ماذا يحدث عندما تكتب مقالا وينشر هذا المقال في(الاستراحة)مثلا ثم تكتشف ان هذا المقال سيثير عليك الدنيا كلها, وانه سيضر بك ضررا بالغا ؟ هل تنكر انك كتبت هذا المقال وتتهم مجهولا بأنه كتبه باسمك ودسه عليك وارسل به الى (البيان) دون علمك؟! طبعا اعتذار طريف, ولكن من سيصدقه, ثم هناك الأدلة التي تؤكد ان هذا مقالك أم لا . مثل الخط الذي تكتب به, وأنا خطي ــ والعياذ بالله ــ معروف بين كل العاملين في الجريدة, واظن انه موضع حديث مع اصدقائهم في ليالي الصيف الطويلة. والحكاية تبدأ بالمليوني دولار التي رصدتها الادارة الامريكية لمن يقدم معلومات تساعد في القبض على المتهمين في أحداث نيروبي وتنزانيا. ومثل غيري لفت الرقم الكبير نظري, ومثل غيري فتشت في ذاكرتي لعلي أجد بعض المعلومات, فلو انني وجدت شيئًا لتغيرت أموري تماما. وكان من الممكن ألا أجد شيئًا, ولكنني عثرت على معلومات هامة جدا تؤكد ان الولايات المتحدة نفسها هي المسؤولة عن انفجاري نيروبي وتنزانيا, وبرعونة شديدة أرسلت مقالا بهذا الى (استراحة) (البيان) ونمت ــ لفعلتي ــ هادئ البال. ولم يخطر على بالي, وربما ولا على بال الكثيرين, ان المستر كلينتون وقد بدا ضعيفا أمام الشعب الأمريكي وأمام اتهامات السيدة مونيكا قرر أن ينقذ نفسه بمغامرة على نظام (الكاوبوي) الأصلي! ويقال ــ والله أعلم ــ ان لا وجود لهذا الـ (كاوبوي) وانه شيء خلقته السينما الأمريكية في محاولة خلق تاريخ للولايات المتحدة, فهي دولة تمتلك كل شيء حتى مونيكا, لكنها لا تمتلك تاريخاً, وليس (الكاوبوي) فقط هو الاختراع الأمريكي لخلق تاريخ لها, فهناك آلاف المحاولات من بينها مسلسل (الجذور) بل انهم يعتبرون أحد أسباب فيلم (ذهب مع الريح) انه فيلم تاريخي في حين ان احداثه تدور في الماضي وحسب. ولي صديق أمريكي يعمل الآن استاذا للتاريخ في جامعة (نبراسكا) هو الدكتور جويل جوردن, ولقد قضى أخيرا عاما في القاهرة قبل أن يلتحق بعمله هذا, وكان قبله استاذا في جامعة شيكاغو, وهو من المهتمين بثورة يوليو, وله كتاب هام بعنوان (ثورة يوليو .. الحركة المباركة) ولقد سألت جويل ذات مرة لماذا لم يهتم بالتاريخ الأمريكي؟ فأشار بيديه كما لو كان يقول: أين هذا؟! المهم ان مستر كلينتون لبس ملابس (الكاوبوي) حتى لو كانت وهمية, وقرر أن يعاقب المعتدين على السفارتين الأمريكيتين, وبحث كلينتون, ولا أدري من أين جاء بالوقت الذي يبحث فيه, فالسيدة مونيكا أخذت وقته كله صديقة وعدوة, ووصل بعد لأي الى ان مصدر الخطر على الولايات المتحدة بعض الأسلحة الأمريكية في أفغانستان, ومصنع للأدوية في السودان. وانطلقت الطائرات من حيث لا نعلم, فمتى كنا نعلم؟ في أغرب مغامرة عرفها التاريخ. وسبب المأساة كلها أو (الإن) كما يقول عم (أبو زيد) في قريتنا فكل شيء عنده لديه (إن) يعني ان لديه سببا خفيا, و(الإن) في موضوعنا هذا ليست مونيكا كما يعتقد البعض فمونيكا هي (انة الإنن) أما (الإنة) التي اقصدها هي ان الأخوة الأمريكيين حياهم الله, صنعوا أفلاما من صنف (الكاوبوي) الى الـ (رامبو) الى غير ذلك, ولا مانع من صنع هذه الأفلام أو حتى ما هو اسوأ منها, ولكن المشكلة انهم بعد ان صنعوها صدقوها, بالضبط كذلك الوثني الذي يصنع صنما فإذا ما انتهى منه عبده, وكأنه لم يصنعه بيديه. وبدلا من ان تكون الأفلام مقتبسة عن الأحداث, نجد أن الأحداث الكبرى مثل ضرب أفغانستان والسودان تقتبس من الأفلام, وسبحان الله. المهم ان المستر كلينتون غضب من أحداث التفجير غضبا شديداً ولقد رأيت بنفسي دموعه على وجهه وهو يتحدث الى الأمة بما حدث, وربما قال لنفسه أو أصحابه: أيظنون انني رئيس ضعيف لمجرد ان الآنسة مونيكا لوحت لي بفستانها الأحمر كما يلوح مصارع الثيران للثور باللون الأحمر استعدادا لمصرعه لا .. وألف لا. وربما يكون المستر كلينتون ــ فهو رئيس أكبر دولة في العالم ــ قد قرأ بعض أشعار عنترة العبسي, فتمثل شخصيته خاصة وان الامريكان ليس لديهم شاعر مقاتل, وصرخ الرئيس على طريقة عنترة وقال: يا