صعيدي في الجامعة الأمريكية .. فيلم مصري لاتحمل ملصقاته أسماء نجوم فرضتها السينما المصرية لسنوات طويلة .. ويخلو من مشاهد ساخنة وأثارة فاضحة وتظهر فيه أسماء شباب تسلحوا بالمواهب, ولديهم الكثير ليقدموه الى شاشة السينما .. فقدموا تجربة ناجحة بعد فيلم اسماعيلية رايح جاي . (صعيدي في الجامعة الأمريكية) يؤكد ان هناك جمهورا لم يكن في حسبان المنتجين, يتحرك نحو أفلام تقدم الواقع بمشكلاته في إطار ضاحك رفيع, والحيدة التي حكمت الناس في نجاح فيلم (اسماعيلية رايح جاي) بطولة محمد هنيدي ومحمد فؤاد .. ربما فكت أسرارها في فيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية) الذي يلعب بطولته محمد هنيدي, ومنى زكي, وأحمد السقا, وطارق لطفي, وغادة, وهاني رمزي, ومن ورائهم المؤلف مدحت العدل, والمخرج سعيد حامد الذي يعود مرة أخرى إلى السينما بعد أن توقف لسنوات أقدم فيها على الانتحار نتيجة الفشل الجماهيري لتجربته الأولى (الحب في الثلاجة) الذي استحسنه النقاد ولم يتقبله الجمهور. فيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية) الذي حقق في أسبوعه الأول فقط ما يزيد عن المليون جنيه ايرادات, هو حديث جمهور السينما في مصر بكل فئاته .. مثقفين, وجمهور عادي .. يحكي الفيلم في بساطة شديدة وموضوعية ارتبطت بالواقع المعاصر, قصة الشاب الصعيدي خلف الذي تركز طموحه في العلم والتفوق, وجاءته منحة للتعليم في الجامعة الأمريكية, فيأتي من الصعيد حاملاً بداخله تراث الأرض, وأخلاقيات الفلاح الأصيل ليصطدم بمجتمع غريب, ابتداء من البيت الذي يسكنه مع أصدقائه حتى الجامعة المليئة بكل تناقضات المجتمع المصري. وعلى هذه الأرضية يأتي الفيلم بالشاب المتحمس للوطنية والديمقراطية والذي يتعرض للاعتقال أكثر من مرة, بسبب دفاعه عن القضية الفلسطينية وأطفال العراق, وتجد المدرس المصري الأصل, أمريكي الجنسية, وتربى على فكر أمريكا, فأصبح يكيل بمكيالين, وعلى هذا السياق تشاهد نموذج الطالبة المصرية المنبهرة بأمريكا, ويظل هذا الانبهار هو معيارها الأول في الحكم على الأشياء التي تتعلق بالوطن, لكنها تكتشف حقيقة المجتمع الأمريكي الذي يدعو الى الديمقراطية ولا يطيق أن تمارس ضده, وفي اقتدار ايضا يأتي مؤلف الفيلم مدحت العدل بشاب مستهتر حتى تكتمل الصورة الاجتماعية للمجتمع المصري. الفيلم يجمع مشاهد رائعة, أبرزها مشهد حرق العلم الاسرائيلي في فناء الجامعة الأمريكية بيد الشاب الصعيدي خلف, وأروع ما في هذا المشهد أنه تم دون تكلف أو اصطناع, فهو لم يقصد المشاركة في مظاهرة قام بها الطلاب ضد اسرائيل . بل كان بعيدا يتساءل عنها, ولكنه بتلقائية الصعيدي ابن الأرض المعجون فيها حين وقع العلم في يده بالصدفة أشعل النيران فيه على الفور, ولم يكن السبب في ذلك هو موقف أيديولوجي مسبق ضد اسرائيل .. لكنها الطبيعة الانسانية عنده المعبرة أيضا عن طبيعة البسطاء خاصة هؤلاء القادمون من ريف مصر, وهي الطبيعة التي لا ترى في إسرائيل إلا عدوا يجب التعامل معه بمفهوم العداء وفقط. أما خارج أسوار الجامعة فتمتد الصورة الاجتماعية لتشمل أوجاع الغربة الآتية من السفر والترحال خارج الوطن من أجل لقمة العيش, حيث ترى فتاة ليل نوبية تحمل بداخلها أحزانا وهموما لا يشعر بها أحد نتيجة غياب زوجها وأب أولادها بعد سفره الى العراق بحثا عن الرزق .. وعلى الجانب الآخر نجد الفتاة أمينة ذات الحجاب الذي لم يمنعها من أن تكون ذات عقلية متفتحة تمارس حقها في الحب والزواج ممن تحب دون أن يحمل الفيلم اسقاطات سخيفة, في رؤية تقول ان الحجاب ليس حجاب الملبس وانما هو حجاب العقل. كل هذا النجاح الذي حققه الفيلم في أسبوعه الأول يحكي قصته بطله محمد هنيدي .. يقول لـ (البيان) سيطرت فكرة الفيلم عليّ منذ عشر سنوات بالتحديد وأنا طالب في كلية الحقوق