دعا المفكر العربي كلوفيس مقصود إلى اعلام عربي حقيقي لا يتلاعب بالمعطيات والحقائق مؤكدا على ضرورة أن نستوعب دائما انه لا وجود لاعلام بدون خلفية سياسية . وقال في حوار مع (البيان) على هامش مشاركته في ندوة (العولمة وتجسير الثغرات) التي عقدت خلال موسم أصيلة الثقافي العشرين بمدينة أصيلة المغربية (انا نريد أن نساهم في بناء العولمة, ولكن وفق رؤية لا تقود إلى تهميش دول الجنوب, أو تقود إلى هيمنة مصالح أمريكية ــ اسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط) . وأوضح مقصود الذي يرأس إدارة مركز دراسات الجنوب العولمية بالجامعة الأمريكية بواشنطن ان مفهوم السيادة لا يعني أن يتحول إلى أداة لفرض مزيد من القهر والحرمان على مجتمعات الجنوب مما يسمح بتدخل منظمات حقوق الإنسان, منبها إلى (ضرورة العمل كي لا يصير للغرب كامل الاطلاق والشمولية في إدارة المجتمع الدولي) . وادناه نص الحوار : - نود أولا أن تقدموا لنا فكرة أولية عن مركز دراسات الجنوبي العولمية التابع للجامعة الأمريكية بواشنطن. ما هي مهمة هذا المركز, وكيف يتعاطى مع ظاهرة العولمة؟ ــ مهمة المركز معالجة القضايا التي تتجاوز الحدود الدولية من أجل ايجاد نظام دولي يكون أكثر أمنا بالنسبة للعديد من شعوب دول الجنوب التي يبلغ عدد سكانها 80% من سكان العالم, ولا تملك سوى 20% من الثروة العالمية. هذا التناقض كان وراء تفجير أزمات سياسية وخلافية وفسح المجال أمام العبثية سواء كانت متعلقة بالأديان أو بالاعراق, والحوار القائم اليوم حول العولمة, فضلا عن التصور الذي عمل عليه, يتصل بهذه النقطة بالذات, والتي يمكن أن نسميها تجسير الثغرات بين أطراف المجتمع الدولي وردم المفارقات الاقتصادية وغيرها الناتجة عن الوضع المذكور سابقا. ومثلما يهم هذا الاشكال دول الجنوب فإنه بالضرورة يهم البلدان العربية والشرق الأوسط لانها جزء منه, ويهم أكثرالدولة, لان العولمة أساسا تهتم بموضوع الشراكة بين الدول على المستوى العالمي. والدول العربية تعيش اليوم وضعية معقدة شأنها في ذلك شأن الجنوب بأكمله أي ان هناك أزمات داخلية على هذه المجتمعات أن تتداركها وأن تتهيأ لمواجهتها بوقائيات أمنية, أن تتعرف على هذا الوضع وتتسلح بما يمكن أن نسميه دبلوماسية وقائية. فلو كانت الجامعة العربية مثلا تملك هذه الدبلوماسية الوقائية لكان بامكانها أن تشغلها لتجنب الاصطدام الذي تحول إلى حرب الخليج التي حصلت, وقد نقول نفس الشيء بالنسبة لرواندا أو الصومال. الآن هذه الآلية مطلوبة على كافة المستويات سواء تعلق الأمر بدور الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو المؤتمر العربي الإسلامي نظرا لخطورة الصراعات الحالية الاقليمية التي هي مصدر الخلافات. نعطي مثالا واحدا: على طول وادي النيل الواصل بين أثيوبيا ومصر فإن نسبة 84% من المياه تأتي من أثيوبيا في حين أن مصر تستهلك لوحدها 75% من هذه المياه. هذا عامل واحد يكفي لتبيان ضرورة الحوار حول المصالح العربية المشتركة ويدفع للتفكير بهذه الدبلوماسية الوقائية التي تهم أيضا الجيران سوريا والأردن ومصر وفلسطين في علاقتها فيما بينها أو باسرائيل. مهمة مركز دراسات الجنوب العولمية هو وضع مثل هذه الدراسات والتفكير في أوضاع دول الجنوب وتسطير جدول أعمال مع صانعي القرار في هذه البلدان تؤخذ بعين الاعتبار على المستوى العملي. تباعد الفكر والقرار - كيف يمكن تقويم حصيلة أعمال المركز على مستوى علاقته بدول الجنوب وخصوصا بالبلدان العربية؟ ــ للأسف, معظم الدول العربية لا تزال تعتقد ان أهل الفكر في موقع وأهل القرار في موضع آخر, لكن أعتقد ان بدايات تقويم المجتمع المدني بدأت تأخذ مجالا متسعا وبالتالي نحن نعمل على مساندتها بالدراسات والبحوث والاستشارات. - ألا ترون ان المفكرين العرب الذين التقيناهم خلال ندوة (العولمة وتجسير الثغرات) يقدمون تصورا ايديولوجيا للعولمة, بما في ذلك تصوراتكم الشخصية؟ ــ بالنسبة لي الأمر يختلف. أنا لدي اعتراضات على بعض المسائل المتعلقة بالعولمة. لسنا ضد العولمة ولكن لسنا منبهرين بها, ونريد أن نشارك في بنائها وهندستها لا أن نكون النتيجة لعولمة يسودها الصراع الشمالي الجنوبي بصورة سلبية. هذا الموقف ناتج عن عدة عوامل: العامل الأول ان الدعوة إلى العولمة جاءت مباشرة بعد حرب الخليج عندما كنا في وضع للاستنزاف اقتصاديا وسياسيا وقوميا. والعامل الثاني انها جاءت طبقا للرغبة الأمريكية التي هي الدولة المهيمنة بتمرير اسرائيل وسط الاطار العربي, لتتجاوز حرمانها من حقوقنا أو التضييق عليها. وبالتالي نتج عن هذا رغبة ما خارجة عنا في تحويل هويتنا القومية العربية إلى هوية شرق أوسطية. وحين سعينا لتوضيح هذه الاعترافات عمد المنبهرون بالعولمة إلى اتهامنا بأننا ندعو إلى عودة لخطاب الستينات وخطاب الايديولوجيات. هذا غير صحيح, بل هو بداية للاضطراب الذي لا نريده أن يسود في فهمنا لظاهرة العولمة. نحن نريد أن نساهم في بناء العولمة ولكن وفق رؤية لا تقود إلى تهميش دول الجنوب, أو تقود إلى هيمنة مصالح أمريكية ــ اسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط. عندما نقول اليوم بأن مليار دولار من الثروة العالمية هي اليوم في أيدي دول الشمال, فهذا يعني ان الشمال يهيمن على مصادر التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وعلينا أن نتحسب جيدا ما تعنيه العولمة إذا كانت منطلقة من هيمنة شمالية لانها تتحول إلى رعاية أمنية لمصالح هذه الدول. أين دور الاعلام - ماذا عن دور الاعلام, ما هو موقعه داخل هذه الدينامية لتصارع القوى والمصالح؟ ــ الاعلام له دور خطير في هذا المجال. علينا أن نحول السؤال لنجعله: من يمسك الاعلام ومن يسيطر على أجهزة الاعلام؟. والواقع انه اليوم توجد خمس أو ست شركات دولية فقط تسيطر على الاعلام الدولي وتكيف اتجاه الرأي وفق ما تشاء, وترتبط فيما بينها بمصالح متبادلة, الاعلام يقول لك ان اسرائيل ستنسحب بنسبة 13% من المواقع الفلسطينية المستوطنة. توظيف كلمة (انسحاب) اعلاميا هو تشويه للحقيقة, لان كل عملية انسحاب كانت دوما هي عودة للانتشار من جديد.. وهكذا. وبامكاننا أن نذهب بعيدا في تحليل دلالة كلمة (انسحاب) لنجدها غير واردة اطلاقا في أدبيات اتفاقيات أوسلو, وانها لا تعني أبدا (الانسحاب من أرض محتلة) ولا تعني استرجاع السيادة على خلاف ما نجده في اتفاقية جنيف الرابعة التي حرم الشعب الفلسطيني من تطبيق بنودها. وهو ما جعل المقاومة الفلسطينية ينظير إليها كخروج على القانون. لذلك, انطلاقا من المثال المذكور, أقول ينبغي أن يكون لنا اعلام عربي حقيقي لا يتلاعب بالمعطيات والحقائق وعلينا أن نستوعب دائما انه لا وجود لاعلام بدون خلفية سياسية, وأن يكون تنسيق اعلامي عربي قائم على الاحترام. - الحديث عن العولمة وصراع الشمال والجنوب يقودنا إلى الحديث عن مفهوم السيادة, إذ يقال ان العولمة خطاب يهدد سيادة دول الجنوب. ما رأيكم في هذه المسألة؟ ــ معظم دول الجنوب تحرص على سيادتها, لان السيادة تعبير عن الاستقلال, والنضال من أجل الاستقلال يشكل ارثا معنويا بالنسبة لهذه الشعوب وهم يتمسكون بها. طبعا, هذا التمسك قد يتناقض كثيرا مع الكثير من النتائج العولمية التي حصلت في الثورة الاقتصادية والمعلوماتية على المستوى الدولي التي تعرف حالة عدم توازن يجيز لدول عالم الجنوب الحفاظ على السيادة. ومع ذلك فإن مفهوم السيادة لدى بعض دول الجنوب يفهم بطريقة غير ايجابية, بل يتحول إلى أداة لفرض مزيد من القهر والحرمان على مجتمعاتها الذاتية إلى درجة أن تتدخل منظمات متعددة باسم حقوق الإنسان ضد هذه الدول, لذا لا ينبغي أن تعطي صفة الاطلاق لمفهوم السيادة, يجب أن تدرك أهمية حرصنا على السيادة الدولية بمعنى الاعتراف بكياننا, وليس بمعنى أن تصير ذريعة لحرمان الشعوب من حقوقها الإنسانية: الحق في التعبير والاعلام والعيش والتعليم والصحة والحق في البقاء. السيادة تظل واردة في الآن ذاته الذي ينبغي أن نقيم فيه توازنا ما بين مصالحنا المشتركة مع الغرب وخدمة مصالحنا الذاتية لضمان الحقوق الإنسانية الطبيعية, ليس من دواعي السيادة أن نكون دوما في مواجهة الغرب, بل فقط أن نعمل لكي لا يصير للغرب كامل الاطلاق والشمولية في إدارة المجتمع الدولي لوحده. نريد أن نكون شركاء في إدارة المجتمع الدولي, وأن نرعى أولياتنا في ذلك. عندئذ سيدرك عالم شمال ان عالم الجنوب مشارك في صناعة القرار, وان مطلبياته مقبولة, بهذا الفهم نحن مع العولمة لا أن نقبل بالعولمة لنكون شغلاء وخدما لدى دول الشمال والذين يفهمون العولمة بأنها اجراء للتطبيع مع اسرائيل. مفهوم الشراكة - قبل التداول العالمي لخطاب العولمة اليوم, كان هناك حديث كثير يدور حول مفهوم الشراكة, نريد من خلالكم معرفة موقع الشراكة كمفهوم بالنسبة لما تعنيه العولمة خطابا وواقعا عمليا؟ ــ لا أريد أن أعود هنا إلى الحديث عن المؤتمرات الاقتصادية التي عقدت في بعض الدول العربية التي يتصور الغرب انها أشد قبولية لمفهوم العولمة. في هذه المؤتمرات كان هناك حديث كثير حول مفهوم الشراكة ولكن طبقا لاتفاقيات تجارية دولية, وقد بدا واضحا صعوبة الحديث عن شراكة اقتصادية في ظل قوى اقتصادية غير متوازنة, ثم بدأ البحث عن صيغ خصوصية لمفهوم الشراكة تختلف باختلاف العلاقات بين الدول والأسواق الكبرى والتكتلات, الآن مفهوم الشراكة هو مجرد مكون اجرائي في آلية العولمة, والعولمة هي التي تحدد له الطبيعة التي يكتسبها أو يطبق بها. - هل يتنافى مفهوم الشراكة مع مفهوم الهوية. ما هي طبيعة العلاقة بين الاثنين؟ ــ الشراكة الاقتصادية حين تنبني على أرضية طبيعية لا تؤثر في طبيعة هوية المجتمعات, يحدث تفاعل, وهذا أمر طبيعي, ولكن في ظل الهيمنة لا يمكن أن تسلم لا الشراكة ولا الهوية من التأثير السلبي, وبتعبير مجازي أود أن أقول ان الحفاظ على مبدأ الهوية يستلزم أن تكون شراكتنا مع الغرب هي عبارة عن (زواج طبيعي) لا أن نكون (مومس) لدى الغرب, وأنت تعرف الفارق بين الزواج والدعارة. - بما انكم تعملون على رأس إدارة مركز دراسات الجنوب العولمية, نريد أن نعرف الصيغة العلمية التي تحددون بها مفهوم دول الجنوب؟ ــ هناك تمييز بين دول الجنوب كموقع جغرافي وبين عالم الجنوب في كل شموليته, وهذه مسألة دقيقة نستوعبها جيدا. معظم الدول الفقيرة توجد في الجنوب الجغرافي, ولكن هناك استثناءات, لان هناك جيوبا غنية داخل مجتمع الجنوب الجغرافي في بحر من الفقر والجوع, وبالمقابل هنالك جيوب (أمكنة) فقيرة في دول الشمال, وتمثل بدورها استثناءات, والجنوب في مفهومه يشمل القاعدة والاستثناء. وهنا نكون نتحدث عن الجنوب كظاهرة للفقر تمتد في الجنوب الجغرافي بشكل أوسع, لكنها حاضرة أيضا في بعض دول الشمال, انها ظاهرة عالمية, مع التأكيد ان ثقل الفقر يوجد في الجنوب الجغرافي. الرباط ــ رضا الأعرجي