لثارات واشنطون! ثم أرسل الطائرات لتقصف الأخضر واليابس! وهي فكرة أيا كانت معارضتنا لها فهي ملهمة, ولقد ألهمتني فعلا حلا لمشكلة عاشت معنا طويلا. فلقد كان لنا بيت كبير بالقرية, ولقد ولدت بهذا البيت وكنا نذهب اليه في عطلات الصيف, وبعد ان انهى والدي فترة عمله ذهب ليعيش فيه, ولما توفي صرنا نتردد عليه كثيرا لنطمئن على الوالدة, فلما توفيت هي ايضا, انفرط العقد, ولم يعد فينا من يذهب الى القرية أو من يذهب الى البيت, ومضت سنون أغرت أحد الأقارب بأن يقتحم البيت ويعيش فيه, وغضبنا مما حدث, وصممنا على طرد هذا المقتحم, ولكننا انشغلنا بأمورنا. ولما وجد صاحبنا نفسه في هذا البيت الكبير أراد أن يملأه أصواتا بعد سكون, فتزوج وسرعان ما انجبت زوجته في سرعة الأرانب. وفي كل مناسبة نجتمع ونتذكر هذا المعتدي, ونقرر طرده فورا من بيت العائلة, ولكن يعطلنا ادراكنا ان التقاضي طريقه طويل, ولكن قبل ذلك احساسنا اننا لا نحتاج هذا البيت, الا لمجرد انه بيتنا القديم! لكن فعلة الرئيس كلينتون الهمتني الحل, ففكرت ان استأجر عشرة أشخاص أقوياء البنية, وأرسلهم الى القرية حيث يهاجمون البيت في غسق الليل, ويقتحمون الأبواب والنوافذ ويمسكون بهذا المعتدي وزوجته واطفاله ويلقون بهم الى قارعة الطريق, ولا بأس من بعض العقاب الخفيف مثل الصفعات أو الركلات, ثم بعد انتهائهم من العمل, يشربون البيرة, وهي لمسة فنية مني, ويركبون السيارات السوداء وينطلقون عائدين, فيعودون قبل أن يشرق الفجر. وهي كما ترى خطة كلنتونية محكمة وما زلت أضع فيها اللمسات الأخيرة, وفي حالة تنفيذها بنجاح سأرسل برقية شكر إلى الرئيس لانه أفادنا بأفكاره الملهمة. ولكن لتنفيذ العملية نحن نحتاج الى عشرة أشخاص لا يقل طول الواحد منهم عن مائة وثمانين سنتيمترا, ويكون مدربا على فنون الكاراتيه والكونغوفو, يجيد اطلاق كافة أنواع الرشاشات والمدافع, فضلا عن عدة سيارات سوداء لها ستائر سوداء, فإذا لم يتوفر هذا فانا مضطر لأن أرسل الى الرئيس اطلب منه المعونة, وما أظن ان الرئيس يبخل علينا بهذه المعونة التي تهدني الى تأكيد افكاره الملهمة. لكن الحياة ليست دائما هنية فلها مصاعبها, والتشاؤم موجود الى جوار التفاؤل والمأساة انني أصبت بذعر شديد مما حدث. لقد تهورت في هذا المقال الذي ربما تكون قد قرأته في مثل هذا اليوم من الاسبوع الماضي, والذي لا أتمنى أن يكون المستر كلينتون قد قرأه, وأن يكون قد اكتفى بقراءة شعر عنترة بن شداد, هذا إذا كان شداد قد اعترف بأبوته, لقد قلت ان أمريكا هي نفسها المتهمة في قضية نيروبي وتنزانيا, وانها بصلفها وغطرستها هي السبب في احداث الارهاب الموجهة اليها, وربما كنت غير مخطئ, فلقد توالت الأحداث في مشارق الأرض ومغاربها ضد الأخوة الأمريكان. ولقد خشيت أن يظن المستر كلينتون أو واحد من رجاله أو حتى واحدة من حريمه انني والعياذ بالله ضد أمن أمريكا أو انني مستمتع بالعمليات الارهابية وانني أحس بالتشفي لما حدث. ويبدو ان الاحداث اثرت علي, فلقد حلمت انني استيقظت من النوم فزعا لأجد الأخ سلفستر ستالوني في ثياب الحرب يوجه مدفعه الى صدري أما الأخوة الآخرون فلقد اندفعوا من النوافذ, وبالمناسبة أنا أسكن في الدور الثامن, فلما اندهشت من دخول الأخوة الأمريكان المسلحين من نوافذ الدور الثامن, لاحظت وجود طائرات مروحية تحوم حول البيت, ثم قادني الأخ ستالوني وزملاؤه الأشاوس إلى الغرفة التالية وهي غرفة المكتب, والمسافة بين الغرفتين ثوان, وتراجع ستالوني غاضبا فلقد رأى صورة جمال عبد الناصر, وفهمت فلفت نظره الى ان هناك تماثيل لتشيكوف وبيتهوفن وشكسبير وسقراط واسخيلوس, وبدا عليه الارتباك وكنت اظن انني اقنعته, لكنني عرفت فيما بعد انه لم يعرف هؤلاء, ثم صاح وهو يوجه مدفعه, وادركت انه رأى صورة جيفارا, لقد انتهى كل شيء واصدر السيد ستالوني أوامره بحرق المكان, وقمت من النوم على لسعات أحر صيف عرفته القاهرة, وقررت أن أعتذر عما كتبته صالحا كان أم غير صالح, وبحياة مونيكا لم أقصد سوءا يا سيدي الرئيس!