ملعون ابو الروتين في السموات والارض, ما ان يصطدم به الانسان البسيط حتى يخيل اليه انه معلق للبشر مشانق في وقت واحد, كل منها تزعم انها صاحبة الحق الاول في كسر رقبته, وانتزاع آخر انفاسه . والروتين الذي أعنيه هنا ليس التمسك باللوائح والقوانين والقواعد الموضوعة لتنظيم العلاقات بين افراد المجتمع وبعضهم البعض, وبين الحاكمين والمحكومين, فهذا امر مفروض ومطلوب من اجل تيسير الحياة على البشر اجمعين, وانما يصبح الروتين ملعونا عندما تفقد هذه اللوائح والقوانين والقواعد الغرض الذي وضعت من اجله, فاذا بها مجرد نصوص مجمدة تحت طبقات كثيفة من ثلوج القارة القطبية, وتزداد قدسيتها عمقا كلما تزايدت كثافة الجليد الذي يغطيها... فاذا بها تتحول في النهاية الى ادوات لتعذيب البشر بدلا من ان تكون وسيلة لتنظيم حياتهم وجعلها أكثر يسرا. وآفة الروتين ليست في كبار المسؤولين فمعظم هؤلاء المسؤولين لم يصبحوا كبارا الا اذا كان لديهم من الكفاءات ما يسمح لهم بالقفز فوق الحواجز والسبق الى مناصب القيادة, وهذا يعني انهم بطبيعتهم ضد الروتين الذي لو التزموا به لظلوا تحت السلم. وانما آفة الروتين هي في انصاف المسؤولين وارباعهم الذين يتشبثون بالنصوص العمياء وكأنها القشة التي تعصمهم من الغرق... وربما يجد بعضهم في تعذيب الناس بسياط الروتين تعويضا عن نقص ما يحسه في ذاته, أو تأكيدا لوجوده (الهايف) كصاحب سلطة وسلطان... استنادا الى (نص) صريح لا يقبل الجدل... حتى ولو كان تطبيقه يؤدي الى عكس الغرض منه. ذلك ان عبدالروتين لا يفكر فيما وراء النص, او في هدفه بل هو يتصور انه ليس مطلوبا منه ابدا ان يفكر, وكثيرا ما ترتسم في مخيلته أمثلة حية لقوم غيره فكروا فكان مصيرهم الضياع... ولذلك فهو يعمل بالمثل الشائع (الباب الذي يأتيك منه الريح, سده واستريح) مع الاعتذار لسيبويه, حيث لم يجزم فعل (استريح) عملا بضرورات السجع. وقد يحدث في احيان نادرة ان يكون الروتين مادة سخرية تثير الضحك بلا اذى... مثلما حدث عندما اكتشفت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر بندا في الميزانية لدفع مرتب وبدل تمثيل لمنصب حارس سجن الملكة. ثم تبين ان هذا المنصب, باعتماداته, موجود منذ ايام هنري الثامن حينما وضع احدى زوجاته في السجن تمهيدا لاعدامها, وقد اعدمت الملكة اياها ومات هنري الثامن من مئات السنين, ولكن المنصب ظل قائما, والحارس يأتي بعد الحارس ليقف امام غرفة موصدة في برج لندن دون ان يفكر احد في ان مبررات وجوده, وتكلفته, ليس لها وجود! ولقد كنت لسنوات طويلة اتصور ان الروتين مرتبط بالتخلف, بمعنى انه كلما تعمقت جذور الروتين وابتعدت عن ارض الواقع, كلما كان ذلك علامة على تخلف المجتمع الذي يعشش بين ضلوعه. ولكنني اكتشفت أخيرا, وبتجربة شخصية, ان هذا الاعتقاد غير صحيح... او ربما كان مفهومنا عن التخلف والتقدم هو غير الصحيح. وكان ذلك من خلال مواجهة مباشرة مع الروتين في لندن عاصمة المملكة المتحدة وبريطانيا التي كانت عظمى. وقد حدثت المواجهة وانا ازن امتعتي امام نافذة الدخول لصالة المطار, في طريقي للعودة الى الوطن بعد زيارة قصيرة لم تتجاوز بضعة ايام. فجأة اكتشفت ان تذكرة العودة ليست موجودة