إن المراقب لساحة الشعر الشعبي عندنا في الجزيرة العربية يلحظ اول مايلحظ عدم اتفاق الكتاب وشعراء هذا النوع من الشعر على تسمية واحدة له فمنهم من يسميه نبطيا ومنهم من يسميه شعبيا ومنهم من يسميه عاميا ومنهم من يسميه بدويا غير انهم متفقون لاشك على انه شعر غير فصيح اللغة . وذلك فن شعري ليس لنا ان نخرجه من دائرة الشعر العربي لمجرد انه مكتوب بغير الفصحى لذلك فاننا نقر بانه فن له اهله ورواده القدامى والحاضرون الذين لهم ابداعهم المشهود الذي فرض وجوده على اذواق الناس في شبه الجزيرة العربية لاسباب عديدة منها غيبة الشعر العربي الفصيح عن الساحة لمدة طويلة من الزمن بسبب بعد الناس في هذه المنطقة عن ممارسة الفصحى ممارسة يومية حياتية مباشرة ببعد الحواضر العربية في الجزيرة عن دورها الريادي السابق في قيادة الامة العربية والاسلامية ولذلك الانهيار الكبير الذي تعرضت اليه الدولة العربية الاسلامية وعودتها بعد التمزق الى امارات صغيرة يسودها الجهل والفقر في المدن ويسودها في البوادي القبلية والتشرذم والحروب الطاحنة التي عادت بهم الى جاهلية يهون من غلوائها ويفرق بينها وبين الجاهلية الاولى ايمانهم بالخالق وتوحيدهم له. وكان لابد لعرب الجزيرة من ديوان شعري يتغنون به حتى بعد عودتهم الى البداوة غير الفصيحة وقد كان لهم ذلك بقولهم الشعر عربيا بدويا بلهجتهم فكان هو ديوانهم الجديد في جزيرة العرب بديلا عن الشعر العربي. وانه لا لوم عليهم في ذلك ولاغضاضة فالعرب لا يعيشون بغير الشعر وحنين الابل ولقد ظلوا كذلك يقولون شعرهم غناء عفويا بدويا حتى بعد ان عادت جزيرتهم الى ركب الحضارة شيئا فشيئا وحتى عادت بواديهم مدنا حضارية شامخة وحتى عاد ابنائهم يدرسون العربية الفصيحة في معاهدهم ومدارسهم, ان فطرة عرب الجزيرة اعتادت على قول الشعر بلهجتهم البدوية فاصبحوا يرتبطون بذلك الشعر ولهجته ارتباطا نفسيا عفويا لايتركونه الا اذا عادوا الى الفصحى ليس في معاهد الدرس والتحصيل فحسب بل في الساحات العامة والاحاديث العامة والخاصة ولن يكون ذلك بجرة قلم اقرارا رسميا, لكنه سيكون بحب تلك اللغة الفصحى حبا شعوريا جارفا بتربية الاجيال المقبلة على تذوقها ذوقا يحل في الروح العربية محل حب العامية الذي استقر في ارواح عرب الجزيرة وفطرتهم بمرور قرون من الزمن. واعود عودا حميدا على ما كان هو البداية واقول ان الشعر العامي الشعبي النبطي البدوي سمة ما شئت امرا واقعا لا مجال لانكاره نتعاطاه نحن عرب الجزيرة بتوق وشوق وولاء, ذلك الولاء الذي دعى الشباب المتحمس احيانا والمستسهل للشهرة حينا ان يتخذه مركبا سهلا للظهور بمظهر الصحافة المتخصصة فيه ولكن بغير تخصص اكاديمي مؤهل. ان الصحفي عموما في غير الشعر النبطي يمارس صحافة لها اسسها واصولها العلمية التي لايمكن لاحد تجاوزها ولا يمكن لاحد الاشتغال بها الا اذا كان مؤهلا تأهيلا علميا او ان يكون قد مارس الصحافة وعرف آدابها واساليبها وتزود لها بادوات منها اللغة والثقافة والمراس حتى عاد بها خبيرا عارفا, غير ان الناظر الى ساحة ما يسمى بالصحافة الشعبية يجد انها صحافة هواة تغلب عليهم الصفة العامية فغالبهم صحفيون هواه لا يعرفون من الصحافة واصولها وعلومها الا اسمها فهم صحفيون لامعرفة لهم بالصحافة لا دراسة ولاخبرة استقوها على يد من سبقوهم بل هم غاوون هاوون يتبعون الشعراء الشعبيين يستثمرون كتاباتهم الشعبية واشعارهم فيكتبون عنهم وعن اخبارهم وعن مغامراتهم وعن احوالهم بقليل من البحث وكثير من الارتجال والاثاره الصحفية التي لم يعرفوا سواها من اساليب الصحافة, انهم صحفيون تجاوزا , شعبيون صفة عاميون تفكيرا. انه ذلك التفكير العامي الذي ذهب يحذر منه الاستاذ السعودي الدكتور مرزوق بن ضيتان وهو التنظير للشعر العامي بمحاولة مستميته لجعله بديلا عن الشعر العربي كأدب. ان هذا التفكير العامي الذي اراده الدكتور مرزوق وحذر منه هو ان يتخذ الشعر العامي بحكم مكانته الجليلة في نفوس عرب الجزيرة ذريعة للكتابة عنه كتابة المقصود منها البروز والظهور بصفات الكتاب والمنظرين لهذا الشعر لاحبا فيه ولكن نكاية في الشعر العربي اما للجهل به او لعدم القدرة على التفوق في الكتابة النقدية فيه. فما كان الخوض بالنقد في الشعر العربي يحتاج الى ادوات منها اللغة والثقافة الواسعة والبحث الجاد المستمر في الشعر تراثا وحاضرا اقول لما كان الحال كذلك بالنسبة لشروط التنظير بالنقد في الشعر العربي الفصيح لم يجد محبوا الظهور بمظهر النقاد واثواب الاساتذة من اشباه العوام من حدثاء السن او قليلي التعليم من ادعياء انصار الشعر العامي الا ان يتلبسوا باثواب المنفذ والصحافة الشعبية العامية التي باتت اسهل من شرب الماء. وقبل هذا وبعده فاننا لا ننكر وجود اساتذة فضلاء منصفين يعرفون للشعر العربي قدره وللشعر النبطي مكانتة لهم ادواتهم العلمية والعملية التي تؤهلهم للريادة في مجال الصحافة عموما والتصدي للنتاج الشعري النبطي الهائل على الساحة الشعرية في الجزيرة العربية مع قدرة على فرز جيده من غثة, كما لايمكننا تجاهل اناس صحفيون تصدوا لابراز الشعر الشعبي في صورته الجميلة بغير محاولة لطمس معالم الشعر العربي الفصيح عارفين عالمين ان هذا الجدول الشعري العامي العذب ليس الا قناة لابد من اعادة وصلها باصلها آجلا ام عاجلا. ثم ان القصد من هذا كله ألا يتسنم من ليس بالكفؤ مكانة الاكفاء ألايكون الشعر النبطي والكتابة عنه مطية العاجز القاصر قليل الحيلة للوصول الى وسائل الاعلام وان لايتسمى بالصحافة من يجهل الفها وباءها.