في خطوة مثيرة للجدل العلمي, انجز الباحث السوري الشركسي الاصل (منذر بج) كتابه الموسوم بـ(الاصول الشركسية في اللغة السومرية)وقد سعى فيه الى توضيح العلاقة اللغوية بين السومرية كأقدم لغة حضارية في بلاد ما بين النهرين, واللغة الشركسية لبلاد جبال القفقاس التي تضم قوميات عدة نذكر منها: الشركس, القباردي, الشيشان, الانجوش, الاسيتين . وقد امضى الباحث اكثر من عشر سنوات منقبا بين المراجع والمصادر والوثائق والمتاحف, بالاضافة الى مراسلات عديدة مع المستشرقين المعنيين بأمر اللغة السومرية, ليتمكن من اثبات هذه العلاقة بين اللغتين, والمطلع على النظام اللغوي للغة الشركسية, او الناطق بها سيدرك مقدار القرابة اللغوية بينها وبين السومرية من استعراض الباحث لمفرداتها او نصوصها التي اوردها في متن الكتاب, الامر الذي يفضي الى سؤال جوهري: وهو اذا سلمنا بالقرابة اللغوية لكلا الشعبين, هل ينتمي السومريون الى الشركس, ام ان الشركس كانوا ينتمون اليهم, ومن ثم صعدوا الى الجبال؟ والسؤال بحد ذاته يطرح اشكالية جديدة لم يتمكن علماء السومريات من حلها, سيما ان السومريين الذين استوطنوا (ميسوبوتاميا) القسم الجنوبي من العراق والمتضمن في يومنا هذا اقاليم الديوانية, العمارة والبصرة) حوالي 3500 ق. م, لايعرف احد اصولهم الحقيقية, فثمة من يقول انهم ربما جاءوا من الشرق, او الشمال الشرقي, ولكن حتى الآن لم يثبت مكان قدومهم, او اصولهم, الا انهم استوطنوا هذه المنطقة, وتميزوا بفرادة لغتهم موضوع كتابنا. والمثير في بحث الاستاذ منذر بج, انه انتقد السومريات من مستشرقين وعرب, لانهم فسروا اللغة السومرية عن طريق اللغة الاكادية او البابلية ومن ثم كتبت بالحروف اللاتينية التي لا يمكن لحروفها ان تغطي الدائرة الواسعة للحروف السومرية, فاستعان هؤلاء بترقيم الحروف للتمييز بين المعاني المختلفة للحرف الواحد. ونذكر هنا على سبيل المثال بعض مصاعب الترجمة في لفظ الكلمة (du) , وكيف اعطوها ارقاما كي تمكنوا من التمييز بين معانيها المختلفة فقالوا: du6 & du7 & du10 & du11 & dyu14 & du8 وانهم لو عادوا الى الشركسية ليعلموا ان: du6 على سبيل المثال تقرأ (طا) بمعنى اوشق, وان du7 بمعنى مناسب وملائم ... وهكذا. وفي الحقيقة ان الخطأ في ترجمة اللغة يوقع في مصائب كبيرة, سيما انه تم اثباتها في المعاجم والقواميس, الامر الذي سيؤدي الى تغيير مفاهيم تاريخية , وهو عين ما كان الباحث يحذر منه, وخصوصا ان المستشرقين المختصين بالسومريات, هم الذين يمثلون المرجعية العلمية والمعرفية, بل ولهم المصداقية ايضا, مما سيخلق مصاعب حقيقية في اقناعهم, او الطلب منهم الرجوع عن اخطائهم واعادة قراءة هذه اللغة ضمن المعطيات الجديدة, التي ادرجها الباحث من خلال مقارناته اللغوية المدهشة. شخصيا ادرك ان هذا البحث سيخلق ضجيجا وجدلا ساخنا في اوساط المشتغلين والمهتمين بالسومريات, لانني على دراية لا بأس بها باللغة الشركسية, ولا