شيخ البلد واحد من اشهر التماثيل المعتبرة والمعبرة ايضا التي امكن اكتشافها من كنوز الآثار المصرية القديمة, يصور رجلا يشع من عينيه ذكاء غريب, ويكاد الرائي يلحظه وهو يخطو في ثقة وثبات متجها إلى الامام وفي يده عصا لا يستخدمها لكي يتوكأ عليها بل لكي تعينه على تحديد معالم الطريق وقد تعينه على توجيه الآخرين . وكم من دارس لعلم المصرلوجي, وهو ذلك الفرع من التاريخ الذي يهتم بل يشغف بمراحل تاريخ المصريين القدماء, تلك التي أنصرمت وسجلها دفتر الزمن عبر ستة آلاف من السنين ــ كم من دارس ــ وخاصة بين صفوف الشباب المتحمس والمغرم صبابة بالمصريات شمر عن ساعد البحث وطالع متأملا ومتفحصا تمثال (شيخ البلد) ثم تهيأ للحديث عن مكانة صاحب هذا التمثال بين أهل البلد سكان الناحية التي يحكمها.. وربما شاء الباحث اياه ان يسهب ـ خدمة للعلم ليس الا ــ في حديث أوسع تفصيلا عن هرم التسلسل السلطوي او عن منظومة الهيكل الاجتماعي في مصر القديمة, تلك المنظومة التي تدفع او دفعت بأهلها ان يعرفوا أقدار الناس وان يوقروا ولاة امورهم ومن ثم يصنعوا تمثالا ما أروع بلاغته وما ادق صياغته فيصبح ناطقا او شبه ناطق من الحجر الصلد الصوان وهم بذلك يكرسون ذكرى واحد من هؤلاء الولاة.. الخ.. ولعل مثل هذا الباحث الهمام قد تدارك الامر كله فور ان تناهى الى علمه ان التمثال الفصيح المذكور لا علاقة له بولاة الامور ولا بأي شيخ للبلد ولا أي مختار لقرية أو مدينة وأنه تمثال لرجل من مصر القديمة لا يعرف عنه التاريخ قليلا او كثيرا.. ولكنها الصدف والصدفة وحدها, هي التي خلعت عليه الاسم واللقب البالغ الاحترام واصبح يعرف به سواء في علم العاديات القديمة او في فهارس متاحف الآثار والذي حدث هو ان العمال المصريين وكان معظمهم من اهل الصعيد الطيبين المفتولي العضلات كانوا يشتغلون في عمليات التنقيب التي شهدتها النهضة الاثرية في الربع الاول من القرن الحالي وعندما اخرجوا تمثالا كاملا ونصبوه امام اعينهم ثم اماطوا عنه الثرى الذي جلله واكتنفه عبر العديد من القرون تهيأ لجمعهم ان صاحب التمثال اشبه بحاكم قريتهم الذي يحترمونه ويخشون بأسه وينصاعون لتوجيهاته. وربما شاء القدر ان يكون حاكم القرية ومختارها قد انحدر عبر القرون من نسل المصري القديم صاحب التمثال, جدا عن سابع سابع جد.. والمهم ان عمال الاثار الصعايدة, حين طالعوا التمثال ولمحوا عينيه الثاقبتين ورصدوا اتجاهه بجسمه المتين الى الامام وفي يده عصاه هتفوا قائلين هذا هو شيخ البلد. ومن يومها احتار علماء الآثار, ومنهم دكاترة وبروفيسورات وكان منهم ايضا مغامرون ورومانسيون ان يطلقوا على التمثال المذكور لقبه الذي لا يزال ينعم به حتى كتابة هذه السطور (شيخ البلد) . وكانت تلك (صدفة) ما لبثت ان توطدت وتحولت الى حقيقة راسخة بفضل الاخوة الصعايدة الذين كشفت سواعدهم عن آثار الاقدمين. وكم في التاريخ من صدف تحولت بدورها الى معالم وحقائق.. وربما نسي الناس اصل الصدفة وتحولوا عنها الى التعامل مع ما آلت اليه من مستجدات. ترى من يذكر مثلا السيدة الكسندرا بدران التي رحلت عن عالمنا في مقتبل العام الحالي.. لقد كانت (الكسندرا) فتاة يانعة واعدة وبدأت في احتراف الغناء كمطربة ناشئة في اربعينات القرن.. ورآها في احد مرابع الفن في مدينة حلب السورية الشهباء فنان المسرح الشهير يوسف بك وهبي واعجبه صوتها وربما جمالها ايضا.. والمهم انه اقنعها بزيارة القاهرة كي تبدأ مشوارها الفني في عاصمة مصر وينطلق صوتها من ثم الى اجواز الفضاء العربي ولكن بعد ان اقنعها ايضا بأن تنسى اسمها القديم وتستبدل به الاسم الذي عاشت وتألقت ورحلت في ظله وهو.. نور الهدى. الصدفة ايضا حولت اسم الفتى النحيل المسقوم والموهوب ابن قرية الحلوات من اعمال شرق دلتا النيل من