دبلوماسية الجدات عبارة جديدة اضيفت مؤخرا الى دبلوماسية البوارج ودبلوماسية حصر البول ودبلوماسية السيقان.دبلوماسية البوارج عرفتها دول الخليج ميدانيا عندما كان المعتمد البريطاني يفاوض قادة المنطقة بينما البوارج الحربية تتولى قصف المواطنين . دبلوماسية حصر البول تحدث عنها وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر خلال مفاوضاته مع الرئيس حافظ الأسد في دمشق, حيث كانت الجلسة الواحدة تمتد الى ست ساعات وما فوق مما كان يضطره الى طلب الإذن بالذهاب الى الحمام. دبلوماسية السيقان اطلقها وزير الاعلام اللبناني باسم السبع في وصف جولة للبنان وسوريا قامت بها مساعدة رئيس اللجنة الخارجية في مجلس الشيوخ الامريكي جيسي هيلمز, وتحدثت خلالها بعبارات وقحة عن لبنان, بينما كانت تحرص باستمرار ان تلتقط عدسات المصورين ما تكشف عنه تنورتها القصيرة وهي جالسة بارتياح من تفاصيل. ونصل الى (دبلوماسية الجدات) وهو مصطلح جديد اطلقه هذا العام عالم الاجتماع النمسوي فروم تشيلر في دراسة نشرت مؤخرا في بريطانيا, اكد فيها ان الجدة في المنزل تلعب دور قوات حفظ السلام, وفي الصراع ما بين الآباء والابناء وهو ما نسميه صراع الأجيال فإن الجدة هي الاصلح دائما لتبريد خطوط التماس. هدف عالم الاجتماع من دراسته كما يقول هو: (التصدي لهذه الظاهرة (الوحشية) في الغرب حيث اثبتت الاحصاءات انه من بين كل مئة اسرة عندها جدات فإن خمسة وخمسين اسرة توفر للجدة سكنا مستقلا, سواء كان غرفة ثانية في المنزل. او شقة منفصلة او حجرة في ملجأ للعجزة والمسنين.. ان هذا يحرم الاسرة من جسر التواصل بين الاباء والابناء وقد يبدو هذا الاستنتاج غريبا لان المسافة العمرية بين الاحفاد والجدات هي اطول مما بين الاحفاد والآباء ومع ذلك انظروا حولكم. (هل تجدون من هو اقرب الى الحفيد من الجدة؟) وينتهي عالم الاجتماع الى تأكيد الحقيقة التالية (ان انهيار الاسرة يبدأ باقصاء الجدة سواء معنويا او جسديا عن هموم العائلة, ووجود الجدة ومشاركتها قد يكون مفيدا للجدة ولكنه ضرورة للاسرة) . وعملا بنصيحة عالم الاجتماع ننظر حولنا ونتذكر أولا المثل العربي السائر (ما أغلى من الولد الا ولد الولد) ثم لكل منا حكاياته عن هذا الموضوع وهنا ثلاث منها: محلية وعربية ودولية تكشف عن جوانب الابداع في هذه الدبلوماسية الشابة على الدوام. معركة التماثيل: صديق من الامارات أنعم الله عليه فبنى منزلا كبيرا فخما وألحق به حوضا للسباحة, تحيط به تماثيل اسود تتدفق المياه من افواهها وتصب في الحوض, كما انعم الله سبحانه وتعالى على ذلك الصديق بالبنين والبنات لتكتمل معهم زينة الحياة. وحدث بعد سنوات من بناء البيت الكبير ان ارسل الصديق ولده الى الولايات المتحدة الامريكية للتخصص في علوم الكمبيوتر, بعد ان نال الشهادة الثانوية, ودرس الولد وجد واجتهد وعاد بعد اربع سنوات باجازة علوم الكمبيوتر. وبالطبع كان لقاء فاحتفال ثم حوار غير متوقع اذ فاجأ الولد والده بعد يوم من عودته بالسؤال: هل استطيع ان احصل على مطرقة؟ ضحك الأب وقال: تسألني انا, ولماذا لا تطلبها من البشكار.. ثم لماذا تريد المطرقة؟ ورد الابن بثقة اريد تحطيم تماثيل الأسود في حوض السباحة فأنت تعرف ان التماثيل محرمة دينيا. واشتعلت الجبهات كلها دفعة واحدة ما بين الاب والابن. الاول يرى في التماثيل قطعة من الفن والجمال وآية في الابداع والثاني يعتبرها رجسا من عمل الشيطان, ووصل الحوار الى حد هدد فيه الابن بأن يغادر المنزل نهائيا اذا لم تتم ابادة الأسود عن بكرة ابيها وغلت مراجل الغضب في صدر الأب, فالقضية لم تعد قضية أسود بل هي اكبر ووصف ابنه بأنه (ارهابي صغير) يريد ان يفرض ارادته على البيت الكبير (وهو ما لن يحصل ما دمت حيا) . وقبل ان يبدأ الابن بحزم حقائبه, تدخلت دبلوماسية الجدة وهي كانت تستمع الى الحوار طوال الوقت, واقترحت لوقف الاشتباك حلا على طريقة (لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم) , فقالت: لماذا لا تثبت فوق كل تمثال أصيصا نزرعه بالنبات المتدلي وعندنا منه الكثير, ان الأوراق سوف تغطي التمثال وتحجبه عن النظر, وفي الوقت نفسه فإن هذه النباتات سوف تزيد الحوض جمالا عندما تتدفق المياه من بين أوراقها؟ وضحك الأب والابن من بساطة الحل, ودخل الجميع في مرحلة عناق واعتذار, ونجحت دبلوماسية الجدة في عقد هدنة طويلة على جبهة الصراع بين الاجيال. ... وحرب الصور وحكاية ثانية من لبنان, ففي منتصف السبعينات وبعد نشوب الحرب الأهلية لجأ الجميع الى السلاح, وصار السلاح زينة الرجال والاطفال ايضا, وبالطبع فإن مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا الجنوبية لم يكن يخرج عن هذه القاعدة, ولكن ما يميزه هو ضيق مساحته بالنسبة لعدد النازحين الفلسطينيين فيه, وكذلك كثرة تنظيماته, بحيث كان يجتمع في البيت الواحد أكثر من تنظيم, وحدث في أحد الأيام ان قرر شاب من (فتح) ان يعلق صورة الزعيم (أبوعمار) فوق عمود كهربائي عند مدخل حارة منزله, ولكن شقيقه الأصغر وكان من جماعة جورج حبش في الجبهة الشعبية احتج على تعليق الصورة, وقال انه لا يطيق ان يتصبح في كل يوم بصورة (الختيار) , ثم ان العمود ملك عام فلماذا تخصيصه (لأبو عمار) ؟.. ربما كانت فتح ومازالت هي رائدة الخصخصة في العالم العربي, غير ان الشقيق الأكبر لم يقتنع, وأكد ان عرفات هو رمز الثورة كلها وبكل فصائلها, وعندئذ أضمر الشقيق الأصغر أمراً, وما ان ظهرت تباشير الصباح في اليوم التالي, حتى شاهد الشقيق الأكبر ومعه سكان الحارة صورة جورج حبش معلقة على العمود, ولكن فوق صورة أبوعمار بمسافة, اذ كان الشقيق الأصغر, كما يبدو, أكثر نشاطا, فنجح في تسلق العمود كله ليضع صورة حبش في أعلى مسافة ممكنة. وحسم الشقيق الأكبر المشكلة, فوجه فوهة الكلاشينكوف باتجاه صورة حبش وأفرغ المشط وتهاوت الصورة نتفا منثورة, بينما كان الشقيق الأصغر يندفع الى المنزل لاخراج الكلاشينكوف. تدخل عقلاء المخيم, وعقدت التنظيمات المشتركة مجلسا عسكريا للفصل في الأمر وحسم الخلاف, وطرحت اقتراحات من نوع وضع صورة حبش تحت صورة أبوعمار, وهو ما رفضه أكثر من طرف, اذ أين تضع صورة نايف حواتمه (الديمقراطية) وزهير محسن (الصاعقة) و... ابو العباس و(جبهة التحرير) .. وانفض الاجتماع وصورة ابو عمار وحدها بقيت معلقة. ... وبات الجميع وهم يتوقعون أمرا, وفي صبيحة اليوم التالي