وقف محمد امام سكرتيرة شركة صديقه يسألها, ان كان صديقه متواجدا في مكتبه, كانت الساعة العاشرة مساء, اجابته السكرتيرة انه لم يحضر اليوم. رد عليها بأنه شاهد سيارته واقفة بالخارج, فقالت له انها واقفة منذ ايام وانه يستخدم سيارة اخرى, خرج الى موقف السيارة واخذ يتلمس مقدمتها واطرافها, ويضع يده على اطاراتها. من يشاهد محمدا في هذه الحالة, وفي هذا الظلام لا يشك انه لص عينه على السيارة . انتبه الصديق الذي كان في مكتبه العلوي يراقب الشارع, الى وجود محمد بالقرب من سيارته, وانتبه الى حركاته, وفهم منها انه يريد التأكد ان كانت ساخنة وان صاحبها حضر بها هذا المساء, ارسل الفراش مسرعا لينادي محمد بالدخول من الباب الخلفي, الا ان محمدا كان اسرع, فقد ركب سيارته وذهب, بعد ان تأكد بالدليل على ان صاحبه بالداخل وان سكرتيرته تكذب كعادتها. مسؤول آخر يحب النادي الذي ينتمي اليه الى درجة انه حوله الى بيته الاول في السنوات الماضية, يحرص على التواجد فيه ولساعات طويلة, في الفترة الاخيرة تعب من هذا النادي, وقصر الزيارة على مرة في الاسبوع او الشهر, بعدها اكتفى فقط بالتواصل عن طريق الهاتف. هروبه من التواجد في النادي سببه افواج الناس المنتشرة يوميا في اروقة النادي, وجود الجمهور امر يدعو للفرح وهو مطلب تتمناه اية مؤسسة اجتماعية رياضية, المسؤول يعرف ان هؤلاء لم يدخلوا النادي حبا او رغبة في ممارسة اي نشاط فيه, انهم جاءوا ليبحثوا عنه هو, وانهم سيتواجدون كل يوم وسيزداد عددهم ايضا كل يوم من اجله هو فقط. مسؤول ثالث شاهدته يخرج من المسجد, بخطوات متسارعة متلثما, تعرفت عليه من خلال سيارته التي اوقفها بعيدا, وسار بها في سكة خلفية مظلمة, كان يهرب من وجوه الناس في الشارع ومن ان يتعرف عليه احد في المسجد. رابع يصف حاله وهمه, كنت بباب الحرم ممسكا بطفلي وابحث عن مكان اضع فيه نعلّي اشعرت بملامسة كف على كتفي العاري, التفت اليه, إذا به شخص من اهالي البلد, استغربت كيف تعرف عليّ, وانا بلباس الاحرام وكيف ميزني وسط هذا الزحام, وماذا يريد مني في هذا المكان, وتكلم: عندي معاملة.. واذا به حديث عن العمل, يطاردني حتى هنا, قاطعته بأن أمسكت يده, وتحركت به الى منتصف الحرم واشرت الى الكعبة المشرفة, قلت له: اطلب من رب هذا البيت واجعل مرادك اكبر واثمن من شؤون الحياة وما فيها. هذه صور ونماذج لحالات وشكاوى كثيرة هذه المرة تصدر من مسؤولين, فكثير من الناس يتناسى ان المسؤول وتحديدا القائم على عمل يرتبط بمصالح الناس, انه في النهاية موظف وانسان. موظف لان سلطاته لها حدود وصلا حياته تتوقف عند سقف معين, وانسان له طاقة في الاداء والاستماع والكلام والصبر, له حياة خاصة, احلام ورغبات وهوايات, يحتاج في بعض الاحيان ألا يحمل عمله الى بيته وسرير نومه, ان يغلق على وظيفته الرسمية باب مكتبه, وألا تلاحقه في الشارع والمطعم والاسواق والنادي والحديقة والمسجد, يحتاج إلى الهدوء والاحساس بالحياة بعيدا عن كرسي الوظيفة العامة. هذا الفاصل بين مسؤوليات الوظيفة وحدودها ومواعيدها وبين حقوق هذا الانسان في الحياة السوّية, متى ما حاول ازالته وتخطية, فأن هذا المسؤول قد يتصرف بما قد يخالف طبعه واخلاقه, وبما قد يغضب الانسان الذي امامه. احيانا كرسي المسؤولية يعطي صاحبه امتيازات يحسده عليها من يعدها ويراقبها عليه, لكنه قد يفقده اشياء قد تكون صغيرة وبسيطة لكنها ضرورية للانسان, اشياء لا تعوض. انها ضريبة الكرسي!