دس صاحبنا تصريح اجازته في جيبه مبتسما, ومضى يتأمل شاردا كيف سيمضيها فهي لا تتجاوز عشرة ايام, تتوج خمسين يوما من العمل الشاق, ومن هذه الايام العشرة سيهدر يوما كاملا في رحلة الذهاب وآخر في رحلة العودة , والايام الثمانية الباقية سينفقها ما بين زيارة اهله في مدينتهم الصغيرة الواقعة عند تخوم الصحراء في شمال شرق البلاد, وبين الانطلاق الى اصدقائه في الضاحية الهادئة البعيدة عن قلب العاصمة ثم المضي الى المكان الذي يرفرف حوله قلبه: الجامعة حيث يحاول خوض غمار السنة التمهيدية لمرحلة الماجستير بأهوالها التي لا تنتهي من محاضرات وامتحانات واختبارات. لم يكن الزمان وحده هو الذي يؤرقه, وانما المكان ايضا واذا كان الزمان هو صدر السبعينيات اي ما يزيد على ربع قرن الآن على نشوب حرب اكتوبر التي نوشك على الاحتفال بيوبيلها الفضي, فان المكان لم يكن الا شريطا ضيقا من الارض, يمتد بين البحر والصحراء القاحلة تجد نظيرا له في اي مكان في عالمنا العربي, ولكن هنا يتميز اذا صح التعبير بما يعرف بـ (حقول الشيطان) او مناطق الالغام التي تقع قاب قوسين او ادنى منه, والتي يفضي طريق ضيق عبرها الى المدينة العتيدة: مرسى مطروح. كانت قيادة المؤسسة العسكرية قد اختارت هذا المكان العجيب ساحة لمرحلة التدريب له ولزملائه في الدراسة بكلية الضباط الاحتياط بدلا من المقر الفخم المجهز بالتسهيلات في إسنا لان هذا المقر يمكن ان يتحول الى هدف ثمين يقصفه الطيران الصهيوني. ولم يكن صاحبنا يهتم كثيرا بخشونة هذا الموقع الصحراوي لولا انه كان عليه ان يمضي نهاره في التدريب العسكري وليله في (المذاكرة) ومحاولة خوض غمار الكتب والمذكرات المتعلقة بدراساته العليا. ولم يكن هذا بالامر الممكن, فالمعسكر الذي يقيم به مع زملائه خالٍ من الكهرباء, وهكذا كان عليه ان يخرج مع صديق وزميل له يدرس في المرحلة نفسها وفي الجامعة عينها الى معسكر مجاور لضباط الصف تتوفر الكهرباء في (الميس) الخاص به وهناك يذاكران وسط العاب الطاولة والدومينو وصيحات الطلبات على القهوة والشاي والذي منه ولله في خلقه شؤون! مع ذلك كانا يعتبران نفسيهما محظوظين بهذه الكهرباء التي انارت ليلهما اما نهارهما فهو مليء بالتدريب وسط شظف الحياة في معسكر لم يجهز ابدا لمثل هذا الغرض, فقد كان الانجليز الذين اقاموه خلال الحرب العالمية الثانية يستخدمونه سجنا. وظلت للمكان سمات السجن وملامحه, فهؤلاء الطلاب في كلية ضباط الاحتياط يبدأون نهارهم بالمياه (الروماني) وهذه النسبة العجيبة التي تفرض حضورها بهذا الشكل ترجع الى ان المياه مستمدة من آبار رومانية تجمع بين الملوحة والمرارة وكأنها تلخص ايام هؤلاء الشباب. المشكلة ان المؤسسة العسكرية لم تكن تريد الكشف عن وجود هذا الفرع لطلبة ضباط الاحتياط في هذا المكان لان اغارة العدو عليه بالطيران او بالضفادع البشرية عبر الساحل امر لا يمكن استبعاده ومن ثم فلم تصرف لهم ملابس طلاب الاحتياط ولا بطاقات هويتهم