فوجىء سكان الحارة, ومعهم المخيم, بصورة ابو عمار مازالت معلقة على العمود باتجاه الشارع العام وعلى قفاها صورة جورج حبش ينظر باتجاه الحارة, بحيث ان الداخل يرى صورة ابو عمار والخارج يرى صورة جورج حبش, وعلى ما يروي صديق فلسطيني, فإن الحل جاء عن طريق الجدة, وكان اسمها (سعدى) وهي في الثمانين من العمر, وكانت ذات شعبية في الحي, ويضيف الصديق: قبل هذه الحادثة كان المسلحون يحتكمون الى المجلس المشترك للتنظيمات لحل الخلافات, بعد ذلك صاروا يحتكمون الى (مجلس العائلات) وكانت سعدى عضوا بارزا في ذلك المجلس (!) ... وحروب المسافات البعيدة ... وحكاية أخيرة من امريكا ساقتني الاقدار في الثمانينات الى امريكا, حيث سكنت بداية في شقة مفروشة في منطقة (الكاتدرائية) في واشنطن, وكان شرط السكن في تلك البناية ان يكون المستأجر.. من دون أولاد. وكان هذا الشرط ينطبق علي, وخلال اشهر لم اكن اختلط بالجيران, ولكن ما كان يثير استغرابي هو ان معظم الشقق المجاورة لشقتي كان يسكنها نساء مسنات, وكانت البناية تضم 80 شقة, وحدث في احدى الليالي ان جرس الانذار بوجود حريق بدأ يلعلع, وهو ما يعني ان على الجميع ان يغادر الشقق على الفور, ومن دون استخدام المصعد, وبدأت رحلة الهرولة نزولا على الدرج, ولكن فوجئت بما ليس في الحسبان, فقد كنت اسكن في الطابق الخامس, وما ان بلغت درج الطابق الرابع حتى كان الازدحام على أشده, وكان علي ان احاول التسلل من بين الجموع الزاحفة على الدرج امامي, الزاحفة بالمعنى الحرفي للكلمة, فقد كانت الادراج تغص بالنساء المسنات, ولم تكن المشكلة في بطء حركتهن, بل في ان كل واحدة منهن تحمل معها حيوانا: فهذه تحمل كلبها, وتلك تحمل قفصا فيه عصفور, وثالثة تعانق قطتها, ورابعة تنوء عظامها بحمل حوض صغير يحوي سمكة واحدة ووحيدة.. المهم اننا عندما وصلنا الباحة الواسعة عند مدخل البناية, تبين ان جرس الانذار كان كاذبا, ولكن تبين لي ايضا انني الوحيد في بناية لا تسكنها الا... الجدات (!) وقد نجح جرس الانذار الكاذب في توطيد علاقتي مع جارتي, وهي تملك كلبا, تقول أنه (اغلى ما تملك) وعندما أسالها عن أولادها, تقول انهم يتصلون بها هاتفيا في عيد الأم, ثم تتردد لحظة قبل ان تهمس: ان حفيدي جاك يتصل بي خلسة, احيانا مرتين في اليوم, لقد جاء به ابني لزيارتي في عيد الميلاد قبل عامين, جاء به من نيويورك, انه اليوم في التاسعة من عمره, وهو يحب ان يتصل بي.. آه كم أود ان اعانقه وفي صبيحة احد الايام فوجئت بجارتي تقرع علي الباب, وهي في احسن حلة, واجمل لباس, قالت بانفعال: الدنيا لا تتسعني, تصور لقد دعاني ابني لزيارته في نيويورك, قال انه اختلف مع زوجته, وتركت المنزل, قال ايضا ان من الأوفر له ان يستضيفني من ان يدفع ثمن مخابرات جاك الي.. وقبل ان تغادر اطلقت تنهيدة فرح وهي تقول: هؤلاء الأولاد لا يتعلمون ابدا.. انا اعرف كيف اعيد زوجته الى المنزل.. من اجل جاك على الأقل. وبعد, لماذا هناك يوم للأمهات ويوم للآباء, ويوم للمرأة ويوم للطفل.. ومتى نرى يوما للجدات؟ ولماذا لا يكون لدينا (جدة مثالية) نحتفل بها كما نحتفل بالأب المثالي والأم المثالية والطفل المتفوق, والدعوة جادة.