اغالي في هذا الصدد لو قلت ان النتائج التي توصل اليها الباحث كانت حاسمة من حيث التقارب بين انظمة العلامات, واشتراكها فى المعنى, وقد اشار الباحث الى ذلك قائلا: للكتابة المسمارية السومرية ثلاثة انواع من العلامات: اولها تلك العلامات التي تمثل كل واحدة منها كلمة, وثانيها العلامات الدالة, واخيرا المقاطع الصوتية, وهي عينها في الشركسية. وعلى سبيل المثال يعطينا الباحث صورة الفم كعلامة رمزية ثم يوضح لنا معانيها المختلفة من خلال الحركات او الاصوات كما في العربية فيقول: صورة الفم تعني: (فم) وتلفظ (كا) , ثم تعني : (سن) وتلفظ (زه) , ثم تعني (الكلمة) وتلفظ (gu) وتعني ايضا الفعل يتكلم. والعلامة الدالة: هي التي توضع قبل الكلمات لتحديد المراد من العلامة المسمارية , فمثلا كلمة الخشب (gis) تستخدم كعلامة دالة على الشجر والخشب والمواد المصنوعة من الخشب, فاذا ما وضعت امام صورة المحراث تعني : محراث, فلاح, والفعل يحرث, ويصبح واضحا هنا ان المقصود في هذه الحالة المحراث, وليس كلمتي يحرث, او فلاح. اما في خصوص نطق اللغة السومرية والبناء اللفظي لها, فيرى الباحث ان اللغة السومرية وبسبب كونها مقطعية لا هجائية, فان معرفة التركيب الصوتي ليس كاملا, لان اصوات المقاطع (العلامات) السومرية دونت بعد زوال نفوذهم, ولا تخلو من التأثيرات الاكادية, التي تمكن تفسيرها بمساعدة اللغات السامية, ولكن بما ان اللغة السومرية نسيج وحدها, ولا يعرف في الوقت الحاضر الى اية عائلة لغوية تنتسب, فقد بقيت صعوبة معرفة التركيب الصوتي (القيمة الصوتية) للعلامة / المقطع السومري قائمة ولم تذلل نهائيا. وعلى هذا الاساس فان الباحث سعى الى اجراء مقارنة بينها وبين اللغة الشركسية/ الاديغية, سيما وانهما متشابهتان من خلال ما يأتي: 1- وحدة البناء الهيكلي الابجدي. 2- تشابه اصوات الكلمة المبدئى. 3- اتحاد معنى الكلمة. سيما وان اللغة الشركسية هي لغة لصيقة, وكلتا اللغتين تنتميان الى نوع من اللغات المدعوة logoram اي اللغة التي يؤدي فيها الحرف معنى الكلمة, ويورد الباحث على سبيل المثال حرف اللام (l) الذي يأتي في الشركسية بمعنى : رجل , ودم , ولحم مع فارق في الحركات, والحرف نفسه يأتي في السومرية بمعنى: رجل ودم. والى ذلك سينتقي الباحث قرابة مئة كلمة يتحد فيها اللفظ والمعنى في كلتا اللغتين, بما لا يترك اثرا للشك في ان الشعبين كانا يتحدثان لغة واحدة, وسنقتطف بعض الامثلة التي اوردها الباحث آملين الا ينقل ذلك على القارىء غير المختص: 1- الكلمة السومرية المترجمة بالحقل المروي (آجر) بالجيم المفخمة, فانها باللغة الشركسية تتألف من ثلاثة مقاطع (آ) وهو اسم الاشارة , و (ج) ارض, و (ر) للتعريف عندما يأتي في آخر الاسماء, وبالتالي يصبح المعنى تلك الارض وليس (الحقل المروي) ؟ 