هبط صاحبنا الدرج في حذر بالغ, فقد كان الظلام حالكا لا يرى المرء فيه كفه, وقدر انه واصل النزول تحت سطح الارض الى ما يتراوح بين عشرين وخمسة وعشرين مترا, عندما تناهت اليه أصوات صاخبة وأصداء أحاديث مرحة وضحكات طالعة من القلب في إطار من الاغنية الشهيرة في مسرحية(سيدتي الجميلة)في صياغتها الانجليزية ومطلعها بقليل من الحظ . كان بحاجة الى الكثير من الحظ حقا, حتى يتمكن من التعايش مع مخلوقات الزمان والمكان اللذين يوشك على الإطلال عليهما. اما الزمان فهو مطالع صباح مشرق ذات يوم خريفي قبيل حرب اكتوبر التي نوشك على الاحتفال بيوبيلها الفضي, وأما المكان فهو احدى الدشم الحصينة في موقع لكتيبة صواريخ بقوات الدفاع الجوي. وقد حذروه من ان هذه الدشمة ليست الا (قلعة المشاغبين) , فالضباط الاربعة الذين يقطنون بداخلها, ويعملون في المعدات التي تعلوها من ضباط الاحتياط القدامى الذين يحفل سجلهم بالخبرة الفنية... وأيضا بالكثير من المشاغبات والمتاعب مع المؤسسة العسكرية, ولم يكن من قبيل الصدفة ايضا ان ترسله قيادة الكتيبة الى هذه الدشمة, فسجله في كلية ضباط الاحتياط حافل بالمشاغبات. وكما صافحت الضحكات أذنه, داعبت خياشيمه رائحة الشاي (الخشابي) , اي الذي يعد على نيران من خشب الاشجار الصحراوية المتناثرة في هذا الجبل, المعروف باسم جبل الهلاك والوادي البعيد المعروف باسم وادي الموت. بعد قليل كان قدح من الشاي اللذيذ يستقر أمامه وأقدم الضباط الاربعة يعرفه بهم, فهم (مقررون عليه) كما قال له, ولن يغيب عنهم الا اسبوعا كل شهرين, هو اجازته الرسمية. أول الضباط المشاغبين, وهو الاقدم والمتحدث الرسمي باسمهم سامي (محاكمات) , يليه نبيل (مخمخة) والثالث صديق (الوراقي) , اما الرابع والأخير فهو مصطفى (ميري) . هذه الالقاب, بالطبع, ليست اسماء عائلاتهم, وإنما هي ألقاب أطلقها عليهم جنودهم, في تلخيص رائع لشخصية كل منهم ولأبرز ملامحه النفسية والسلوكية, ويبدو انها كانت من النجاح بحيث أصبحت أمرا واقعا, وألقابا تتداول من دون اعتراض من جانب أحد, بمن في ذلك هؤلاء الضباط أنفسهم. يستمد لقب (محاكمات) الذي يحمله سامي جذوره من اعتزازه بخبرته الفنية, حيث تلقى تدريبه على مختلف انواع محطات الرادار الروسية من العمل سنوات طويلة مع الخبراء الروس, وهو يعتقد, ولا يتردد في ان يحاول ان يقنعك, بأنه طالما انه يعطي هذه الخبرة الفنية للمؤسسة العسكرية فلا داعي, إذن, لإزعاجه بمسائل الانضباط وطول الذقن أو قصرها و(تنشية) زيه الرسمي أو المضي به حيثما اتفق! نبيل يستمد لقبه الغريب من اعتقاده بأن الانسان يحيا حياة قصيرة, وعلى كل منا ان يقضيها بعيدا عن النكد والعكننة, وان شئت الدقة فقل ان ينفق عمره في (المخمخة) والروقان والمزاج الرائق, وهذه القاعدة الذهبية تنطبق ــ أوهكذا يزعم ــ على الحياة في ظل المؤسسة العسكرية ايضا! صديق حصل على لقبه بجدارة بعد استئجاره شقة في حي الوراق بعيدة كل البعد عن شقة عائلته, وذلك ليتمكن من ممارسة هوايته في التدخين فيها حسبما عبر سامي ساخرا, بالنظر لكراهية عائلته لكل ما يتعلق بالسجائر والدخان من قريب أو بعيد. مصطفى يحمل لقبه العتيد لاعتقاده بأن الضبط والربط هما جوهر الحياة العسكرية وأن كل شيء ينبغي ان يسير وفق لوائح ونظم المؤسسة العسكرية, حتى لو بدت بعيدة عن المنطق وتدفع للغيظ بل الجنون. ولكن ما الذي يحمل هؤلاء المشاغبين على جناحي الذكريات الضاحكة فيعودون الى البال والخاطر بعد ربع قرن من الزمان؟ ربما كانت الاجابة هي لمحة من المعدن الصلب الذي صيغ منه هؤلاء الرجال, والمنطق الصارم الذي حكم عملهم, والادارة الحديدية التي شكلت نسيج أيامهم, وهو ما كفل لهم في النهاية النصرة في حرب أكتوبر. وجوهر هذه اللمحة حكايات كان بطلها سامي (محاكمات) , وقد شاهدها صاحبنا الضابط الشاب بعينيه, ولهذا يستطيع تأكيد صدقها. تبدأ الحكاية بصدور أمر مفاجىء للكتيبة بإخلاء موقعها فورا, والذي رصده طيران العدو, ويبدو انه يتأهب لقصف مكثف له, والانتقال الى موقع بديل فيما يشبه كمينا دمويا للطائرات الصهيونية. وان هذا يعني جهدا مضاعفا للرجال, فالموقع الجديد يعلو جبل الهلاك, وتكاد صخوره ان ترتفع بشكل رأسي تقريبا, ومن هنا صعوبة تمركز وحدات الصواريخ والرادار والرشاشات به. الجهد الأكثر صعوبة كان من نصيب سامي (محاكمات) ولهذا بادر صاحبنا الضابط الشاب, فور انتهاء مهامه بالمضي لمساعدة سامي. كان على سامي ان يمضي بوحدة رادار تجر على عجل ليضعها في موقع محدد, هو أعلى قمة في جبل الهلاك, وهي مهمة مستحيلة, لولا ان المؤسسة العسكرية العتيدة كانت تستعين بمدرعات ثقيلة, متخصصة في مهام الجر تعرف اختصارا بالحروف الأولى (ايه.تي.اس) . المشكلة ان نبيل الذي تدرب أكثر من غيره على وضع وحدة الرادار عبر هذه القمة كان في اجازة وقت صدور أمر التحرك, وكان على سامي ان ينجز المهمة, وبالفعل مضى سامي ــ سيرا على قدميه ــ ليعطي الاشارات للرقيب الذي يقود القاطرة المدرعة التي تجر محطة الرادار. أوشكت المهمة ان تتم بسلام لولا ان الرقيب الذي يقود القاطرة تعجل النجاح, فاندفع مسرعا ليقطع المرحلة الأخيرة في الصعود الى القمة, فاختل توازن محطة الرادار, ومالت على جانبها على عجلتين, مما شكل ضغطا مضاعفا على وصلات القطر بين المدرعة والمحطة, فتهشمت. أمام عيني سامي وضابطنا الشاب, هوت المحطة مسرعة نحو قرار وادي الموت, واستقرت هناك على بعد مئات الأمتار, محدثة دويا هائلا تجمدت معه كتيبة الصواريخ بكاملها, كأنما مستها عصا ساحر. اندفع الضابطان يركضان بجنون الى الوادي, ووراءهما جنود محطة الرادار, خيل لضابطنا الشاب ان سامي يوشك على السقوط نحو الوادي, وانه لو سبق المحطة لما تردد في الوقوف أمامها ليدفعها الى الوراء بذراعيه حتى ولو كان معنى ذلك ان تسحقه بثقلها الهائل. عندما وصلا الى المحطة في أسفل الوادي وجدا نفسيهما أمام احدى تلك المعجزات التي تجعل العاصي يتوب والمؤمن يزداد ايمانا, فمن بين كل ارجاء وادي الموت المليئة بالصخور الحادة استقرت محطة الرادار فوق كتلة من الاشجار والنباتات الصحراوية. وقف سامي أمام المشهد الرهيب, وهو يقول للضابط الشاب: خلي الولاد يجهزوا بدلة المحاكمات! ولم يكن (الولاد) المشار اليهم الا طاقم جنود محطة الرادار, وقد هبطوا الى الوادي ولحقوا بالضابطين, وعندما فتحت المحطة, نظر الجميع بداخلها, انهمرت الدموع من عيني بعضهم, ورفع البعض الآخر الأيادي ضارعا لرب السماء الرحمن الرحيم. كانت المحطة التي يفترض ان تتهشم تماما سليمة, ولم يتحطم الا عدد محدود من وحداتها الكهربائية يمكن استبدالها واصلاحها في الورشة الفنية المختصة بالمنطقة. ولكن المأساة الحقيقية هي ان الكتيبة لن تكون جاهزة للقتال ــ حسب أوامر قيادة اللواء ــ مع أول ضوء من فجر الغد, وستفلت طائرات العدو من الكمين الدموي المعد لها. ما العمل اذن؟.. تستطيع ان تقول ما تشاء عن المؤسسة العسكرية, لكن شيئا واحدا لا يمكنك ان تقوله عنها, فليس بوسع أحد في الدنيا ان يتهمها بعدم الكفاءة. لا يدري أحد كيف أمكن للمؤسسة العسكرية ان تصل الى نبيل في اجازته التي يقضيها ــ عادة ــ في أماكن لا تخطر على بال, تتعلق جميعها بــ (المخمخة) وروقان البال, حيث أقلته طائرة هليكوبتر الى قيادة اللواء, وانطلق منها بمحطة رادار من النوع نفسه, وبمعجزة استطاع ان يمضي بها لتحتل موقعها الفريد في أعلى قمة في جبل الهلاك. مع أول ضوء كانت الكتيبة قد أبلغت قيادة اللواء باستعدادها للاشتباك مع طيران العدو والمشاركة في الكمين الذي تنصبه الكتائب الاخرى للطائرات الصهيونية. ومع أول ضوء ايضا كان سامي يمضي بالمحطة التي تعرضت للأضرار من وادي الهلاك الى ورشة الاصلاح. بالطبع, شق سامي طريقه ــ مرة أخرى ــ لمحاكمة عسكرية, لكن المؤسسة العسكرية لم تستطع ــ أو بالاحرى لم ترد ــ الحاق ضرر حقيقي به, فهو ينتمي إلى نخبة نادرة من ضباط الرادار لا مجال للاستغناء عنهم, ولا مجال من ناحية اخرى لخصم التلفيات من راتبه لأن هذا يعني تشغيله مجانا لمدة أربعمائة عام, وهكذا تم الاكتفاء بحرمانه من علاوة الاحتياط ومن الاجازات طوال مدة اصلاح المحطة. عمل سامي بمتوسط 16 ــ 18 ساعة يوميا في الورشة الفنية حتى أصلحت المحطة وعاد بها الى الكتيبة ليشارك في العمليات القتالية, وليواصل مع أصدقائه سكان (قلعة المشاغبين) ضحكاتهم. بقي ان تعرف ان سامي ونبيل يعملان الآن في مكتب التصميمات الهندسية بشركة متخصصة في الأقمار الصناعية في كندا, والتي هاجرا اليها بعد ان ضاقت بهما الحياة في أجواء الانفتاح الاقتصادي في بلادهما بعد الحرب. صديق يعمل الآن في قطاع الفنادق في بريطانيا, التي هاجر اليها بعد الحرب ايضا, وقد انتزع من زوجته الانجليزية حجرة في دارهما يمضي مع ضيوفه اليها, وهو يسميها (قاعة التدخين) . مصطفى رفض العروض المتوالية التي قدمت له للعمل في القطاع الخاص, وظل مخلصا لعمله الحكومي ولالتزامه بــ (الميري) , وهو يشق طريقه الآن الى منصب وكيل الوزارة. أما صاحبنا, الذي لم يعد ضابطا, ولم يعد شابا, فإنه يستعيد ذكريات أصدقائه القدامى باسما, ويذكر لهم انهم منحوه هذه القوة النفسية التي تجعله (يساير زمانه) , وان كان هذا الزمان من النوع الذي حدثنا عنه أبوالطيب المتنبي.