في صباي كان موضوع العفاريت يشغلني ليل نهار والحكايات عنها وعن نوادرها مع بعض عجائز قريتنا تلهب الخيال, وتجعلني أتوقع ان أجد نفسي وجها لوجه امام عفريت وراء كل ناصية في الطريق أو شجرة في الحقل, وأعد نفسي لهذا الاحتمال, بمزيج من الخوف وادعاء الشجاعة والرغبة في التعرف على المجهول . غير اني كنت على يقين بأن لقائي مع العفريت سوف ينتهي نهاية طيبة, واني سأكون قادرا على كسب وده, فنصبح صديقين وربما عقدت معه معاهدة تعاون على السراء والضراء... ومن يدري؟ لعلني استطيع اقناعه بتشكيل فرقة من العفاريت من اجل تحرير القدس... وساعتها, قل على اسرائيل وحماتها السلام! وهكذا, تغلب التفاؤل على الخوف, فأصبحت أغلى امنية لديّ ان ألقى عفريتا, فبهذا اللقاء سوف تنتهي كل المشاكل الخاصة والعامة على حد سواء, وسأصبح رجلا خارقا مثل الرجل الوطواط أو الرجل الاخضر, أو هرقليز الذين نشاهدهم على الشاشات الصغيرة والكبيرة... وكم سيكون جميلا حينذاك طعم الحياة. حتى كان ذات يوم... عدت الى قريتي في اجازة صيف, لأجد الجميع هناك, الكبار والصغار والنساء بنوع خاص, لا حديث لهم سوى عفريت ــ أو عفريتة ــ أبو اليزيد الذي يظهر في الحقول حول ساقية (الحساينة) , بعينين تقدحان شررا, وأظافر مثل قرون الخروب, والدم ينزف من صدره, ويطلق أصواتا مثل فحيح الثعابين, يصعب فهمها, وإن كان بعض شهود العيان فسروها بأنها تتوعد بالانتقام من قاتليه. وكان أبو اليزيد قد لقي حتفه قبل ذلك بأسابيع, واكتشفت جثته وسط حقل قطن بالقرب من ساقية الحساينة, ممزقة بأكثر من عشرين طلقة رصاص, ولم يتعرف احد على قاتله, ولم يتطوع احد بالشهادة ــ بل ان القرية كلها تنفست الصعداء للخلاص منه ــ فقد كان القتيل (مسجل خطر) وقاتلا محترفا بالأجر, ويعيش على الاتاوات التي يفرضها على أهل القرية, وكثيرا ما كان كبار الملاك يستأجرونه لإرهاب المزارعين. والآن, ها هو عفريته ــ أو عفريتته ــ يتوعد بالانتقام... والمسألة لم تعد مجرد اشاعة, فالذين شاهدوا العفريت ورأوه رأي العين احياء موجودون, والاسطى حماد النجار يقسم بأغلظ الايمان انه رآه بعينيه جالسا على قمة ساقية الحساينة يدخن الجوزة ومدفعه الرشاش بجواره, اثناء عودته ذات ليلة عبر المزارع من القرية المجاورة. ويوسف المزين يحلف برحمة ابيه وأجداده انه طارده حتى اختفى منه وسط المقابر. وعشرات غيرهما, رجال ونساء وأطفال, يرددون نفس الروايات, وبنفس التأكيد. إذن, فالفرصة سانحة لكي أحقق الامنية التي ظلت تشغلني طوال سنوات الصبا, وحتى بعد ان غادرت القرية لاستكمال دراستي بالعاصمة. وهكذا, ما ان نامت القرية في أحضان الليل حتى شهدت شوارعها الخالية شابا ــ أقرب الى الطفولة منه الى الشباب ــ يسرع الخطى خارجا الى المزارع في اتجاه ساقية الحساينة. ويده اليمنى في جيبه متشنجة على مقبض مسدس عتيق من طراز كولت (استعاره) من دولاب ابيه ــ دون علمه بالطبع ــ واطمأن الى ان خزانته بها تسع طلقات قبل ان يتسلل الى الطريق. ومن المؤكد, لو ان احدا شاهد ذلك الشاب في تلك الساعة المتأخرة من الليل, ووسط ذلك السكون الهائل الذي يلفها من أقصاها لأدناها, وفي ضوء القمر الشاحب الذي ضاعف السكون من شحوبه, لأقسم