وانما تركوا بمظهر الجنود على الرغم مما يمكن ان يعرضهم له هذا الوضع من متاعب مع الشرطة العسكرية المنتشرة في القطاع بكامله. لم يكن هذا كله مما يشغل صاحبنا بعد ان دس تصريح اجازته في جيبه وانما كان يعنيه مأزق عليه ان يحله فورا, فالتصريح يسري من صباح الغد, حيث يتاح له ركوب القطار المتجة من مرسى مطروح الى الاسكندرية بالتذكرة المجانية المعطاة له بمقتضى استمارة السفر العسكرية العتيدة مع زملائه. ولكنه يستطيع ان يمضي الآن والليل ما يزال وليدا الى محطة سيارات الاجرة ليسافر على حسابه فيكسب 12 ساعة كاملة. كان هذا هو ما يفعله عادة منذ وطئت قدماه هذا المكان وحصل على اجازته الاولى منه ولكنه هذه المرة لم يكن بوسعه ان يمارس هذا الترف. لماذا؟ لأنه اقترف حماقة اعطاء آخر ورقة نقدية لها قيمتها في جيبه لأحد اعضاء طاقم التدريب والذي كان مسافرا الى العاصمة التي تضم الجامعة التي يدرس بها ليحضر له بعض المذكرات التي تضم جانبا من المناهج التي يدرسها. ولم يبق في جيبه من نقود هذا العالم الا القليل مما يكفي لأجرة السيارات داخل المدن ريثما يصل الى مقصده. بات ليله يكيل اللعنات لسوء الحظ الذي اهدر له هذه الساعات الاثنتي عشرة الثمينة وحينما مضى في الصباح الى القطار وراح ينتظر انطلاقه في رحلته الطويلة, تلقى درسا من تلك الدروس العديدة والمريرة التي سيتعين عليه ان يتعلمها في السنوات التي ستلي ذلك. قبيل انطلاق القطار بدقائق فوجىء بقائد المعسكر ومعه مجموعة من ضباط هيئة التعليم يصعدون القطار ويصدرون الاوامر بالعودة الى معسكر التدريب ويعلنون الغاء الاجازة التي انتظروها خمسين يوما بدت طويلة, كأنها دهر بأسره. الآن ادرك لماذا يرد بعض الجنود مقولتهم المريرة الساخرة ان (جالك الموت في الجيش الأول خده) ! وهي مقولة تصدر عن تاريخ بأسره من علاقة مريرة بين الناس والسلطة في اي مجتمع نهري. كانت الحكاية ان الرئيس المصري وقتها انور السادات قد عاد لتوه من رحلة الى موسكو استهدفت الحصول على المزيد من السلاح استعدادا للحرب المقبلة, وأراد ان يلتقي في مروره بمنطقة مطروح بجانب من ضباط المستقبل الذين سيستخدمون هذا السلاح. لم يكن اللقاء وديا بحال, فهؤلاء الشباب يشعرون بالمرارة لإلغاء اجازتهم, والسياسي العجوز بدا واجما مكفهر الملامح, ربما من آثار محادثات مكفهرة ايضا مع القادة السوفييت في موسكو. كانت الكلمات الأولى التي ألقاها السادات في هذا الحشد من طلاب كلية ضباط الاحتياط, وهم جميعا مجندون ويتعين على كل منهم - بحكم القانون - ان يخدم المؤسسة العسكرية العتيدة عشر سنوات كاملة, كفيلة بأن يزداد جو اللقاء وجوما واكفهرارا. قال لهم السادات: (يا أبنائي أنتم وقود الحرب المقبلة) . ولسنوات طويلة ستظل هذه الكلمات مرتسمة كأنها دمغت بالنار في رؤوس من بقي على قيد الحياة منهم. كأن السياسي العجوز الذي يبقى للتاريخ وحده أن يحكم ما إذا كان عبقريا سياسيا يرى في الأفق البعيد ما لا يراه