2- ان كي - ين كي: وتعني سيد الارض (اله سومري) . وفي الشركسية (ين) تعني الكبير في حجمه, او منزلته, و (كي) تعني الارض. وبعد ان يفتح الباحث مسارد طويلة للمقارنة بين المفردات, يتطرق الى النصوص الكاملة, فيورد مقطعا مطولا من ملحمة الخلق السومرية, ليبين الالتباس الحاصل عند المترجمين من امثال صموئيل كريمر وغيره, واليكم النص: وبعد ان انفصلت السماء عن الارض وبعد ان انفصلت الارض عن السماء وبعد ان ثبت اسم الانسان وبعد ان انحمل الاله آن الى السماء وبعد ان توجه انليل كرب للهواء وغنمت ارشكيجال بالـ (كور) وبعد ان انطلق بالابحار وبعد ان ابحر الاب بالابحار لأجل (كور) وبعد ان أبحر انكي لأجل (كور) اندفعت الاشياء الصغيرة من (كور) ضد الملك واندفعت الاشياء الكبيرة ضد انكي والاشياء الصغيرة حجارة الارض والاشياء الكبيرة حجارة ... قصب سفينة انكي المسطحة القعر تشبه في الحرب عاصفة مدمرة وسائدة ضد الملك, والماء في رأس السفينة شبيه برأس ذئب ضد انكي, المياه في مؤخرة القارب شبيه بأسد ضارب. ويرى الباحث ان كلمة (كور) ترجمت بالعالم السفلي الكون الفارغ, بينما هو في حقيقة الامر المياه البدئية التي هاجمت سفينة انكي, وواضح من النص انه كان يبحر في البحر, وليس في العالم السفلي, وفي هذا الصدد يقول الباحث: نفهم من هذه القصة بأنها اخذت مجرياتها في الصيف بسبب المياه العنيفة المندفعة من ال (كور) التي هي حتما البحر, ولوضع حد لهذه الكارثة المندفعة مقابل الارض, السدود منعت المياه المندفعة من البحر من الوصول الى الارض, ولم تصعد هذه المياه الى السطح مرة ثانية. والشاهد على ما تقدم المقطع التالي: ما الذي قد تناثر من اجل كور؟ ما الذي قد تبدد عن طريق كور؟ المياه العالية انسكبت فوق الارض المزروعة. ومن هنا يستنتج الباحث بأن (التنين) هو مدلول مجازي للبحر العاصف العنيف (كور) , الذي توقف لحظة اندفاع الاشياء الصغيرة والكبيرة كالحجارة والقصب. وهو امر جدير بالمناقشة سيما ان الميثولوجيا الرافدية انسنت الاشياء والهتها تعبيرا عن لحظة اصطدام الانسان بالطبيعة, فتعامل معها على هذا الاساس. اما التنين الآخر, فهو (آساج) شيطان المرض والسقم الذي تبع انانا عندما صعدت, ويستحضرني في هذا المقام نصا اورده فراس السواح في كتابه (الاسطورة والمعنى) , حيث تعمد (ننخرساج) (الارض) , الى معالجة (انكي) الماء) , بعد ان تعيده الى باطنها وتستولد له آلهة لمعالجته من امراضه. وفي ختام بحثه يرى الباحث ان جملة الاخطاء والالتباس في الترجمة, يكمن في حساسية اللفظة ذاتها, والتي لا يمكن فهمها الا من خلال السياق, ويسوق على سبيل المقارنة لفظتي (رجل - رجل) العربيتين, حيث الشكل والرسم واحد, والمعنى مختلف, وهذا المعنى نعرفه من السياق ان غاب الشكل (التصويت) , وبالتالي فان معرفة المعنى هي التي تعطي القيمة الصوتية, ولذلك فانه يطرح تساؤله عن امكانية او قدرة اللغة الاكادية على استيعاب القيمة الصوتية للغة السومرية, وحروف الاكادية قاصرة عن اعطاء هذه القيم الصوتية, مما اضطر العلماء الى ترقيم الحرف الواحد بدون معرفة صوته واستنادا الى تغير معناه؟