زمان.. قال أمير الشعراء أحمد شوقي انه لا يخاف على اللغة العربية الا من بيرم. وكان يقصد شاعر العامية الأعظم بيرم التونسي . وربما كان شوقي يقول ذلك من باب التقدير والاعجاب ببيرم الذي عرف كيف يستخدم العامية استخداما عبقريا في شعره, ليصبح شاعر الشعب القريب من نبض الناس ومشاعرهم وآلامهم وآمالهم. لكن بيرم كان مثقفا حقيقيا, وكان دارسا للشعر العربي الفصيح, عارفا بدروبه, ولذلك استطاع أن يرتفع بالعامية لتصبح لغة للشعر, ولم يكن ذلك عن عداء للعربية الفصحى التي كان يعشقها ــ بل كان اضافة لها. الآن.. تبدو الأخطاء على العربية أكثر من ان تحصى. بدءا من أغاني الـ (كامننا) و(كاتش كادر في الألولو) , وحتى المذيعة التي تدعوك لسماع هذا الفاسل الموسيكي (تقصد الفاصل الموسيقي) أو تلك التي ارتدت يوما ثوب الثقافة لتحدثنا عن (اليهوديين) وتعصبهم, مرورا بأسماء المحلات والشركات التي تخاصم العربية, ولغة التخاطب اليومي التي تحولت إلى لغة هجين أو (خلطبيطة) . لكن الخطر الأكبر كما أراه, يكمن في بدعة التدريس باللغات الأجنبية. وهو شيء يختلف عن معرفة اللغات الأخرى الذي هو أمر ضروري ولا غبار عليه ولا بد من تشجيعها لنتواصل مع العالم من حولنا. معرفة اللغات الأجنبية أمر طيب لابد من تشجيعه في ظل عالم يزداد تقاربا. ولكن التعليم باللغات الأجنبية في مدارسنا أمر آخر لابد من الوقوف عنده حتى لا نفاجأ ذات يوم قريب بأننا أمام كارثة حقيقية. لا يحدث هذا إلا في عالمنا العربي. لا توجد أمة في العالم تترك لغتها لتعلم أبناءها بلغة أخرى. كنت في المجر قبل سنوات.. دولة صغيرة يسكنها بضعة ملايين ما زالوا يبحثون عن أصلهم, ويشعرون بالغربة عن أوروبا, ويتحدثون لغة لا يتحدثها غيرهم, ومع ذلك فوجئت بمئات الطلبة العرب (والمصريين أساسا) يذهبون إلى هناك لدراسة الطب, وعرفت ان القادرين من العرب يرسلون أبناءهم ليقضوا عامين أو ثلاثة ثم يتم تحويلهم إلى الجامعات العربية. انها إحدى طرق التحايل لدخول كليات الطب من طلبة خائبين ولكنهم قادرون. المهم ان المجر تعرف اللعبة وتفتح جامعاتها لذلك, ولكن باللغة المجرية, وان الطلبة العرب الذين يأتون يقضون عاما أو عامين في دراسة هذه اللغة, ثم يقضون عاما أو عامين في دراسة الطب, قبل أن يعودوا ليستكملوا دراستهم في أوطانهم.. وباللغة الانجليزية في معظم الأحيان. لان معظم البلاد العربية تعتبرها اللغة (الشرعية) للدراسة في كليات الطب والهندسة وغيرها. الآن.. تبدأ الدراسة بالانجليزية أو الفرنسية للأطفال منذ دخولهم المدارس, ورغم تحذيرات رجال التربية بأن ذلك يعرض الأبناء للتشويه النفسي فإن المأساة مستمرة. والنتيجة جيل يتعلم بالانجليزية, ويعيش بالعربية, و(يرطن) بلغة هجين, ويفقد في النهاية هويته الثقافية ولغته العربية, ويتحول في النهاية إلى مسخ مشوه. والمشكلة اننا نملك لغة قادرة على التعامل مع كل مبتكرات العصر, ولكننا ــ كالعادة ــ عباقرة في اهدار ما لدينا من امكانيات. وعباقرة في قبول ما يفرضه علينا (الآخرون) حتى ولو كانت النتيجة أن تضيع هويتنا وأن نتحول إلى ببغاوات نرطن بالانجليزي أو الفرنساوي.. وتلك طبيعة المهزومين في كل زمان ومكان. وقارنوا ذلك بما حدث في الستينات, حين ذهب عبدالناصر إلى الأمم المتحدة, وأصر أن يلقي خطابه باللغة العربية. ولاننا كنا أمة صاعدة في ذلك الوقت, فقد كانت النتيجة أن قررت الأمم المتحدة أن تكون (العربية) هي اللغة الرسمية السادسة فيها. الأمم المتحدة اعترفت بلغتنا, ولكننا لا نعترف بها, ونوجه لها الاهانات, ونتصور ان (الرطانة) بالانجليزية أو الفرنسية هي علامة الامتياز والتقدم. وقارنوا ذلك بما تفعله اسرائيل, التي أحيت لغة ميتة, وجعلتها