غيره أم أنه كان رجلاً صغيرا في زمن خلا من الكبار برحيل عبد الناصر, كأن هذا الرجل كان يطل من الغيب. كان من بين الأسلحة التي أفلح السادات في الحصول عليها في تلك الرحلة سلاح (الشيلكا) المرهوب, و(الشيلكا) - لمن لايعرف - سلاح فريد, مؤلف من أربعة مدافع مضادة للطائرات من عيار 23 ملم مركبة على دبابة تلحق بتشكيلات المدرعات سريعة الحركة للدفاع عنها ضد الطيران المعادي الذي يستهدفها, وعناصره تعمل بكفاءة عالية بالربط مع وحدات رادارية تجعل نسبة الاصابة مقاربة لتلك التي تحققها وحدات الصواريخ, التي لايمكنها أن تواكب في الحركة السريعة وحدات المدرعات. هؤلاء الشباب في مرسى مطروح صدر الأمر في هذا اليوم عينه بأن يتم تحويل معظمهم من عناصر الدفاع الجوي الأخرى التى يتدربون عليها الى التدريب على هذا السلاح الجديد - وقتذاك - والذي إذا جاز أن تمنح صفة (جميل) لأي سلاح في الدنيا فإنها لابد أن تعطى له وبامتياز ايضا. كما ان صاحبنا لم يقدر له الالتحاق بسلاح البحرية مثل معظم زملائه الذين كانوا في طابور واحد معه يوم تجنيده فإنه في هذه المرة ايضا - وبالصدفة المحضة - ربما بحكم مكانه في الطابور الطويل الممتد, لم يلتحق بعناصر الشيلكا. ربما أراد القدر له أن يبقى, وأن يكتب بعد مرور ربع قرن على رحيل معظمهم عن دنيانا الفانية, أنشودة حب يرفعها الى عيونهم التي كستها نعمة الشهادة. لم تكن الخسائر العالية في صفوف فرسان الشيلكا راجعة إليهم هم أنفسهم فقد استوعبوا السلاح وعملوا عليه بكفاءة فاقت كل توقعات الخبراء الروس, ولا إلى حركات قطعات المدرعات التي يدافعون عنها والتي انطلق بعضها خارج نطاق حائط حماية الصواريخ باتجاه الممرات في سيناء خلال حرب اكتوبر. لا لم يكن الأمر كذلك, وانما عاد نهر الدماء الذي تدفق من فرسان الشيلكا الى جسر الطيران الذي أقامته الولايات المتحدة ودعمت به اسرائيل, وامدتها عبره - ضمن ما أمدتها به - بنوعية جديدة ومتطورة من الصواريخ تحقق إصابات مباشرة في عناصر المدرعات السريعة ومن بينها (الشيلكا) التي استهدفها العدو بهذه الصواريخ التي وصلت الى المطارات الاسرائيلية بشحمها من المستودعات الامريكية المتقدمة في المانيا وفي دييجو جارسيا, بعد الانتصارات الأولى للجيوش العربية في حرب أكتوبر. لكن فرسان الشيلكا لم يرحلوا عن دنيانا الفانية الا بعد ان قاتلوا قتالا مريرا, يليق باسمهم ويليق بسلاحهم المرهوب الجميل وقليلة هي قطعات المدرعات التي تراجعت عن المواقع المحددة لها, ويرجع الفضل في ذلك لأن هؤلاء الشباب أعطوها دمهم, عن طيب خاطر ولانهم لم ترهبهم الصواريخ الأمريكية, حتى وإن حملت اليهم موتا أكيداً. ربما لهذا, بالضبط يظل صاحبنا, حتى اليوم يتعامل بما لايتجاوز البرود المهني مع كل نبأ عن تفجير في مؤسسة أمريكية هنا أو هناك, لأن حاجزا ينتصب في ذاكرته معيدا اليه أصداء هدير دماء فرسان الشيلكا, التي تدفقت بفعل الصواريخ الأمريكية, قبل ربع قرن من الزمان.