بين ضفتي جواز السفر كما اعتدت ان احتفظ بها. اخذت اقلب في جميع جيوبي, وفي حقيبة اليد, وضاعف من ارتباكي نظرات موظفة وزن الامتعة الباردة... والتي كانت تنطق بنفاد الصبر... وهمهمات تعبر عن السخط مبادرة من جانب الصف الطويل الممتد خلفي لعربات الامتعة التي ملت الوقوف في انتظار انتهاء هذا الراكب شرقي الملامح من اجراءاته امام الشباك. أخيرا قالت لي الموظفة بلهجة خلت من الاعتذار... لو سمحت, تنح عن الطريق حتى تترك مكانا لغيرك. وعندما تجد التذكرة سأكون في خدمتك... تنحيت, ولم يكن معي متاع كثير على أية حال, فالزيارة كانت قصيرة, ولم اثقل متاعي بالمشتريات من العاصمة البريطانية بعد ان اكتشفت ان كل السلع هنا تباع بأسعار اغلى مما سأجده في السوق الحرة عندما أعود. وكان الحل في تصوري سهل, فقد حجزت مقعد العودة قبل يومين ولابد ان اسمي مسجل هنا في مكتب شركة الخطوط الجوية البريطانية, وعندئذ يكفي ان ابرز جواز السفر للمسؤولين بمكتب الشركة لاستخراج تذكرة بدل فاقد. سألت, فدلوني على المكتب, ولم يكن بعيدا لحسن الحظ شرحت للموظفة المسؤولة الامر, أبدت تعاطفا واضحا واستخرجت من مكتبها عدة أوراق... وسألتني مرة اخرى عن الاسم فأكدته لها وانا أحس لأول مرة بالتفاؤل وعيناي تتابع اصابعها وهي تمر على قائمة الاسماء, وقبل ان تصل الى اسمي لمحته, فهتفت... هذا هو انا... امام رقم 17. هزت رأسها موافقة بابتسامة كشفت عن طاقم اسنان بدا أكثر بياضا بين شفتيها الرقيقتين. حسن... لا توجد مشكلة... سنستخرج لك بدل فاقد. واخرجت من درج مكتبها تذكرة خالية... ثم بدأت أصابعها تعزف على مفاتيح جهاز الكمبيوتر, وابتسامتها الكاشفة عن اسنانها البيضاء اللامعة تتلاشى شيئا فشيئا, كأنما ترى على شاشة الكمبيوتر حشرة أو شبحا... واخيرا التفتت نحوي وفي عينيها شبه اعتذار. ــ اسفة... لن نستطيع ان نعطيك تذكرة بدل فاقد. هتفت غير مصدق, وكأن آمالي كلها تسقط من حالق. ــ لماذا؟ ــ كيف؟ ــ هذه الرحلة كاملة العدد... لا توجد أي اماكن خالية... تستطيع ان تحجز مكانا بالرحلة التالية... في نفس هذا الموعد بعد غد. ــ ولكن يا آنستي... عفوا... يا سيدتي (لمحت باصبعها خاتم زواج) ان الرحلة كاملة العدد بي... ان وجودي في هذه القائمة هو الذي جعلها كاملة العدد... واستخراج تذكرة بدل فاقد لن يضيف راكبا جديدا... ارجوك يا سيدتي... انا ... انت.. ولكن لا حياة لمن تنادي, أنزلت السيدة المحترمة أصابعها من فوق مفاتيح الكمبيوتر مكررة اسفها بهدوء قاتل... مؤكدة انها لا تستطيع تحرير تذكرة ركوب طالما الكمبيوتر قال (لا توجد أماكن خالية) ... رجاء تعليق أي طلبات على قائمة الانتظار للرحلات التالية. وامام هذا اللا منطق كان لابد ان انفجر و لابد ان انفجاري كان مدويا جدا لدرجة جعلت المدير العام نفسه ينزل من عليائه... وكان الرجل كريما... حيث تفهم سبب ثورتي... وانها ليست من اجل تعجلي العودة لبلدي, بقدر ماهي تعبيرا عن الذهول لحجم اللامنطق في الأمر كله. وعندما استويت أخيرا على مقعدي بالطائرة... سمعت بداخلي صوتا ساخرا... فيه شيء من العبث, وشيء آخر من الرضا, يقول... لا أظن أمرا كهذا يحدث عندنا... مهما كان حجم ووزن الروتين لدينا.