لغة لـ (الدولة) التي قامت على الاغتصاب, وتريد الآن أن تجعلها لغة عالمية مستغلة تقدمها في صناعة الكمبيوتر, وانها الآن هي الدولة الثانية في العالم في انتاج (السوفت وير) . وهي تعتمد الآن سياسة طويلة المدى لتعليم العالم كله لغتها العبرية, ومواقعها باللغة العبرية على الانترنت عديدة وكثيرة. لقد نجح اليهود (أو اليهوديين على رأي أختنا المذيعة المثقفة) في تحقيق المعجزة.. نبشوا القبور وأخرجوا لغة ميتة وفرضوها لغة للدولة الجديدة, وها هم يفرضونها على العالم كله. أما نحن فنملك اللغة التي استوعبت علوم الدنيا ونقلتها لأوروبا لتصنع الفجر الجديد والنهضة الهائلة, ثم نتخلى عن هذه اللغة ونتعلق بلغات الآخرين.. ظنا منا بأنها طريق التقدم الوحيد. والتبرير الذي يقال لنا ان العلم الآن لغته هي الانجليزية, وان التقدم صناعة أمريكية, وان (العولمة) سوف تفرض على الجميع ان يتحدثوا باللغة المنتصرة.. وهي الانجليزية, وإلا فإن التأخر هو نصيبهم. والرد جاهز.. فلو صح ذلك كله, فإن علينا أن نتعلم الانجليزية وباللهجة الأمريكية ان أمكن لكي نتابع ما يجري حولنا. ولكن ذلك شيء لا يتنافى مطلقا مع أن يكون التعليم في كل بلد بلغته القومية. وفرنسا على سبيل المثال ــ تخوض معركة هائلة ضد سيطرة الثقافة الأمريكية تستهدف منها أن تكون الفرنسية هي لغة أوروبا الموحدة الأولى. وهي تعاقب على استخدام أي لغة أخرى في المعاملات الرسمية. ثم إن (العولمة) التي يبشرون بها لم تقض على الشخصية القومية لأي أمة, بل على العكس من ذلك ساعدت على تمسك كل أمة بشخصيتها. والغرب يقبل ذلك من الجميع الا من العرب.. لأسباب لا علاقة لها بالعلم والتقدم, وإنما بضرب الأمة العربية والقضاء على لغتها, والثأر من وحدتها التاريخية. الغرب يقبل ذلك ويشجعه ويسانده حتى يكون متفقا مع مصالحه. ولعل ما يجري في الجزائر يكون درسا لنا. ففرنسا تقاتل من أجل اللغة الفرنسية ضد التعريب, والغرب الذي يبشر بالعولمة يشعل النار ويخترع للبربر لغة خاصة حتى يقسم الجزائر. بل ان نار (الامازيجية) لا تهدد الجزائر فقط.. بل شمال افريقيا كله. وحتى يتضح حجم الخطر, ففي مصر الآن من يتحدث ــ بتشجيع أمريكا والغرب ــ عن لغة قبطية, وعن لغة نوبية!! إنها فضيحة قومية تلك التي تجعل الذين اخترعوا للدنيا علم (الجبر) يتعلمونه الآن بالانجليزية ــ وتجعل الذين وضعوا أسس علوم العمارة والطب بالعربية يقولون الآن ان لغتهم عاجزة عن استيعاب تلك العلوم. إنها فضيحة قومية ان نحيل واحدة من أعظم لغات الدنيا وأكثرها ثراء إلى المعاش, لان طبقات جديدة ظهرت تمد بصرها إلى أوروبا وأمريكا وتتصور ان لديها الحكمة كلها والعلم كله والحضارة كلها, وأن لغتنا سبب (الوكسة) التي نعيشها وهي بريئة من ذلك كل البراءة. إنها فضيحة قومية ان يخرج جيل عربي جديد لا يعرف كيف يعد من واحد لعشرة بالعربية, لانه يدرس كل العلوم بلغة الأسياد الجدد, ويعتبر الحديث بالعربية علامة من علامات التخلف! وكما في السياسة يتعامل البعض في هذه القضية بدعوتنا إلى أن نكون واقعيين ونعترف بأنه لا سبيل أمامنا للتقدم إلا بأن نتحدث كما يتحدث المتقدمون, والمتقدمون هنا هم أهل الغرب, وسيرنا وراءهم قدر محتوم. طيب.. بعد عشرين سنة ستكون المقدمة للصين, هكذا يتوقع الخبراء في العالم كله, فهل سنتحدث يومها باللغة الصينية؟! وهل سنرى أولادنا يرطنون بالصيني, أم سيتمسكون ساعتها بالانجليزية وينضمون إلى المتخلفين؟! .. وقبل أيام, كنت أناقش هذه القضية مع أحد الخبراء المرموقين العارفين ببواطن الأمور. واستمع الرجل إليّ طويلا, ثم قال بوقار شديد: ــ خليها على الله.. و(كاتش كادر في الألولو) . ووجدتني أرد عليه بوقار أشد: ــ كامننا..!!