جميلة الماجري شاعرة تونسية تقليدية اصيلة القيروان احدى اعرق المدن العربية نظمت الشعر ولاتزال منذ بداية السبعينات الى الآن, ورغم انقطاعها طيلة الثمانينات عادت مع مطلع التسعينات بديوان اسمته (ديوان الوجد)وقد صدر لها مؤخرا ديوان بعنوان (ديوان النساء) .كتبت كذلك القصة, والخواطر الصحفية, لكنها تؤثر دائما ان تظل شاعرة, يمتاز شعرها بعذوبة لغته ودقة مواضيعه, التي تحرص الشاعرة على ان تكون تكريسا لقيم بدأت في الاندثار كالحب والعروبة والخير والشهامة. مسيرتها الابداعية تنقسم الى مرحلتين الاولى امتدت من السبعينات حتى بداية الثمانينات, والثانية ابتدأت بعد انقطاع دام سنوات طويلة ويمكن ان نؤرخ لها من بداية التسعينات لكن لماذا كان ذلك الانقطاع؟ ... تقول الشاعرة الماجري: بدايتي في مجال الابداع كانت قوية وفيها الكثير من الاندفاع, المبدع المشبع بالرغبة في كتابة الابداع الذي يحس ان يفيض بتراكمات تراثية موروثة بحكم انتمائي القيرواني, كنت احس ان كل مسامي وخفاياي وظواهري تنبع بالشعر وبالرغبة في الكتابة وفي القول. لكن منطق الاشياء يقول ان كل اندفاع عنيف او قوي يكون وراءه توقف مفاجىء؟ قد يطول. وبقدر حجم ذلك الاندفاع يكون ربما التوقف, هذا التوقف احيانا يحدث حتى بيني وبين نفسي وقد اجد له مبررات, كما قد لا اجدها ولا احاول البحث عنها. هذا الانقاع او ما تسميه انت توقف بماذا افادك ابداعيا؟ - يبدو من خلال تجربتي الشخصية ان الكتابة او فعل الكتابة وخاصة اذا كان شعرا كالوحي, اخاف من هذه الكلمة لان الشعراء مافتئوا متهمين بهذه التهمة, تهمة التنبؤ او مقارنة انفسهم بالانبياء, لذلك حين يتوقف احدهم لا تجد له مبررا, بل عليك الا تحاول ان تجد له مبررات. توقفي عن الكتابة لا اريد ان انعته بتلك العبارة المستهلكة اي انه وقفة تأمل, وهذه الوقفة بقدر ماهي واعية من اللاوعي , وبقدر ماهي متعمدة فيما من للامعتمد الكثير. هناك مرحلة مر بها الشعر على الساحة العربية, ليس على الساحة التونسية فقط, فترة كان لابد من التوقف فيها واعادة النظر والتأمل في هذه الساحة التي اختلط فيها الحابل بالنابل. وبرزت فيها عديد المشاكل, مشاكل الشكل وما صاحب ذلك من خصومات ادبية واختلافات حادة وعنيفة حتى ان الشاعر يحس ان هذا الابداع صار محكوما بالضغوطات والاحكام الشبه نقدية, فكان لابد من التوقف واعادة النظر خاصة ان الشاعر سريع الانطواء على ذاته. واذا انطوى الشاعر على ذاته يصعب وتطول مراودته لنفسه حتى يتمكن من الخروج من قوقعته. * كيف تمكنت من الخروج من قوقعتك؟ - كنت واثقة من انني سأعود بعد هذا الانقطاع او الصمت, وكنت اعرف انه صمت مؤقت, وهذا الصمت المؤقت قد يكون طال قليلا, وعلى كل لست نادمة ولا اؤنب نفسي على هذا التوقف الذي يراه البعض طويلا, لانني عندما عدت وجدت نفسي في الوقت الذي احس انه كان ذلك هو الوقت الذي ينبغي ان اعود فيه, لا ادري كيف, لانه كما قلت كالوحي يأتي ويذهب ولا تدري لماذا وكيف؟ انتاجك الشعري قليل هناك امر يجب ان اوضحه, هناك توقف عن الكتابة, وهناك توقف عن النشر, والفرق بينهما كبير. انا لم اتوقف نعم انتاجي قل لكنه لم ينقطع تماما, واريد ان اوضح نقطة اخرى وهي انه في نظري وحسب تجربتي الشخصية اعتقد ان المبدع الحقيقي او المسكون بهاجس الفن كالكتابة والشعر خاصة او حتى غيرها من الاشكال الادبية لا يتوقف توقفا تاما, مثل الذي كان يحترف حرفه ويقول سأتوقف الآن. * اذن العائق يتمثل في النشر؟ - صحيح النشر هو العائق وحجم انتاجي كثير وغزير جدا والآن دخلت في مرحلة النشر واعتقد وأتمنى انني لن اتوقف فبعد ان اصدرت مجموعتي الشعرية الاولى هاهي المجموعة الثانية تصدر بعنوان (ديوان النساء) وهي مجموعة من القصائد من وحي نساء معروفات في التاريخ وهاتين المجموعتين جزء من مجموعة شعرية خططت لها وقسمتها حسب المحاور وستحمل مجموعتي الثالثة عنوان (ديوان العشق التونسي) وهي جاهزة للنشر. وعندي مجموعة من القصائد العمودية سافرد لها كتابا وسأسميها (ديوان العرب) باعتبار ان القصيدة العمودية هي ديوان العرب. لماذا هذا الاصرار على تسمية (ديوان) على كل مجموعاتك؟ - هكذا ارتأيت. وهذا الاختيار اهو نابع من تصور فكري معين؟ - فعلا, هناك فكرة خلف هذا خططت لها وارتأيت ان اطبقها, كلمة الديوان فيها معنى الشمولية, مثلا عندما اقول (ديوان الوجد) اكون قد شملت كل ماله علاقة بالوجدان كما ان الديوان عادة يضم الصفوة, ولا اريد من خلال هذا القول ان ادعي انني اكتب زبدة الاشياء, وزبدة ما يكتبه الآخرون وافضله, لا انما هذه الرؤية في تخطيطي لنشر مجموعتي الشعرية. كتبت القصة في مرحلة ما, ماذا عن هذه التجربة؟ - نعم كتبت القصة, وعندي مجموعة قصصية, والكثير من القراء في تونس يعرفون انني كتبت القصة في فترة من الفترات التي ارتد فيها الشعر قليلا من اواسط الى اواخر السبعينات, عندما كلف الناس بنمط القصة القصيرة الذي شاع وانتشر. وأنا لم اكتب القصة القصيرة لان القراء يريدون ذلك, بل لان هذا الشكل الادبي بين الخاطرة والاقصوصة استهواني, واصدقائي وقرائي الذين كانوا يقرؤنني في تلك الفترة يناشدونني الآن نشرها وهو ما سيتم لاحقا, بعد ان بدأت في جمعها وتبويبها. نجد ان (ديوان الوجد) هو لوحة فسيفسائية رسم عليها الوطن, والحب والعروبة والمرأة والارض, وهي في مجملها قيما بدأت تنطفىء, فهل أنت من خلال العودة اردت اعادة البريق لها؟ - لست انا من اعاد لها بريقها بل الشعر, الشعر هو الذي يعيد للاشياء, بريقها وايضا هو الذي يعيد للناس الرغبة في الحياة والتعلق بها والاحساس بجمالها. الهذا نجدك دائما تقولين: ان الشعر يكتب بلغة الوجدان مهما كان الموضوع؟ - الشعر يكتب بلغة الوجدان مهما كان الموضوع, ويكذب من يقول عكس هذا. الشعر هو لغة الوجدان ويظل كذلك مهما اختلفت التنظيرات والتفسيرات العلمية او المدارس النقدية التي يريد البعض فرضها, من خلال تبنيه لنظريات نقدية مستوردة. ومن يقول عكس هذا الرأي لا يعرف شيئا. هل انصف النقاد جميلة الماجري المبدعة؟ - نعم. كيف؟ - عندما صدرت مجموعتي الاولى احدثت ضجة ايجابية انا نفسي لم اكن اتوقعها. قلت في حوار سابق: (ان الرجل يقرأ كتابة المرأة من باب حب الاطلاع) الا تعتقدين ان في هذا اتهام له بالسطحية؟ - في البداية اسم الكاتبة يغريه (تضحك ثم تواصل) ثم عندما يكتشف الموضوع, والقدرة على الكتابة تتغير نظرته وتتعدد ردود فعله - وأنا رأيتها كلها - فاما ان يغار او يعجب او يتألم لان المرأة انسان سوي يمكن ان تكتب وتتعامل مع فعل الكتابة مثل الرجل وليس اقل منه حتى لا اقول ربما احسن, باعتبار هذه الخصوصية الانثوية التي تنوي كتاباتها. هل يمكن ان نقول ان الكتابة بالنسبة الى المرأة هي الكلام بصوت مرتفع هذا الصوت الذي قمع وأسكت واضطهد؟ - الكتابة عموما عند الرجل والمرأة هي الكلام بصوت مرتفع, ويمكن ان نقول هي ردة الفعل على ان صوت المرأة عورة, اي نوع من الاحتجاج على هذا المفهوم. يقول احد النقاد ان الكتابة النسائية لم تتبلور ملامحها بعد, وهذه التجارب لا يمكن ان نقيمها تقييما نقديا لعدم توفر الكم اللازم؟ - غير صحيح, هذا رأي مردود على صاحبه, وفيه تعسف, فالكتابة النسائية الآن على الساحة التونسية والساحة العربية, فيها كم يسمح بان يرصد الخصوصيات والتميز, بدليل انك عندما تقرأ نص تقول هذا لامرأة او لرجل الا في حالات قليلة ونادرة. كيف يلوح لك أفق الكتابة النسائية التونسية والعربية؟ - افق رحب وواعدا جدا. وأفق جميلة الماجري؟ - لا استطيع ان احكم لاكنني ككاتبة اعد نفسي بالكثير. كالتميز على الساحة لانني ارفض التجارب المسطحة والعادية وغير المتميزة, وانا ادعي انني قادرة على هذا التميز وعلى تحقيق الاضافة شعرا ونثرا.