عبدالحليم شبانة الى عبدالحليم حافظ. وما كان حافظ هذا اباه او جده ولا كان قريبا لعائلة شبانة من قريب او بعيد.. بل هو اسم الاستاذ حافظ عبدالوهاب رحمة الله عليه, وكان من رواد الاذاعة في الوطن العربي وله اعماله الدرامية المأثورة في اذاعة القاهرة (منها مثلا الصورة الصوتية البدوية بعنوان (راوية) ولك ان تتأمل بلاغة هؤلاء الرواد المبدعين وهم ينحتون تعبير صورة صوتية) والاستاذ حافظ عبدالوهاب هو ايضا مؤسس اذاعة الاسكندرية التي سرعان ما كونت لنفسها شخصية متميزة بعد فطامها عن الاذاعة الام في القاهرة. ولقد تعود الصدف في الاسماء والالقاب الى عام 1911 حين دخلت سيدة مصرية من حي الجمالية الى المستشفى كي تضع حملها الموعود. وربما اعجب اهلها ببراعة طبيب التوليد ــ الشاب وقتها ــ الدكتور نجيب واذ جاء المولود الى عالم الوجود خلعوا عليه اسم الطبيب البارع فاصبح لدينا بعد تلك الصدفة اثنان من الاعلام اولهما الطبيب القبطي الكبير الدكتور نجيب باشا محفوظ وسميّه, الكبير ايضا رغم آرائه السياسية التي ليست كبيرة وهو الكاتب الروائي نجيب محفوظ. وعلى الجانب الآخر من المحيط كان للامريكان صدفة اشبه ما تكون بحكاية شيخ البلد المصري القديم.. كان ذلك في العقد الاول من القرن الحالي.. وفي عهد رئيسهم تيودور روزفلت وكان رجلا ربعة, متين البنية اميل الى البدانة والقصر مدكوكا كما قد نقول.. وعندما انتج احد مصانع لعب الاطفال دمية على شكل دب سمين ووديع.. صاح نفر منهم, وهم يطالعون اولى عينات الدمية الجديدة هذا الدب اشبه بفخامة الرئيس وهكذا خلعوا على الدب الطفولي اسم تيدي (اسم الدلع للسيد تيودور) وطارت شهرته في الآفاق تحت اسم الدب تيدي او (تيدي بير) . ولا تقتصر الصدفة, وهي سعيدة في معظمها على الاشخاص واسمائهم والقابهم.. بل قد تنصرف الى الاحداث والمواقع والاماكن ايضا, أرأيت مثلا العلامة اليوناني ارسطو اذ كتب اطروحته عن الفيزيقا او علوم الطبيعة المادية.. ثم تلاها بدراسته الشهيرة عن العلوم اللامادية فوضع الدراسة الثانية ملحقة بالأولى.. وكان ذلك مجرد تصنيف في ترتيب شكل الكتاب بمعنى ان اصدر أرسطو دراسة الفيزيقا ــ الطبيعة وعمد من بعد الى اتباعها بدراسة اللاطبيعة وكلمة (بعد) في اليونانية هي (ميتا) ولم يكذب المؤرخون الباحثون خبرا بل قالوا ان المعلم اليوناني كتب عن الفيزيقا ثم عن الميتا ــ فيزيقا وحولوا عنق التعبير الاخير ــ وبالصدفة البحتة ــ ليصدق على ما وراء الطبيعة او ما بعد الطبيعة في حين ان اصل الحكاية هو مجرد ترتيب كتاب وضعه ارسطو (بعد) كتاب آخر او (وراء) كتاب آخر.. ومع ذلك دخلت كلمة (ما بعد الطبيعة) او (الميتافيزيقا) لتصدق على الامور غير المادية الما ورائية واحيانا الروحية.. رغم انف الجميع! وفي مطلع العشرينات من هذا القرن.. جاء الى الزعيم سعد زغلول نفر من شباب ورجالات الحركة الوطنية يزورنه في بيته في حي الانشا بمنطقة قصر العيني بالقاهرة.. واذ احتد النقاش بين الزعيم الشيخ وبين الشباب المتحمس.. بدرت من أحدهم عبارة أو عبارات أحس فيها الزعيم الجليل مساسا بمشاعره فقال: ــ اتجادلونني في بيتي؟ هنالك أنبرى أمين الرافعي وهو من أعلام الصحفيين الوطنيين يرد على سعد زغلول قائلا: ــ يا دولة الباشا.. لسنا في بيتك.. نحن في بيت الأمة. ومن يومها أصبح اسم بيت الزعيم هو (بيت الأمة) وكانت صدفة سعيدة وجليلة حقا, وهي ايضا صدفة تاريخية موصولة في الحاضر, كيف لا .. وانت تستطيع أن تمشي خطوات من ميدان التحرير في القاهرة فإذا بك تدلف الى شارع ضريح سعد فتلمح لافتة نحاسية علاها القدم تحمل اسم (بيت الأمة) الذي عاش فيه الزعيم زغلول واصبح من ثم متحفا ومزارا يكرس المعنى الجميل الذي ذهب اليه صحفي لماح في مصادفة لامعة منذ نحو 80 عاما من عمر الزمن.