منذ نيف ومائة سنة وبالتحديد في عام ,1890 نشر عالم النفس الكبير ويليام جيمس دراسته الشهيرة بعنوان (مبادئ علم النفس) وربما طوت الأيام معظم هذه المبادئ التي دخلت في صفحات تاريخ العلوم, ولكن بقي منها حتى زماننا عبارة اشتهرت وذاع صيتها بين أجيال الأدباء والمتأدبين والنقاد والمتذوقين والعبارة هي : (تيار الوعي) ومعناها ألا يرص الروائي القصاص المبدع أفكار ومشاعر ابطاله رصَّا وكأنها قناني على رف أو دفاتر مكتوبة حبيسة الأدراج, بل يظل يسجل ويرصد ويدون هذه الأفكار والأحاسيس, إذ هي تنساب في عفوية وكأنها جدول متدفق يستمد مياهه من معين الوعي البشري ويقيم بذلك جسورا لا تحصى وبغير حدود بين الانسان وبين الحياة النابضة العريضة من حوله. على ان عبارة ودعوة (تيار الوعي) لم يقدر لها الذيوع الا بعد ان سلطت عليها الاضواء الروائية النابغة (فرجينيا وولف) في مقالة نشرتها عام 1920 حول (الرواية الحديثة) واختتمتها بعبارة موحية قالت فيها: الحياة ليست مجرد سلسلة من المصابيح المرصوصة في صفوف منتظمة بالمسطرة أو الفرجار .. الحياة هالة متدفقة من الضوء المنساب, حتى لكأننا معشر البشر محاطون بغلاف شبه شفاف منذ بداية الوعي وحتى نهايته) . وإذا كانت السيدة وولف (وقد اصيبت للأسف بالجنون قبل رحيلها عن الدنيا في فاتح الاربعينات) قد تبنت الدعوة إلى تلقائية التعبير عما يحسه البشر وما ينكرون فيه في اطار تيار الوعي الذي اشرنا اليه, فقد قدر لهذه الدعوة ان تجد تجسيدها الفني والابداعي في رواية (يولسيس) التي المحنا اليها في (استراحة سابقة) وقد نشرها الروائي الايرلندي المحسوب ــ طبعا ــ على تراث الادب الانجليزي, جيمس جويس ثم طبقت شهرتها الآفاق الى ان تسامع بها الناس من جديد في الاسابيع القليلة الماضية, حين اختارتها كوكبة من ناقدي الادب ومبدعيه لتكون على قمة أهم مائة كتاب صدرت وراجت وانتشرت وخلفت تأثيرا بالغا على افهام الناس واذواق خلق الله, على امتداد هذا القرن العشرين, ولعلنا حدثناك عن الانتقاد الذي وجهوه في امريكا إلى حضرات النقاد اصحاب هذا الاختيار, فمن الناس من وصفهم بانهم شلة من العواجيز ـ ختيارية الادب ممن وقف بهم الذوق أو كاد يقف عند النصف الاول من قرننا الراهن, ولدرجة ان قال الاستاذ مايكل بروبيه مدير البحوث في جامعة اللينوي الامريكية, هذه القائمة تخلو, مع الاحترام الكلي, من اي كاتب أو مؤلف ينتمي إلى الثلث الاخير من القرن العشرين, لقد جاءت وكأنها كبسولة زمنية عمد القوم إلى دفنها وسط رمال الستينات. ومع هذا كله, فمازال الناس .. الدارسون عتاة الدارسين على الاصح, ومعهم القارئون وقد نسميهم ايضا اشاوس القارئين, اذ لا يهجمن على قراءة يولسيس سوى القراء من العصبة اولي القوة, مازال هؤلاء واولئك يعاملون رواية صاحبنا جويس باكبار وتوقير شديد وهم في هذا انما يذهبون في فهمها وتفسيرها مذاهب شتى, كل حسب رؤيته وعلى قدر مفهومه فالرواية خطيرة لانها (حمالة أوجه) كما قد نقول. وها هما الاستاذان كليفتون فاديمان وجون ميجور ــ واولهما