كنت ومازلت أعتقد انني من الأشخاص الذين لم يجدوا في تقاطيع اسمهم دلعا, فقد ولدت باسم بدوي ثقيل, يأخذ من اتساع الصحراء عمقاً, ويرحل في ركاب الظاعنين, لهذا لم أجد حرجا عندما يتعثر الكثيرون في نطقه, أو يبطحون حروفه أرضا دون قصد.. ولم أحاول التفكير مرة في تغييره الى آخر كما فعل أو يفعل البعض من الذين ولدوا هكذا باسم لم يختاروه, ووجدوا حرجا فيه . وأعرف الكثير من الاشخاص الذين اعتنقوا مذهب التغيير, لكنهم لم ينجحوا كثيرا في فرض اسمائهم الجديدة على ساحة من عاشوا معهم سنوات الاسم القديم, ومن هؤلاء زميل دراسة اسمه سمير لم أره منذ 16 عاما, وجمعتني الصدفة به مؤخرا في أحد الأعراس وما أن نطقت اسمه الا وتغير وجهه وتلون بألوان قوس قزح, وببرود تام أخذ السلام لكنه لم يبسط للحديث أرضاً فقد انسل بين الحضور واختفى عن لمحة العين.. وعرفت فيما بعد أن سمير هذا ليس بسمير الذي كنت اعرفه فقد لبس اسماً جديدا وأصبح بعد التغيير سالماً.. وهو في ذلك لم يختلف عن آخر كان اسمه سبيل غير اسمه الى سعيد وبهذه المناسبة أقام حفلا للاصدقاء والمعارف, وعندما انفض الحفل شكر جميع الحاضرين سبيلاً على هذه الأمسية الجميلة ولم يشكروا أو يذكروا سعيداً هذا الضيف الجديد على ذاكرتهم! عموما تعصف بعض الاسماء الجديدة بالاخرى القديمة الارض, خاصة بين فئة النجوم أو من ارتقوا سلم المجد والفن والشهرة. ومن يدقق في البطاقات الشخصية لنجوم السينما والطرب يرى عجباً, لأن اغلب هؤلاء النجوم تركوا اسماءهم الحقيقية واستبدلوها بأخرى اكثر إثارة ولمعانا, ابتداء من عمر الشريف وانتهاء بشهيرة. بل ان اغلب هؤلاء لم يعد يذكر اسمه القديم بعد ان دارت العجلة واصبح لاسم الشهرة مذاق آخر.. فقد كان للاسم وقع في نجاح اي وجه جديد يدق أبواب الشهرة أو يتطلع اليها وذلك طبعا بعد الموهبة الحقيقية التي يتمتع بها, والشخصية والحضور والقبول من الجمهور. ومن يستعرض أسماء الفنانين العرب قديمهم وحديثهم يرى ذلك ويلمسه, فها هو الفنان القدير نور الشريف يخرج من اسمه الحقيقي محمد جابر ويختار في مطلع الستينات اسم نور ليرسم بهذا الاسم بداية مسيرته الفنية ويصبح نجما يشار اليه بالبنان, ثم ينهي في السبعينات ازدواجية الاسم بعد ان قرر تثبيت اسم نور الشريف بدلا من محمد جابر في بطاقته الشخصية. وكثيرون يجهلون حتى الان الاسم الحقيقي للفنان عمر الشريف الذي بدأ بطرق ابواب السينما باسمه الحقيقي وهو جورج شهلوب لكنه لم يجد مكانا له وهو الذي كان معروفا في أوساط الطبقة الارستقراطية, وبسهولة عرف جورج شهلوب عائق الاسم فبحث عن آخر جديد ووجده في عمر الشريف الذي أوصله الى العالمية. لقد فرضت السينما ومازالت نمطا معينا في انتقاء اسم الفنان, فهي تعتمد السهل الرنان الذي يعلق في ذاكرة المشاهد, فمثلا لو اعتمد اسم يولا شفيق وهو الاسم الحقيقي للفنانة نادية لطفي على اعلانات اول افلامها السينمائية فلربما أدى ذلك الى سقوط الفيلم كما يعتقد منتجه رمسيس نجيب الذي قام بإعلان مسابقة لاختيار اسم فني عبر الصحف وكان من نصيب يولا شفيق ان تلبس اسم نادية لطفي وتشتهر به. ومثلها في ذلك كانت الفنانة تحية كاريوكا التي تحمل اسما عاديا جدا هو بدرية محمد كريم والتي اشتهرت بأداء رقصة الكاريوكا الصعبة جدا وحققت نجاحا فيها مما استرعى انتباه صناع السينما لكنهم وقفوا كثيرا عند اسمها واخيرا قرروا استبداله الى تحية كاريوكا. ولا تبتعد الفنانة شادية عن ذلك الاتجاه كثيرا فقد كان اسمها الحقيقي فتوش وهو اسم تركي يعني باللغة العربية فاطمة, وقد وجد المخرج أحمد بدرخان ــ الذي اختارها لبطولة أحد افلامه ــ ضرورة تغيير اسمها الى شادية لكي يسهل على الجمهور معرفته, ونجح في ذلك نجاحا باهراً. ولو حاولنا استعراض اسماء فنية اخرى لوجدنا الكثير منها تركت اسمها الحقيقي واستبدلته بآخر اكثر لمعاناً, ومن هؤلاء الفنانة اللبنانية صباح أو كما يطلق عليها الشحرورة, فاسم صباح الحقيقي هو جانيت فغالي وعند بدايتها وجدت صعوبة في الولوج الى الوسط الفني بهذا الاسم الصعب رغم موهبتها وتميزها, فاختار لها الفنان عبد السلام النابلسي اسم صباح الذي قاد تألقها الفني حتى الان. ويأتي اسم الفنانة شهيرة في ركب النجوم الذين عرفناهم بها, بينما الحقيقة ان اسمها هو عائشة محمد حمدي, وقد اضطرت الى استبداله باسم الشهرة شهيرة, خوفا من اهلها عندما التحقت بالوسط الفني دون دراية أو علم منهم, وعندما تزوجها الفنان محمود ياسين طلب منها الحفاظ عليه. اما الفنانة برلنتي عبد الحميد فكان اسمها الحقيقي هو نفيسة, وكانت طالبة بالمعهد العالي للفنون المسرحية, وكان الاسم (دقة قديمة) كما يقول لها الزملاء, ولهذا ومن خلال ماتتعرض له من سخرية يومية التجأت الى عميد المعهد زكي طليمات فطلب منها تغيير اسمها, فرفضت في بادىء الامر ثم رضخت للاسم الجديد الذي اوصلها الى قمة النجومية.. ومثلها الفنانة هنومة محمد او بشكل أدق مديحة يسري التي ظهرت لاول مرة مع الفنان محمد عبد الوهاب في فيلم (يوم سعيد) الا ان مخرج الفيلم محمد كريم قرر وبشكل صريح عدم وضع اسمها في الاعلانات الا اذا غيرت اسمها, وبعد أخذ ورد ظهرت هنومة محمد باسم جديد هو مديحة يسري. وهكذا يصبح للاسم عالم آخر يحددك قبل ان تحدده أو تفرضه عنوة على الآخرين, فقل لي ماهو اسمك أقول لك من أنت!