جامعة القاهرة, وعندما رويتها لمدحت العدل انفعل بها وكتبها. ويضيف هنيدي: صعب ان أقارن بين هذا العمل وأي عمل آخر لي.. لأن صعيدي في الجامعة الامريكية هو حلمي الخاص منذ سنوات, ولم أكن وحدي في تحقيقه وصنع نجاحه, الفيلم وراءه كتيبة تبدأ من المنتج الذي أعطى امواله لمجموعة من الشباب, والوجوه الجديدة, لايمانه بموهبتهم ونجاحهم, ومؤلف قادر يفهم مجتمعه جيداً, ومخرج تحمس للعمل كثيراً وقاد المجموعة باقتدار وامتياز. ويقول هنيدي: كل من عمل في الفيلم عمل بحالة حب لم أرها من قبل في اي عمل شاركت فيه, وتحملنا التعب والارهاق, لكن هذا لم يمنع اصابتي بالتوتر والعصبية قبل عرض الفيلم. وعن تأثير الفيلم على الجمهور قال هنيدي: التأثير لمسته في عرض الافتتاح, حيث صفق الجمهور ويظل يصرخ وهو يرى مشهد حرق العلم الاسرائيلي, فقد تفاعل معه الى درجة كبيرة.. وعن سبب الاقبال الجماهيري على الفيلم قال: يحمل الفيلم موضوعاً مختلفاً, وتقيحاً سياسياً في مجتمع الشباب الموجود في عالم الجامعة الامريكية بكل ما فيهم من متناقضات.. لكن هنيدي ينفي ان يكون الفيلم سياسياً, ويصفه بأنه واقعي. ورغم ذلك يقول: لا يمكن ان ننكر ان هناك شباباً ينبهر بأمريكا ومكانتها وعلينا اظهار الصورة الحقيقية لها دون شعارات, او خطب, وهو ما يقوم به جيل من شباب السينمائيين, يشق طريقه الآن الى عرش السينما.. ليس فقط السينما, ولكن ليجد فرصته في التعبير عن نفسه. وعن الفرق بين فيلمه الجديد وفيلمه (اسماعيلية رايح جاي) الذي استمر عرضه ما يقرب من 15 شهراً.. قال هنيدي:(اسماعيلية رايح جاي) كان يتحدث عن البيت المصري المطحون من الفقر, وتضحك فيه الشخصيات على قدرها, وكان أيضاً حالة جديدة ومختلفة انجزنا فيها شيئاً من النجاح.. أما صعيدي في الجامعة الامريكية فقد حمل جانباً آخر هو وعي الشباب المصري في داخل محيط بيئة تختلف نسبياً عن باقي الأماكن في المجتمع المصري. وعن تجربته مع المؤلف مدحت العدل.. قال هنيدي: اختارني مدحت العدل في فيلم (البطل) اخراج مجدي احمد علي بعد أن رآني في فيلم (قشر البندق) .. وقامت مشاركتي في فيلم (البطل) على جانب تراجيدي, وهو ما أخاف المخرج مجدي أحمد علي الذي قال لي: أخاف على الجانب الكوميدي فيك بسبب هذاالفيلم.. الا ان (صعيدي في الجامعة الامريكية) جاء ليؤكد على امكانياتي في تقديم التراجيدي والكوميدي والفضل في هذا يعود الى مدحت العدل. يقدم هنيدي في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية عدداً من الأغنيات كتبها له المؤلف مدحت العدل, وتأتي على نفس مستوى اغنية (كامننا) التي أداها مع المطرب محمد فؤاد ولاقت نجاحا هائلاً, غير أنها قوبلت بهجوم عاصف من بعض المثقفين, وصنفها البعض ضمن الأغاني الهابطة رغم تحقيق ألبومها الغنائي نجاحاً هائلاً.. ويعلق هنيدي على ذلك: لا يمكن ان يكون التفاف الناس حول أغنية معينة يرددونها نوعاً من الفشل للأغنية, وتصنف الأغنية رغم ذلك على أنها أغنية هابطة.. وهل لكي تحقق الأغنية نجاحاً يجب ان تتحدث عن انفجارات وبكاء وخيانة للحبيب. أين الهبوط ونحن نقدم عملنا الفني بأغنيات تخدم الدراما في الفيلم وبكلمات يرددها الشباب مثل (كجولوه) ؟.. أين الهبوط والابتذال؟ هل هناك كلمات تخدش الحياء مثلاً؟ كل ما في الموضوع أننا شباب, ونتحدث بلغة الشباب, وبلغة يفهمها الكبار ايضاً.. انا أطالب بمنح الناس فرصة الضحك ولو لنصف ساعة. وفلسفة هنيدي في الكوميديا بسيطة بقدر بساطته الشخصية.. يقول: الكوميديا التي تخاطب العقل كما في فيلم (صعيدي في الجامعة الامريكية.. هي الكوميديا التي تعيش لأنها تمنح الانسان فرصة التفكير وهو يضحك وبالتالي تكون الكوميديا الأطول عمراً... أما كوميديا القلب فتكون (الضحك للضحك) .. تضحك بسرعة وتنسى أسبابها بسرعة. القاهرة - مكتب البيان