في طليعة كتاب امريكا, والثاني حاصل على دكتوراه في اللغة والتاريخ من هارفارد, ها هما في كتاب ممتع اصدراه حول قراءات شتى في الفكر والابداع الانساني, يعترفان بأن رواية يولسيس عمل عصي صلد لاسبيل إلى ولوج أبوابه بسهولة ناهيك عن ارتياد تخومه أو اختراقها. ولك ان تتأمل مغزى ان يعمد كاتب الرواية إلى تسويد 732 صفحة (الطبعة الاصلية الصادرة في باريس ومازلنا نتيه بعد اقتنائها عجبا على الاقران) فاذا بهذا الكم الضخم من الصفحات يعرض لحياة اسرة ايرلندية, عبر 24 ساعة فقط لا غير أو بالتحديد ساعات يوم واحد هو 16 يونية عام ,1904 بل يزيد المؤلف مشروعه الطموح تركيزا وتكثيفا عندما يكاد يقتصر في عرض الافكار والمشاعر والنزوات والوساوس والخاطرات والنزعات والسكنات على فردين فقط هما عمودا الرواية, ستيفن ديدالوس وابوه الروحي ليوبولد بلوم, اولهما يرمز إلى المثقف في عصرنا باشواقه الروحية وشكوكه واحباطاته النفسية وتأملاته الفكرية, والثاني يرمز به إلى الانسان العادي الذي يأكل الطعام, ومعظمه من البطاطس المسلوق أو حساء الكرنب العديم الطعم ثم يمشي في اسواق دبلن عاصمة ايرلندا الشديدة المراس والعناد, والحاصل, يقول الاستاذان الامريكيان ان الرواية. ليست كتابا مفتوحا ولكنها سفر محكم الاغلاق محاط بالطلاسم والاسرار, وهي لا تفتح اسرارها او تبوح بنجواها الا لمن لديهم الاستعداد والهمة والاناة والصبر على تحمل مشاق سطورها كما يروضوا الكلمات ويفسروا المعاني والعبارات.. انها اشبه بأعمال لودفيج فان بتهوفن وخاصة موسيقى رباعياته الاخيرة, فكلما امعنت في دراستها, وكلما واصلت الاصغاء الذكي المرهف إلى أنغامها. أنعمت عليك بالجديد من المتعة الروحية, وجادت بالمزيد من اسرار البهاء والجمال. وليس لأحد ان يستهين بهذه الصناعة الروائية الحاذقة المهارة والبالغة الابهار.. لقد مهد هؤلاء الرواد وخاصة السيدة وولف ثم صاحبنا جيمس جويس الطريق الى استخدام ادوات الحوار الداخلي, المونولوج الذاتي, وهو حديث النفس غير المنطوق وهو مزيج من الهمزات والوسوسة حيث يغوص العلم الروائي داخل اغوار الكهف المغلف بألف تاج وهو النفس البشرية يرصد ما يساورها بين الجوانح من افكار وما يتراءى لها في الضلوع من سوانح بالخير احيانا وبالشر في بعض الاحيان.. هكذا استوت لنا هذه الوسيلة في الصنعة صنعة القص ــ القصير أو الروائي الطويل عند أعلام كبار في ابداعنا المعاصر جعلوا حياتنا وفكرنا ووجداننا أشد ثراء وجمالا وأكثر خصبا وتنوعا وفي مقدمتهم يتربع الصانعون الأمهر ــ نجيب محفوظ ( غفر الله له آراءه الأخيرة ) ويوسف ادريس (رحمة الله عليه) وعبد الرحمن منيف (متّعه الله بالعافية). أما جيمس جويس فقد كتب روايته بقدر يُحسد عليه من الشقاوة ــ الولدنه كما يقول اللبنانيون هو عبث العباقرة كما قد تسميه ... كتبها وكأنه عقل الكتروني ــ حاسوب يرصد في تحفز طويل وصبر جميل كل ما صدر عن الشخصيات التي تفتقت موهبته عن رسمها وصياغتها ويرصدها ثم يدون سطوره وقد حفلت, كما تحفل الحياة ذاتها بأنصاف عبارات واضطراب في الأفكار وشطحات وتهويمات في بوادي أحلام اليقظة التي يركن فيها العقل الواعي أو يسنده أحيانا اللاوعي إلى التعبير عن الاحباط أو الكبت أو الرغبات المحرمة والمحرومة في آن .. أليست هكذا الحياة؟ لاتسير على منطق مرتب أو مهذب بل هي تفتقر في تقدير البشر القاصر ورؤيتهم المحدودة, إلى المنطق والانتظام أو الاتساق في بعض الأحيان؟ وكم حار المحررون والمنقحون والمراجعون ومن ثم الباحثون والنقاد في امر الرواية.. وفهم من قال ان اخطاءها الهجائية مقصودة عمد اليها الكاتب لكي يكسي صورة من لا منطق الحياة وعثرات الواقع, وفهم من ذهب الى انها اخطاء مطبعية يجب تصحيحها.. ثم انهم حاروا في تفسير المغزى من الرواية وفي فهم احداثها وشخوصها. ولهذا قال الناقد س. جولدبرج بان يولسيس انما نفهمها على خمسة وجوده مختلفة. اما لانها مجرد كوميديا ايرلندية, او انها رواية فلسفية عمدت الى اختزال الحياة ومجريات الكون الى 24 ساعة من الافكار والنزعات والاحداث وباسلوب عدمي يتعامل مع المادة الروائية بقدر غريب من عدم التورط او المبالاة.. او انها عمل صوفي يحيطه غموض تلفه ظلال الميتافيزيقا, او انها صيحة رفض غاضبة متشائمة للحياة الحديثة.. وكأنها دائرة معارف ساخرة من الحياة والاحياء.. أو أنها اخيرا على العكس تماما (تصور!) عمل متفائل يتقبل الحياة كما هي.. بأفراحها واتراحها باتساقها وتناقضاتها سواء بروح من طلاوة السخرية او بروح من توتر المأساة. ربما لهذا كله..جعلوا يولسيس اهم عمل روائي صدر في زماننا.. فان تسول لك النفس ان تقرأها فافعل ولا بأس عليك, لكن اتبع نصيحة الكاتب كليفتون فاريمان حين قال: لا تحاول ان تفهم منها كل شيء, كل اشارة او احالة الى مرجع هنا او هناك او كل عبارة مبتورة وكل ظلال لمعنى مطروح.. بعد ذلك ضع الرواية جانبا على ان تعود اليها من جديد.. وفي كل حال ـ يضيف الاستاذ فاريمان ـ فقراءة يولسيس مغامرة عظيمة ممتعة. فما اجدره بالثناء اذن, ذلك المثقف المصري الذي بذل سنوات من العمر في مكابدة ترجمة هذا العمل الجليل الجميل الى العربية الشريفة اسمه كما تعي الذاكرة هو الدكتور محمود طه وقد عمل ـ على ما نذكر ايضا ـ استاذا للاداب الانجليزي معارا من جامعة عين شمس القاهرية الى جامعة الكويت, ولم نطّلع للأسف على ترجمته, وهو امر ما برحت النفس تهفو اليه على شوق معجب وفضول شغوف. وربما كانت هناك ترجمات اخرى من يولسيس لم تصل الى علمنا, ربما وقع في حبائل الرواية مثقفون عرب اخرون من المشرق او المغرب فاقدموا على ترجمتها او اقدمت هي على ترجمتهم كيف لا.. وقد وصفها الشاعر الامريكي الاشهر (عزرا باوند) انها عمل فريد لا يمكن تكراره ولا محاكاته في تاريخ الابداع البشري. في حين ان الناقد البريطاني الكبير والتر الذي يصفها قائلا: يولسيس عمل ملحمي.. من ابداع جيمس جويس الذي يكاد يماثل ابداع بيكاسو في الرسم وابداع سترافنسكي في الموسيقى لا عجب بعد هذه القلائد من التفريط ان تحمل المكانة التي حدثناك عنها في آداب القرن العشرين.