افضل عمل يمكن ان تعمله في هذا الصيف الحار جداً, والطويل جداً هو ان تقرأ وتقرأ, وهذه الايام ومن شدة الشوق للكتاب اجدني اقبل على ثلاث وجبات مرة واحدة, الاولى في الصباح مع (فن التفاوض) وفي العصر مع سيرة مرضى حكموا العالم, وقبل النوم اعيد قراءة كليلة ودمنة . في (فن التفاوض) ظننت انني أمام كتاب نظري ممل سأكتفي بقراءة مقدمته, لكنه عكس ما توقعت ممتع الى حد انك لا تشعر معه بالوقت, ولا تملك ان تتوقف الا عند مدخل جديد منه, يشعرك مؤلفه ويليام اوري انه يملك ان يضيف لفكرك شيئاً جديداً ومهما تحتاجه في مختلف شؤون حياتك اليومية. يبدأ الكتاب بالوفاء والعرفان الى كل الذين شجعوا المؤلف وساهموا في اصدار هذا المطبوع, يذكرهم بالاسم اولهم الجمهور, وقائمة تضم اكثر من 30 اسماً, ابتداء بمن قرأ المسودة الى ناشرة الكتاب. فن التفاوض الذي يتحدث عنه اوري لا يقتصر على مباحثات السياسيين ومفاوضات رجال الاعمال, انما يشمل جميع شؤون حياتنا اليومية, تحتاج الى هذا التفاوض في البيت والعمل والشارع, (كل منا يواجه المواقف التفاوضية الصعبة مع زوجة غاضبة او رئيس مسيطر او بائع متشدد او زبون مراوغ أو مراهق صعب المراس, ومهما كان الانسان بطبعه لطيفاً ومنطقياً فقد يتحول تحت الضغط الى شخص غاضب صعب المراس وخصم عنيد, فالمفاوضات قد تصل الى طريق مسدود او قد تفشل تماماً بعد ان تكون قد اضاعت كثيراً من قوتنا واوقاتنا الليالي الطوال وسببت لنا القروح والآلام) . اول درس يقدمه اوري للشخص هو ان يتحكم في نفسه, ان يكون عاقلاً, متزناً, هادئاً امام ثورة الخصم او الطرف الآخر كما يحب ان يسميه, وان يتفهم ويعذر الطرف الآخر, فهو مثله يريد ان يكسب المفاوضات, وان يحاول مساعدته في الوصول الى حل يرضي الطرفين. يركز اوري في نصيحته على ضرورة ان تفهم نفسية الطرف الآخر ومحاولة كسب وده وامتصاص حالة الغضب التي قد تسيطر عليه وذلك بعدة طرق يعرضها بالتفصيل في فن التفاوض. أهم نصيحة يقدمها اوري للمفاوض, (اذهب الى الشرفة) وهي عبارة مثيرة للخيال, وهي لزميله (رونالد هايفتز) من جامعة هارفارد تأثر بها كثيراً. و(اذهب الى الشرفة) هي كناية عن وصف لضرورة اخذ خطوة للوراء للمزيد من وضوح الرؤية, فأمام تحجر الطرف الآخر وهجومه الذي قد يتخطى موضوع المفاوضات الى الهجوم الشخصي, ردة الفعل الطبيعية على ذلك هي مبادلته الهجوم والعداء وتصعيد الموقف. اوري يقول: ذلك لن يزيدنا الا احباطاً بعد ان نجح الطرف الآخر في ارغامنا على الاشتراك في لعبته بقواعده هو, لذلك فان اعظم فرصة أمامك كمفاوض هي ان تغير اللعبة, فبدلاً من اللعب بطريقتهم دعهم يتبعون طريقتك انت ــ طريقة الحل المشترك للمشكلة, وذلك يتأتى باستراتيجية الاختراق وهي (اذهب الى الشرفة) . فالتوقف قليلاً والخروج الى الشرفة يعيد لك توازنك العقلي وتستطيع في الاستراحة اعادة التركيز على تحقيق اهدافك وتتخيل المفاوضات بشكل افضل. يطالبك المؤلف بضرورة عملية الاستعداد وتحديد مصالحك وكذلك تحديد مصالح الطرف الآخر, فالمفاوضات كما يقول اوري طريق مزدوجة, ففهمك لمصالح الطرف الآخر لا تقل اهمية عن ادراكك لمصالحك. وضرورة بناء (جسر من الذهب) لمساعدة الآخرين على حفظ ماء وجههم عندما يتراجعون عن موقفهم المبدئي بأن تمد لهم طريقة يستطيعون بها ان يقدموا الاتفاق لأعوانهم كما لو كان نصرا لهم, هذا الجسر الذي بنيته يقول عنه اوري: اذا حدث وعبر الطرف الآخر فمبروك, ولكن اذا لم يحدث ذلك, فعليك كمفاوض ان تصعب عليه عملية الرفض قدر الامكان. ويشرح المؤلف كيفية استخدام قوتك بشكل بناء وليس بشكل هدام, وكيف يمكنك التغلب على تناقض لعبة القوة. وفي النهاية ضرورة ان تشعر نظيرك بالرضا قدر الامكان عند نهاية المفاوضات فهذا من مصلحتك وعليك الا تتباهى بانتصارك. اوري يشرح في فن التفاوض اهمية التركيز على العوامل النفسية, متى تصمت؟ متى تستخدم الاشارة بيدك؟ متى ترفع صوتك؟ واهمية ان تتعرف على (ازرارك الساخنة) وهي نقاط ضعفك مثل مؤشرات الانفعال الجسمانية من مظاهر العرق او احمرار الوجه او تقلصات المعدة والتي تعتبر مؤشرات حدوث خطأ ما, وعلى انك بدأت تفقد هدوءك, او شعورك بالمرارة تجاه اي نقد او اي سخرية من الآخرين او لقلقك من انك لن تنال اعجاب الآخرين وأهمية معرفة هذه (الازرار) وان تدرك ان خصمك قد يضغط عليها... فكيف تستعد له؟ اوري لا يقدم في فن التفاوض دروساً نظرية لعملية التفاوض بل انه يضرب لك تجارب وامثلة من الواقع العملي, ومن مختلف الميادين والمفاوضات, فن التفاوض يستحق القراءة ويستحق كذلك ان يدرس في الجامعات العربية فهو افضل بكثير من مقررات موجودة, لا يستفيد منها الطالب ولا تضيف له سوى مزيد من وجع الرأس.. والتخلف