تعودت وللعادة أحيانا أحكامها ألا أبدأ إذا كنت مسافرا بمحادثة من يجاورني في المقعد إلا بابتسامة مجاملة قصيرة حتى ولو كانت الرحلة ستستغرق ساعات طوال, ذلك ان الأيام علمتني بأن الناس أجناس وعادات وأمزجة, فمنهم من يخيل له انه صاحب الأمر والنهي وأن على جميع الركاب في الطائرة ان يصمتوا عندما يتكلم وألا يتكلموا إلا إذا هو أمر .. ومنهم من يعتقد ان المضيفات يعملن فقط لخدمته وعليهن السمع والطاعة, ومنهم من يعتقد انه وحده في الطائرة دون الآخرين فيتصرف كيفما شاء. وهكذا تتعد الوجوه والتصرفات والانفعالات وعلى من لا يستحي ان يفعل ما يشاء.. إلا انه الحظ وحده يرمي الانسان في أماكن اجبارية كهذه إلى حيث الهدوء وأحيانا إلى حيث ما لا يتمنى أو يريد.. وكثيرا ما اسعفني الحظ بالجار الطيب أو الرفيقة الجميلة التي كم تمنيت ان تطول الرحلة وتقف عقارب الساعة عند ابتسامتها المثيرة أو التفاتتها الساحرة. وقد رماني الحظ هذه المرة عند رجل يعتقد نفسه أنه أفضل من يفهم في الموضة والأزياء والأناقة, وكانت الغلطة الوحيدة التي ارتكبتها بعد ابتسامة المجاملة الافتتاحية هي قيامي بخلع الجاكيت الذي أرتديه لأن الرحلة طويلة ولابد من الراحة في الجلوس.. وبعدها بدأ الدرس ولم ينته أبدا.. قال: هل تفهم في الموضة والأزياء؟ قلت: قليلاً, فأنا أتابع مستجدات الموضة في المجلات ودوريات الأناقة. قال: وما هو اللون الدارج في موضة هذه السنة بالنسبة للرجال؟ أجبته: على ما أعتقد انه الأسود والأزرق. قال: يبدو انك متابع جيد, ولهذا تهتم باللون الأزرق. قلت: لا , فاهتمامي به قديم فأنا من عشاق الأزرق دائما. قال: أما أنا فواحد من صانعي الموضة في العالم. وبفضول سألته.. من أنت؟ أجاب بفخر: أنا الياس صاغي من الأسماء التي ترددها دور الأزياء العالمية في باريس وميلانو ونيويورك وأحد الذين تستشيرهم تلك الدور دائما. أتدري ما الذي أثار انتباهي عندما خلعت الجاكيت الذي ترتديه.. انها الماركة التي دائما ما أحيطها بعنايتي واهتمامي, لذا كان اهتمامي بك من اهتمامي وعنايتي بالماركة التي ترتديها.. أما الأمر الآخر فهو عدم اهتمامك بربطة العنق مما يدل على تمتعك بروح شابة.. وأردف صاحبي: أتدري بأن ربطات العنق وخاصة الحمراء أصبحت العلامة الفارقة لرؤساء الدول والجمهوريات والوزراء والسياسيين ومن هم في مراكز القوة والنفوذ.. وقد عرفت من آلان فلوسير وهو أحد مصممي ربطات العنق في العالم ان اللون الأحمر يتناسب مع جميع ألوان البدلات دون استثناء ويضفي على الثياب البهجة ويبعث فيها الحياة ويشد إليها الأنظار, وإذا أردت أن تدرك صدق هذا الكلام فما عليك إلا ان تراقب النجوم والمشاهير والرؤساء لتكتشف سر تعلقهم بالربطات الحمراء. لقد تغيرت المفاهيم ومضى عهد ربطات العنق الداكنة التي ترمز إلى تزمت مستعمليها ووقارهم حتى ان شركة فورمات الأمريكية التي عرفت بانتاج ربطات عنق يمكن وصفها بأنها تقليدية ومحافظة بدأت من جديد في انتاج ربطات عنق حمراء وفاتحة. وهنا بادرته لكني أراك عكس ذلك فأنت ترتدي ربطة عنق صفراء متداخلة مع الأزرق. أجاب: أتدري, انني أفضل الموت على استعمال ربطة عنق حمراء, فأنا أرى ان هؤلاء أصحاب ربطات العنق الحمراء مقلدون ويبدون كأنهم مضيفون في الطائرات, ويبدو اللون الأحمر في اعناقهم كأنه يفتقر إلى الأصالة, فهو يشبه أخبارا قديمة في الصحف.. هذا هو رأىي لكنه ليس ملزما فلكل انسان ذوقه واختياره. وعندما التفت صاحبي يحدث المضيفة تحسست رقبتي وحمدت الله انني لم أرتدِ ربطة العنق الحمراء التي كنت قد قررت ارتداءها وتركتها في آخر لحظة.. أتدرون لماذا؟ لأنني لا أحسن حتى الآن ربطها!