاديمية, بحيث يستطيع هذا الطالب الاختيار الجيد والمناسب أمام التفرعات العديدة التي قد تشكل أحد المطبات التي يعاني منها بمعنى ان يختار ما لا يناسبه ويتماشى مع قدراته وطاقاته وموهبته. وعلى مدى الأشهر الماضية شهدت مراكز ثقافة الطفل بالشارقة العديد من الورش والدورات التعليمية التي استقطبت الأطفال والطلاب في خطة لشغل أوقات فراغهم وصقل مواهبهم في اطار تدريبي وتعليمي تشرف عليه مجموعة من المدرسين والمتخصصين, ومن هذه الورش جاءت ورشات الفنون التي شملت العديد من الاتجاهات الفنية وتوزعت على كافة المراكز داخل الشارقة والمناطق التابعة لها, وفي هذه الدورات يتلقى الطلبة جملة من المهارات الفردية في التعامل مع الألوان والمواضيع والمشغولات الحرفية اليدوية. وكمحصلة لهذه الدورات التي امتدت على مدى الأشهر المنصرمة تستعد المراكز لاقامة معرض جماعي يمثل حصيلة ما انتجته الجهود المبذولة وما استفاد منه الأطفال عبر لوحات ومشغولات متنوعة يقدمون من خلالها ما لديهم من أفكار وطاقات ومواهب. سيقام هذا المعرض بمركز الشارقة للفنون (منطقة الشويهين) , وسيشرف عليه لجنة تحكيم مؤلفة من فنانين محترفين سيتولون تقييم الأعمال وفرزها واختيار بعض التجارب المتميزة لمنحها جوائز تشجيعية. أعمال هذا المعرض ستكون متنوعة لكنها متميزة بحالتها العفوية التي يستشف من خلالها مدى الحرية التعبيرية التي منحت للأطفال لقول مايريدون عبر أعمال طفولية تحتوي على متعة الرؤية الخاصة للطفل والأسلوب التي يري فيها العالم ويعبر عنه. ولابد لمن يشاهد هذه الأعمال التي يقدمها أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة ان يشعر بمدى أهمية مثل هذه التجارب في حقل المواهب وارشادها نحو الاتجاه الإيجابي الصحيح. وبالشكل العام لهذا المعرض والذي يصعب تناوله إلا من خلال رؤية منفتحة على عوالم الطفل الخاصة, فإنه يمثل حالة إيجابية وصحية ونظرة مستقبلية تسعى لأن تؤسس الأجيال الجديدة وان تنمي ما لديهم من قدرات لها ان تبشر بكل ما هو خير ومفيد للشارقة ودولة الامارات بصورة عامة. وحاليا تجري التحضيرات داخل مركز الشارقة للفنون الذي سيفتح أبوابه وصالاته لاستيعاب الأعداد الكبيرة من اللوحات والمشغولات استعدادا لافتتاحه قريبا. كتب - حازم سليمان
