كان جارنا ونحن في المدرسة رجلا مهيبا, وكان إذا خرج من بيته أو عاد اليه ونحن نلعب في الطريق نجري بعيدا عنه, رغم انه لم يمنعنا في يوم من الأيام, وكان موظفا مهما من موظفي الدولة, في وقت كانت هذه المهنة تجلب لصاحبها الاحترام الكبير . وزوج الرجل أبناءه وبقي في البيت مع زوجته المريضة, وفي هذا الوقت كبرت الخادمة الطفلة التي كانت تعمل لديهم, واصبحت فتاة رائعة الجمال في حدود ما أتذكر. وأتخيل ان الرجل كان في طريقه الى فراشه حيث تقبع الزوجة العجوز المريضة, فرأت عيناه الفتاة الجميلة نائمة وقد تعرى بعضها أو من يدري ربما تعرى أكثرها. وأتخيل ان الرجل تملكته رغبة عارمة في أن يفعل شيئا مثيرا قبل أن يدخل الى عالم الستين, وهو الذي عاش حياة محترمة خلال هذا الوقت. وتسلل الرجل الى فراش البنت هذا لا أتخيله فهو محور قصتي هذه واستيقظت البنت لتجد شخصا الى جوارها في الفراش فأصابها فزع هائل, خاصة انه لم يخطر على بالها فكرة المغامرة الجنسية, إذ لم تتخيل ابدا ان سيدها الوقور من الممكن أن يفعل هذا, ولذلك صرخت صرخات مدوية ايقظت الشارع كله, وحاول الرجل عبثا ان يسيطر على الضجة المجنونة التي أثارتها البنت, ويبدو انه حاول أن يسكتها - واعود إلى التخيل - بضربة على أم رأسها كما في الأفلام وان كنت اعتقد ان جارنا الوقور لم يشاهد أي فيلم في حياته, خاصة واننا نحكي عن الفترة التي لم يكن فيها تلفزيون أو فيديو, وأتمنى أن يصدق أبناؤنا أنه كان هناك زمن بلا تلفزيون أو فيديو! وهوت الخبطة على البنت, فأكدت لها ان الشخص الغامض الذي تسلل الى فراشها انما هو لص وقاتل, فقاومت بكل عنفوان فتاة في مقتبل العمر تعودت على الأعمال الشاقة, وردت لجارنا الوقور الصاع صاعين. ولما اقتحم الجيران البيت عن طريق السطوح, وجدوا جارنا الوقور راقدا على الارض وقد أحاطته دماؤه, كما رأوا الخادمة الحسناء مصابة بكدمات واضحة. وما يدهشني الآن هو كيفية الوصول الى حقيقة القصة قبل أن ينجلي النهار, واتساءل هل تحول الناس الى مؤلف عام, أو ان هذا المجتمع البسيط المتعارف كان لايخفى عليه شيء مما يحدث فيه. وما حدث بعد قصة الخادمة الحسناء كان أشبه بنكبة البرامكة فلقد هربت الخادمة الحسناء الى حيث لا يعلم أحد, ودارت حولها اساطير كثيرة, وأنا نفسي عندما ذهبت الى الجامعة خيل إلي انني رأيتها في ثياب سيدة راقية مع زوج ثري واطفال تحسد عليهم. وجاء الابناء وحملوا أمهم المريضة الى حيث لا نعلم, أما الرجل بطل هذه القصة فقد ذهب الى مكان آخر وسمعنا انه لم يذهب إلى عمله وظل في البيت لايخرج منه حتى لا يراه أحد, ثم سمعنا خبرا لم يدهش له أحد, وهو ان الرجل وجد ميتا في فراشه, ولم يكتشفوا موته الا بعد ثلاثة أيام. ولا تقل لي لماذا تذكرت هذه القصة الآن؟ فكيف لا أتذكرها والمستر كلينتون واقع في قصة مشابهة مع الفوارق, فمثلا جارنا الوقور مات خجلا مما حدث, أما المستر كلينتون فلقد وقف أمام شاشات الكرة الأرضية ليعترف بما حدث مع احساس واضح بالندم, ولكنه لم يقل, وعودوا الى التسجيل, انه لن يعود لها. وفارق آخر ان جارنا الوقور لم يستطع أن يذهب الى عمله ويواجه الناس, في حين أن كلينتون الذي ربما فكر ايضا في الهرب بالعطلة, قطع اجازته وعاد ليرسل طائراته لتعربد في بلاد الله تضرب ما تشاء بالقنابل, لعلها تنسيه محنته. والفوارق كثيرة ولكن خذ فارقا آخر ان الخادمة الجميلة هربت خوفا من المجتمع ومن أهلها, وكان الجميع يتوقعون ان تقتل, أما الآنسة مونيكا فهي لم تهرب أو تتوارى, بالعكس وقفت أمام شاشات الكرة الأرضية التي أسلفنا الإشارة إليها, وحكت ما حدث بينها وبين المستر كلينتون, ولمدة طويلة تقول والله لقد حدث بيننا ما كان يريده الجار الوقور أن يحدث