يعود الفضل بلا جدال إلى وزير الثقافة النابه ثروت عكاشة, عندما أسس في أوائل الستينيات نظاما لتفرغ الفنانين التشكيليين, وأوكل مهمة إدارته إلى الفنان حامد سعيد . حيث كان يقضي ذلك النظام بأن يمنح الفنان الذي تحول ظروف عمله الوظيفية, دون التفرغ للابداع, ما يعادل راتبه الشهري مقابل تفرغه التام للفن, فضلا عن نسبة في حدود 25% من هذا الراتب لشراء الألوان والخامات اللازمة لعمله, وكان يشترط على الفنان الراغب في الحصول على هذه المنحة, أن يتقدم إلى اللجنة المسؤولة بفكرة عامة عن المشروع الفني الذي يريد انجازه. والآن بعد هذه السنوات الطويلة حدثت بعض التعديلات على نظام التفرغ, فبعد أن كان الشاب وأصحاب السن المتوسطة هم أصحاب الحق في التفرغ بلا منازع, نجد أن هذا الشرط قد تمت الاطاحه به, فالذين حصلوا على التفرغ هذا العام بعضهم قد تجاوز الستين, بل والسبعين وبعضهم ليس في حاجة إلى التفرغ كما أكد مختار العطار نائب رئيس الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي, لذا فهو يطالب بالغاء هذا النظام الآن لانه لا يناسب النظام الاقتصادي الحالي الذي يسعى للخصخصة. عموما, لقد جاء معرض التشكيليين المتفرغين هذا العام ليثير غبار الأسلئة, ويضع نظام التفرغ في موقف حرج. ضم المعرض أعمال 28 فنانا من أعمار مختلفة, والمفروض أن هذه الأعمال هي حصاد ابداع الفنان خلال فترة تفرغه هذا العام, ولكن للأسف, عرض منير كنعان مثلا أعمال يعود تاريخ انتاجها إلى عشرات السنين, كذلك فعل وفائي رفعت (64 عاما) ومحيي الدين حسين, ومصطفى عبدالوهاب (55 عاما). لكن ذلك لا يمنع أن هناك عددا من الفنانين قدموا أعمالا نراها لأول مرة, مما يعني انهم استثمروا منحة التفرغ خير استثمار. فهذا فتحي عفيفي (48 عاما) عرض مجموعة من اللوحات التي تتناول الطقوس الشعبية, مثل لوحة (فرح شعبي) التي تستعرض (الزفة) المصرية الشهيرة للعروسين وقد حشد في هذه اللوحة مجموعة من الرجال والنساء, انهمك كل منهم في كل شيء مثل الطبال, أو الزمار, أو عازف الناي, أو تلك المرأة التي تزغرد في نهاية اللوحة, إن هذه الأفعال شحنت اللوحة بالحركة والضجيج الذي يلازم مثل هذه اللوحات السعيدة, خاصة وان الفنان استعار من القاموس الألوان الصداحة, مثل الأحمر المشتعل, والبرتقالي الطازج, والأزرق المضيء. وكي يؤكد الفنان شخوصه, أحاط الفنان كل إنسان بخطوط قاتمة بديلا عن الفورم. أما الفنان جورج البهجوري (66 عاما) فعرض علينا لوحة تمثل مشهدا من إحدى حواري القاهرة القديمة, حيث المساجد العتيقة, والطرق المزدحمة بالناس والعربات والمقاهي وانحاز البهجوري إلى أسلوب تعبيري عند تنفيذ هذه اللوحة, فالخطوط حادة وقوية, ولا وجود للفورم (التجسم) , فالأشكال مسطحة, فضلا عن ملء اللوحة بالتفاصيل الدقيقة من خلال الخطوط الصغيرة التي تشكل في مجملها الحال العام للمشهد المرسوم, خاصة وان استخدام الفنان للألوان جاء صريحا ومتداخلا. ويأخذنا الفنان محمود بقشيش إلى الليل الذي يغلف المدينة بعتمة مخيفة, لا يخفف من قسوتها سوى هذه الأشعة الضوئية المنبعثة من بعض النوافذ والأبواب المفتوحة, كإشارات وحيدة إلى وجود حياة. لقد تمكن الفنان من إدارة الحوار الأبدي بين الظل والنور بمهارة فائقة, جعلت المتلقي يستقبل أرقى متعة بصرية ممكنة عند متابعته لهذا الحوار الخلاق. وفي محاولة لاستعادة الكرامة الجريحة لفن البورترية, يغامر الشاب وليد عبيد (29 عاما) بعرض عدد من اللوحات تتناول هذا الفن المهجور, رغم كونه أكثر الفنون التشكيلية شعبية. في لوحة (فتاة) نجد الفنان اختار زاوية نادرا ما يقترب منها أحد ليصور فتاته, انها زاوية المواجهة, فبطلة اللوحة تنظر إلى المشاهد بكبرياء وتحد, وهي تمسك بيديها. لهث وليد خلف القوانين الأكاديمية عند محاكاة الواقع, فاحتفل بالفورم, ومناطق الضوء اللامع على الأصابع والأنف, وإن كان اختار ألوانا شبه نحاسية ليلون بها الأجزاء البارزة من الجسد, في حين جعل الخلفية سابحة في الألوان الفاتحة بشكل عام, حتى لا تجرف انتباه المتلقي عن امعان التأمل في بطلة اللوحة. أما الفنان عبده رمزي (37 عاما) فقدم لنا قطعة نحتية أقرب إلى الكاريكاتير, فهي تمثل وجه رجل من الزمن القديم, حيث يرتدي الطربوش, بينما شاربه اتخذ أوضاع الرجال في أوائل القرن. إن الصياغة التي ابتكرها عبده رمزي تنم عن مقدرة في تطويع خامة البرونز التي استخدمها إذ جاءت العلاقة بين الكتلة والفراغ متناسقة, لا وجود للافتعال بها. لا جدال ان معرض المتفرغين كشف عن عدد من المواهب, عطلتها ظروفها الوظيفية, ولولا منحة التفرغ, ما تمكن أحد منهم من أن يخوض غمار الابداع بكل قوة وحرية. القاهرة ــ ناصر عراق