لأترابه في الصباح انه رأى بعينيه عفريتة أبو اليزيد تتجول بين بيوت القرية. ولكن, لم يكن هناك أحد بالمرة خارج داره في ذلك الوقت من الليل, ولم يكن هناك صوت سوى نقيق الضفادع الرتيب الذي أخذ يرتفع كلما تراجعت البيوت وأقبلت المزارع, وسوى وقع خطواتي التي كنت أحس بها تزداد ارتجافا كلما اقتربت من المقابر, التي لابد أن أمر بها قبل الوصول الى ساقية الحساينة. كان قلبي ينتفض بشدة حتى يكاد يقفز من بين ضلوعي. ونوبة الشجاعة تفارقني وتبتعد عني كلما أوغلت في الطريق.. وأنا أتلفت حولي متوقعا مفاجأة تخرج من بين أعواد الذرة في أية لحظة.. وحتى أستعيد بعض الثقة أخرجت المسدس من جيبي, ممسكا به على طريقة الكاوبوي في أفلام الويسترن.. مستعدا لاطلاق النار لدى أول طارىء. ومن أجل مزيد من الثقة, وحتى أخفف من حدة الرعشة التي أخذت تهز جسدي كله, رحت أتلو آية الكرسي, أولا بلا صوت, ثم بصوت مرتجف.. وعيناي لا تكفان عن الالتفات المذعور بين حقول الذرة على يميني ويساري.. والطريق يضيق شيئا فشيئا حتى اصبح مجرد ممر لا يسع سوى عابر واحد, والقمر فوق رأسي اكبر من نصف بدر.. ثم ها هي ساقية الحساينة على بعد خطوات. وفجأة, وأنا اتلفت يمينا, رأيته على بعد خطوتين, وسط أعواد الذرة متدثرا بثوب ابيض يغطي رأسه. وجالسا القرفصاء, وظلال أوراق عيدان الذرة في ضوء القمر الباهت تكاد ترسم تفاصيل الذراعين والكتفين المغطاة. هتفت, أو بمعنى أصح صرخت بصوت مرتعش مكتوم ومسدسي يهتز في يدي في محاولة مهزوزة لتقليد ستيف أوستن. من أنت ؟ انطق.. قف على قدميك.. لم ينطق ولم يتحرك.. كررت الصرخة.. في هذه المرة كان صوتي اكثر وضوحا.. ويدي على المسدس اكثر حسما... ولكن لا جواب. قف والا سأطلق النار!! كأنه لم يسمع.. مازال قابعا في مكانه لا يتحرك.. وهنا, كانت لحظة الالتقاء الرهيبة بين منتهى الخوف, ومنتهى الشجاعة. فانطلقت الرصاصات. واحدة اثنتان... ثلاثة... تسعة... حتى اذا ما أيقنت ان الخزانة قد خلت, أخذت ذيلي في أسناني ورحت اجرى باقصى ما استطيع, ولم أكف عن الجري الا بعد ان ارتميت على فراشي, وان كان الرعب لم يمنعني من توخي الحذر حتى لا يسمعني أحد بالمنزل وأنا أدخل.. مثلما خرجت, ثم وأنا أعيد المسدس الى مكانه قبل أن يكتشف أحد اختفاءه. في ضحى اليوم التالي, أخذت طريقي مرة اخرى في اتجاه المقابر, ثم الى ساقية الحساينة, وفي نفس المكان الذي حدثت فيه واقعة الامس رحت أفتش عن (العفريت) متسائلا عما حدث له بعد أن أفرغت فيه تسع رصاصات. فاذا بي اكتشف ان ما ظننته رجلا مقرفصا ومتدثرا بالبياض لم يكن اكثر من حجر هرمي الشكل, من تلك التي كانوا يستخدمونها لترسيم حدود الحقول قبل أن يأخذوا بنظام قضبان الحديد. وفي ضوء شمس الضحى استطعت ان أرى آثار الطلقات التسع على الحجر الابيض. ولم يثر اطلاق الرصاص اي تعليق في مجالس القرية بالبيوت او في مقهاها الوحيد.. ذلك ان اطلاق النار في الهواء امر معتاد في هذا الوقت الذي يوافق موسم جني القطن وتقليم الذرة.. حيث يطلق المزارعون بنادقهم لتخويف اللصوص, أو لتبادل التحية.. او لمجرد التسلية.. ولا أدري, هل ما زالت هذه العادة موجودة, ام اختفت مثل كثير من العادات التي انطمست تحت وطأة الأيام.