مع الخادمة الحسناء, والمستر كلينتون ينكر ويقسم انه يختلف عن جارنا الوقور, وانه رجل محترم, ولا يفعل هذه الاشياء الصبيانية, ولكن (بجاحة) البنت مونيكا اوصلت المستر كلينتون الى الاعتراف المخفف بما حدث وهي في طريقها الى الضغط عليه ليعترف بالقصة تفصيليا فربما امتع هذا المراهقين وربما صدر في قصص شديدة الرواج. المهم ان المستر بيل كلينتون وان لم يلق مصير جارنا الوقور, الا انه خرج من الحادثة مهلهل الثياب, محرجا واهنا, ومهما كان الانسان صفيقا الا ان نشر خصوصياته بهذه الطريقة على الملأ لابد ان يصيبه بشيء من الارتباك, وحتى فكرة ان هذه الضجة قد تسلبه كرسيه قد تصيبه بالجنون, فالكرسي هو غاية الغايات. ومثل دون كيشوت ذهب المستر كلينتون الى موسكو ليلتقي نظيره الروسي يلتسين, وكلمة (نظيره) لم توجد في اللغة الا لكي تعبر عن هذه الحالة. حقيقة ان يلتسين لم يعرف فتاة اسمها مونيكا وحتى لم يتسلل الى غرفة خادمته الحسناء مثل جارنا الوقور, لكنه في حالة يرثى لها: وعد شعبه بنعيم المجتمع الحر, فكانت النتيجة - والعهدة على الراوي - انهم اضطروا لأكل لحم البشر, يجلس في الكرملين حيث عاش قياصرة روسيا, وحيث جلس ايضا لينين وستالين وغيرها, يرفع الواحد منهم اصبعه فتهتز الدنيا, ولكن آخر القياصرة لا يملك هذا النفوذ فالبرلمان (الدوما) اغلبيته ضده علنا. وهكذا تجمع (المتعوس) مع (خايب الرجا) وبعد ان كانت لقاءات زعماء أمريكا وروسيا تثير اهتمام الدنيا كلها أصبحت مادة للفكاهة. وجلس يلتسين مع (نظيره) الامريكي وليس لديه رئيس وزراء فلقد عزل رئيس وزرائه وحمله اخطاء المسيرة كلها, واقترح آخر رفضه البرلمان, فخاض ضده حربا شرسة انتهت بانتصاره ليكتشف ان حربه لم يكن لها أي هدف وان مرشحه (أخيب) من أخيه, فعزله وعاء الى اخيه المطرود. ولكن البرلمان رفض هذا السلوك المتذبذب, ولا أدري هل يستمر في رفض تعيين رئيس الوزراء الجديد - القديم أو يكتفي بقرص اذن الرئيس. وبعد ان كان يتساءل المعلقون عن خريطة الدنيا بعد لقاء القطبين أصبحت التعليقات أهون من ذلك بكثير. وعندما سألني صاحبي عن الحوار الذي دار بين الرئيسين, حاولت أن أخمن ما قالا, وأتمنى ألا يكون ما خمنته بعيدا عن الحقيقة. يلتسين هو المضيف ولذلك اتوقع ان يكون هو من بدأ الحديث: ما بك يا صديقي بل؟! ألست قادراً وأنت من أنت أن تخفي علاقاتك النسائية؟ فإذا ما اقترب منك صحفي اقطع يده, لابد للرئيس أن يكون قويا, ألم تسمع قول الشاعر العربي: ليت هندا انجزتنا ما تعد .. واستبدت مرة واحدة انما العاجز من لا يستبد! قاطعني صديقي وقال لي: أين ذهب بك الخيال؟ هل تعتقد حقا ان يلتسين يعرف الشعر العربي. قلت له المهم المعنى نفسه. أما كلينتون فإن أراد أن يرد الهجوم فسيقول له: ما بكم نفرغ في بلدكم المليارات, ومع ذلك فالأمور تزداد سوءا؟! يا صاحبي العالم لا تكفي المليارات لاخراجكم من ازمتكم هذه طالما هناك سوء ادارة, وطالما هناك المافيا التي تتاجر في كل شيء حتى في الاسلحة النووية, ما بكم يا صديقي بوريس؟ هل بلادكم بلاعة تدخلها المليارات فلا يبقى لها اثر ان هذا يذكرني بقول الشاعر العربي. وقاطعني صديقي قائلاً: مرة اخرى الشاعر العربي, اتظن ان كلينتون ايضاً يعرف الشعر العربي؟ فقلت لصديقي: يا أخي انت تأخذ الامور حرفياً, وانا اقدر المعنى ولقد سبقنا الى ذلك المسرحيون الأوائل: ابو خليل القباني وسلامة حجازي وغيرهما عندما كانوا يترجمون ويرصعون ترجماتهم بالشعر العربي الرصين, وكان مصطفى لطفي المنفلوطي ينطق سيرانو دي برجران بأصعب ابيات الشعر العربي. قال صديقي: كل هذا لا يشغلني ما يشغلني المهانة التي وصلنا اليها كبشر, فسادة الدنيا هذا .. وذاك: (المتعوس) و(خايب الرجا) .